الأحد 18 نوفمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

بسبب الفساد.. الأدوية الفاسدة تنتشر في العراق

بسبب الفساد.. الأدوية الفاسدة تنتشر في العراق

قسم التقارير _ العراق 

لم يترك الفساد في العراق أي قطاع أو تجارة إلا ودخلها، فمن تجارة السيارات إلى استيراد المواد الغذائية، وصولا إلى تجارة الأدوية الفاسدة واستيرادها، تجارة تدر ربحا مهولا، قد لا تحققه أي تجارة أخرى، إنها تجارة الأدوية الفاسدة والمنتهية الصلاحية التي باتت تنتشر في معظم الأسواق العراقية، لا بل باتت تباع على أرصفة الطرق في شوارع بغداد والمحافظات.

لم يجرؤ أي مسؤول طيلة السنوات الماضية على كشف أباطرة تجارة الأدوية الفاسدة، إلا أن  تصريح وزير الداخلية “قاسم الأعرجي” يعد الأول من نوعه، إذ أعلن في مقابلة تلفزيونية، عن أن مافيات وجهات متنفذة تدخل كميات كبيرة من الأدوية الفاسدة إلى العراق، الأعرجي أوضح أن مافيات الأدوية تدفع ما يقرب من عشرة آلاف دولار، مقابل إيصال كل حاوية دواء فاسدة إلى العاصمة بغداد، لافتا إلى أن كثيرا من هذه الأدوية منتهية الصلاحية.

الأدوية الفاسدة في العراق.. تجارة رابحة

يعيش العراق منذ عام 2003 حالة فوضوية في مختلف القطاعات، ولعل أكثر القطاعات التي تلامس حياة العراقيين هي تجارة الأدوية المستوردة، والتي باتت رائجة في مختلف المحافظات العراقية، وفي هذا الصدد يقول مدير مذخر  الإتقان الدكتور “سفر عبد الكريم” في حديثه لوكالة “يقين” إن تجارة الأدوية في العراق بصورة عامة، تعد إحدى أكثر أنواع التجارة درا للربح.

ويضيف قائلا: “نفاجئ بأن الأسواق العراقية مليئة بأدوية من مناشئ غير معتمدة لدى وزارة الصحة، وخاصة من الصين والهند، وأن غالبيتها غير متطابقة مع الشروط والمواصفات الصحية المعتمدة لدى وزارة الصحة، وغير مثبت عليها شهادة المنشأ”.

وعن بيع هذه الأدوية وطرق توزيعها، أوضح عبد الكريم أن توزيع هذه الأدوية لا يتم عن طريق المذاخر المسجلة في وزارة الصحة، موضحا أن مافيات تجارة الأدوية المشكوك فيها، تستورد نوعين من الأدوية المضرة، أولها الأدوية المنتهية الصلاحية وثانيها الأدوية غير معروفة المصدر، لافتا إلى أن الأدوية المنتهية الصلاحية يتم التعامل معها من خلال طبع تواريخ إنشاء وانتهاء صلاحية جديدة عليها لأجل ترويجها، وغالبا ما يتم ترويجها عبر الصيدليات مباشرة ومن خلال العيادات التمريضية المنشترة في مختلف المحافظات.

وعن النوع الثاني والمتمثل بالأدوية غير معروفة المصدر، أشار الدكتور في ختام حديثه لوكالة “يقين” إلى أن ذلك يتم من خلال بعض الصيدليات البعيدة عن الرقابة الصحية، لافتا إلى أن المواطنين لديهم جهل كبير بالأدوية، وأن ضعاف النفوس يستغلون البسطاء لبيعهم هذه الأدوية مستفيدين من رخص ثمنها.

وفي هذا الصدد، أشار الصيدلاني “محمد الحساني” الذي يمتلك صيدلية في العاصمة بغداد، إلى أنه كثيرا ما يأتيه مندوبو أدوية لشركات غير معروفة، ويروجون لأدويتهم التي تتطابق مكوناتها مع أدوية أخرى معروفة، وبأسعار زهيدة مقارنة بالأدوية الأصلية، لكن من دون معرفة الشركة المصنعة أو شهادة المنشأ، لافتا إلى أن هؤلاء المندوبون يقدمون هدايا قيمة في حال تصريف كميات معتبرة من هذه الأدوية، وأن بعض الصيدليات في المناطق الشعبية تسحب كميات كبيرة من هذه الأدوية لبيعها لضعيفي الحال بأسعار رخيصة.

ميناء أم قصر.. سلطة فوق السلطة

تصريحات وزير الداخلية “قاسم الأعرجي” عن وجود مافيات وجماعات تنقل الأدوية الفاسدة والمنتهية الصلاحية من الموانئ الى العاصمة بغداد مقابل عشرة الاف دولار للحاوية، تثير عددا من التساؤلات عما هية هذه الجماعات، خاصة أن الأعرجي تطرق في تصريحاته إلى “جماعات تحت يافطات معينة”، ما يمكن تفسيره على أنها جهات متنفذة.

“لم يترك الفساد في العراق أي قطاع أو تجارة إلا ودخلها، وصولا إلى تجارة الأدوية الفاسدة واستيرادها”

وفي هذا الصدد، يقول موظف في ميناء أم قصر – الذي يعد أكبر الموانئ العراقية حجما –  والذي عرّف عن نفسه بـ “عبد الأمير الحسن” إن موانىء البصرة محكومة من قبل الأحزاب والميليشيات التي لها اليد العليا في التخليصات الجمركية للبضائع الداخلة الى العراق.

ويضيف الحسن في حديثه لوكالة “يقين” أن تلاعبا كبيرا يجري في جمارك الميناء، فضلا عن التلاعب بأوزان البضائع ونوعها، مشيرا إلى إتاوات كبيرة يتقاضاها متنفذون من الأحزاب والميليشيات عن كل البضائع المستوردة والداخلة الى العراق.

الحسن أوضح في ختام حديثه لوكالة “يقين” أن أرصفة الميناء باتت مقسمة بين مافيات وحيتان الفساد من الأحزاب والميليشيات، وأن الحكومة غير مسيطرة على البضائع الداخلة إلى البلاد، ولا تكاد تعرف ما يدخل الأراضي العراقية.

ويقول مصدر في الهيئة العامة للجمارك، في تصريح لوكالة “يقين” إذ رفض الكشف عن هويته لأسباب أمنية، إن هيئة الكمارك باتت خاضعة إلى حد كبير لسلطة الأحزاب والميليشيات، لافتا إلى أن إحكام السيطرة على الجمارك يعد من المستحيلات في ظل ضعف القبضة الامنية الحكومية.

وعن إدخال الأدوية الفاسدة والمنتهية الصلاحية الى العراق، أوضح المصدر أن الأمر مستمر على قدم وساق، وأن أي موظف يرفض التعاون مع مافيات الفساد، إما أن ينقل أو يهدد أو يقتل في بعض الأحيان، مشيرا إلى أن الفساد يفوق بأضعاف مضاعفة استيراد الأدوية الفاسدة، إذا ما قورن يتجارة المخدرات وإدخال الحبوب المخدرة والكريستال، وحتى الأسلحة في بعض الأحيان.

الصحة: لا يمكن دخول حبة دواء من دون ترخيصنا!

من جانبها، أوضحت وزارة الصحة وعلى لسان المتحدث باسمها “سيف البدر” أن اللجان الصحية مستمرة في إجراءاتها المتعلقة بالتفتيش ومراقبة الصيدليات والمذاخر، وأنها تضبط باستمرار أدوية غير مرخصة أو غير مطابقة للمواصفات، وعن تهريب الأدوية عبر المنافذ الحدودية، أوضح البدر في حديثه لوكالة “يقين” أن مسؤولية النقاط الجمركية والحدودية ليست من مسؤولية وزارته بل تقع على عاتق جهات أخرى، مقرا بحودث عمليات تهريب للأدوية الى العراق.

وعن طبيعة الأدوية المهربة إلى العراق، قال البدر إن الأدوية المهربة تنقسم إلى ثلاثة أنواع، أولها الأدوية منتهية الصلاحية، والأدوية العادية التي يتم إدخالها بطرق غير شرعية بغية تجنب الرسوم الجمركية، والنوع الثالث يتمثل بالأدوية المخدرة التي تعد أخطر أنواع الأدوية المهربة إلى العراق.

وأشار البدر في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن وزارة الصحة لديها قسم مختص يدعى “الادخال الجمركي” مهمته تسهيل العمليات الجمركية للأدوية المستوردة لصالح الوزارة، لافتا إلى أن الوزارة لديها تعاون مع نقابة الصيادلة للكشف عن الأدوية ومطابقتها للشروط الصحية التي تعمل وفقها الوزارة.

وأوضح المتحدث الرسمي لوزارة الصحة أنه لا يمكن لأي حبة دواء أن تدخل البلاد بصورة شرعية من دون علم الوزارة، لافتا إلى أن جميع الشركات المستوردة للأدوية مسجلة لدى الوزارة، وأن لديهم تعاون مع وزارة الصحة في إقليم كردستان والتي تعمل بدورها وفق الضوابط المعمول بها في وزارة الصحة الاتحادية.

وكان وزير الداخلية قد أعلن في لقاء تلفزيوني عن احتمال حصر استيراد الأدوية عن طريق مطار بغداد الدولي حصرا، كإجراء لمكافحة مافيات تجارة الأدوية، وفي هذا الشأن، كشف البدر عن أن استيراد الأدوية عن طريق المطار قد يحد من هذه المشكلة، لكنه بالمقابل أشار إلى أن كلفة الاستيراد سترتفع كثيرا نظرا لكميات الأدوية الكبيرة التي يستوردها العراق.

من جهته أوضح الاخصائي في الأدوية، الدكتور “مضر نزار” عن أن مافيات الأدوية في العراق انتعشت إلى الحد الذي باتت فيه منطقة الحارثية في العاصمة بغداد مدينة المذاخر في العراق.

“وفي ظل عجز وزارتي الصحة والداخلية عن ضبط أسواق بيع الأدوية، يعيش المواطن العراقي والموت يترقبه من كل جانب”

وأوضح نزار في حديثه لوكالة “يقين” أن تجارة الأدوية غير الشرعية باتت من أخطر ما يؤثر على الصحة العامة في البلاد، لافتا إلى أن فتح الباب على مصراعيه لاستيراد الأدوية أدى إلى تراجع مستوى الصحة العامة في البلاد، ومقاومة العديد من الأمراض للمضادات، بعد أن سجل العراق حالات مرضية كانت حتى وقت قريب تعد نادرة.

وفي ختام حديثه لوكالتنا، أشار نزار إلى أن ما يحدث في العراق من تدهور في الصحة العامة منذ عام 2003، مرده إلى ضعف رقابة وزارة الصحة على منافذ بيع الأدوية في البلاد، وأن الأسواق والمناطق الشعبية في العاصمة بغداد باتت تعج بالـ “البسطيات” التي تبيع مختلف أنواع الأدوية الغريبة التي لا تعرف ماهيتها أو منشأها.

وفي ظل عجز وزارتي الصحة والداخلية عن ضبط أسواق بيع الأدوية في العراق والسيطرة على تهريبها، يعيش المواطن العراقي والموت يترقبه من كل جانب.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات