العملية السياسيةتقاريرخراب المدنفصل الشتاء.. أزمات موسمية في العراقمحافظات العراق المنكوبة

الطرق والجسور.. أوصال مقطعة تفاقم معاناة سكان الأنبار

وضعت الحرب أوزارها في محافظة الأنبار منذ قرابة العام، لكن آثارها الكبيرة لا تزال حاضرة في المحافظة وفي نفوس سكانها، حرب أدت إلى تدمير شامل للبنى التحتية في المحافظة، دمار ألحق أضرارا بالغة، امتد تأثيرها إلى الحياة اليومية لسكان الأنبار، إذ تشكل الجسور المدمرة في الأنبار أحد أبرز معاناة سكان المحافظة وخاصة في المدن الغربية منها، التي تقطعت أوصالها.

115 جسراً مدمراً

عشرات الجسور دمرت في الأنبار وحدها نتيجة الحرب، إذ يقول المهندس “عبد الرحمن صالح” وهو أحد الكوادر الهندسية بمحافظة الأنبار لوكالة “يقين” أن الحرب في محافظة الأنبار دمرت 115 جسراً، كانت تربط بين المدن والنواحي التي تقع على ضفتي نهر الفرات، إضافة إلى أخرى كانت خاصة لتصريف السيول في المنطقة الغربية عبر الطريق الدولي السريع في المحافظة.

ويضيف صالح الذي يعمل مهندسا في مديرية الطرق والجسور في محافظة الأنبار أن بعض الجسور بدأ العمل على إعادة إعمارها من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP وما زال العمل مستمراً بها، إلا أن إعمار جميع الجسور وإعادتها إلى وضعها السابق بعيد المنال، حيث تقدر كلفة إعمارها بما لا يقل عن 140 مليون دولار، لافتاً إلى أن المديرية وبالتعاون مع محافظة الأنبار، نصبت بعض الجسور الحديدية لتقليل معاناة المواطنين.

تعاني مدن غرب الأنبار من تقطيع أوصالها، إذ يحتاج سكان تلك المدن إلى قضاء ساعات طويلة للعبور والوصول إلى وجهاتهم”

وأوضح صالح في حديثه لوكالة “يقين” أن هذا المبلغ، أكبر من مجموع ما قدم في مشروع الموازنة الاتحادية كتخصيصات للأنبار، وأن الكوادر الهندسية في المحافظة لديها القدرة على إعادة كثير من هذه الجسور إلى وضعها السابق، لكن انعدام التخصيصات المالية للمديرية، وتدمير جميع الاليات بفعل الحرب، يحول دون ذلك.

أما “مهدي عبد فرحان” المدير العام لمديرية طرق وجسور الأنبار، كان قد أكد في تصريح صحفي سابق اطلعت عليه وكالة “يقين” أن الحرب في الأنبار أدت إلى تدمير ثلاثة جسور عملاقة في المحافظة وهي جسور: فلسطين والياباني ونهر الكرمة، إذ بات تدمير هذه الجسور يشكل عائقا كبيرا أمام انسيابية حركة المرور على الطريق الدولي السريع بين الأنبار والعاصمة لوقوعها على نهر الفرات وقناة الثرثار ونهر الكرمة، مشيرا إلى أن إعادة إعمارها يحتاج إلى مبالغ كبيرة لا تتوافر حاليا.

وأكد فرحان أن منظمة UNDP التابعة للأمم المتحدة  تكلفت بإعادة إعمار هذه الجسور، وأن إعمار هذه الجسور يكلف قرابة  15 مليار دينار، بحسبه.

معاناة في التنقل

“خروج الجسور عن الخدمة وتدميرها بفعل الحرب، أدى إلى صعوبة التواصل بين المدن الغربية”

تعاني مدن غرب الأنبار من تقطيع أوصالها، إذ يحتاج سكان تلك المدن إلى قضاء ساعات طويلة للعبور والوصول إلى وجهاتهم، وتتركز معاناة المواطنين في مدن عنة وحديثه وراوة والقائم ومدن أخرى.

“فلاح الدليمي” أحد المواطنين من مدينة عنة، يقول في حديثه لوكالة “يقين” إنه يقضي قرابة ساعة كاملة للعبور على الجسر المدمر المؤدي إلى مدينة حديثة، مضيفا أن الجسر بدأ العمل على إعادة إعماره من قبلUNDP  وأنشأت المنظمة طريقا حوليا للالتفاف على الجسر، إلا أنه وبحسب الدليمي فإن الطريق البديل خطير للغاية وتسبب بانحراف عشرات السيارات عن مسارها وإصابة من كانوا فيها، موضحا أن العمل في إعادة إعمار الجسر بطيء للغاية، وقد يحتاج لسنوات إن استمر العمل على نفس الوتيرة.

من جهته يقول “سيف محرف” أحد مواطني مدينة حديثة في حديثه لوكالة “يقين” إن خروج الجسور عن الخدمة وتدميرها بفعل الحرب، أدى إلى صعوبة التواصل بين المدن الغربية في الأنبار، مؤكدا أنه يقضي ساعات طويلة للوصول إلى مدينة الرمادي، الأمر الذي يؤدي إلى تأخر البضائع وارتفاع ثمنها.

“صعوبة التنقل بين مدن الأنبار، تؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة للمواطنين”

محرف الذي يعمل في مجال تجارة المواد الغذائية أوضح أن تكلفة نقل البضائع سببت ارتفاعا كبيرا في أسعارها، فضلا عن تأخر البضائع وعدم وصولها في الوقت المحدد، مشيرا إلى أن أهالي المدن الغربية باتوا محاصرين بفعل تدمير الجسور.

إعمار يشوبه الفساد

يشبّه سكان الأنبار حال المحافظة وإعمارها، كمن يبني بيتا ويزينه من الخارج، ويتركه خاويا من الداخل، إذ يقول الأكاديمي وأستاذ الاقتصاد في جامعة الأنبار “مهلب يونس” في حديثه لوكالة “يقين” إن محافظة الأنبار بدأت بإعادة إعمار بعض المنشآت العامة في المحافظة، إلا أن ذلك الإعمار لا يخرج عن كونه ترقيعيا وللزينة فقط، بحسب تعبيره.

ويشير إلى أن دوائر البلدية في المحافظة باشرت بترميم بعض الطرق وصبغ الأرصفة وتزيينها، في الوقت الذي كان عليها توفير تلك الأموال لإعمار المنشآت الرئيسية التي تدخل في صلب معاناة الناس اليومية في المحافظة.

وبحسب اعتقاد يونس فإن على حكومة الأنبار المحلية أن توفر ما يصرف على تلك الصغائر في سبيل إعمار ما هو واجب، لافتا إلى أن دوائر الأنبار تصرف عشرات الملايين على تأثيث الدوائر وتجهيزها بأثاث مكتبي في الوقت الذي تحتاج فيه المحافظة إلى وصل مدنها ونواحيها وقراها مع بعضها لتنشيط الحركة التجارية وتوفير فرص العمل.

“معاناة جمة يكابدها سكان محافظة الأنبار في حياتهم اليومية ما بين صعوبة التنقل وتدمير الجسور”

وفي ختام حديثه، أشار أستاذ الاقتصاد إلى أنه وبعد افتتاح المنفذ الحدودي مع الأردن بات لزاماً على الحكومة المحلية والمركزية أن تعيد إعمار الجسور وتعبيد الطرق الرئيسية، في سبيل النهوض بالواقع الاقتصادي المؤلم للمحافظة، مشيرا إلى أن الأنبار وخاصة المدن الغربية تشكو من ضعف تسليط الضوء الإعلامي على معاناتها المستمرة منذ سنوات.

خسائر اقتصادية

صعوبة التنقل بين مدن الأنبار، تؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة للمواطنين، ويقول مصدر مسؤول في ديوان محافظة الأنبار في حديثه لوكالة “يقين” إنه ورغم المناشدات المتكررة للحكومة المركزية بضرورة البدء بإعادة إعمار جسور المحافظة كونها تضم منفذين حدوديين مهمين، دائماً ما تواجه تلك المناشدات بالتجاهل من المسؤولين في العاصمة بغداد.

وأشار المصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته إلى أن الحكومة المحلية في المحافظة عاجزة عن إعادة إعمار ما دمرته الحرب، ويبدو أن الحكومة المركزية ماضية في تجاهلها، خاصة أن مشروع الموازنة المقدم للبرلمان نص على تخصيص مبلغ 136 مليون دولار ميزانية تشغيلية واستثمارية للمحافظة، في الوقت الذي تحتاج فيه المحافظة إلى مبلغ يفوق ميزانية المحافظة لإعادة إعمار الجسور فقط.

ولفت المصدر إلى أن معاناة المواطنين لا تتوقف عند صعوبة التنقل فحسب، إنما تدمير الجسور رافقه تدمير للمستشفيات ومشاريع الكهرباء والماء وغيرها، وكل هذه المنشآت ما زالت على حالها في انتظار أن تتبنى إعمارها المنظمات الدولية.

“الحكومة المحلية في المحافظة عاجزة عن إعادة إعمار ما دمرته الحرب”

أما “محمد الراوي” أحد السكان المحليين في مدينة راوة، فيشير إلى أنه اضطر إلى ترك المدينة، والتوجه لاستئجار منزل في مدينة الرمادي، ويقول إن لديه ثلاثة أبناء يدرسون في جامعة الأنبار، وإن تكلفة توفير سكن لهم تساوي تكلفة استئجار منزل في المدينة، الأمر الذي اضطره إلى ترك مدينته والتوجه للسكن في مركز المحافظة.

من جانبه يقول المحلل السياسي “عمر غياث” في حديثه لوكالة “يقين” أن الشروع بإعادة إعمار ما دمرته الحرب في الأنبار وباقي المحافظات المنكوبة، يعد من الواجبات التي على الحكومة القيام بها، في حال أرادت أن تستتب الأوضاع الأمنية في تلك المحافظات، مشيراً إلى أن حالة من التذمر الكبير والسخط باتت تتعالى من سكان تلك المناطق، والتي بعد قرابة عام على انتهاء المعارك فيها، لا يزال سكانها يشاهدون ما يذكرهم بأيام المعارك.

معاناة جمة يكابدها سكان محافظة الأنبار في حياتهم اليومية ما بين صعوبة التنقل وتدمير الجسور وخروجها عن الخدمة، وبين افتقار المحافظة لأبسط متطلبات العيش الكريم، في ظل حكومة تشكلت لتحقيق الطموحات وتلبية الرغبات الحزبية والطائفية ولا تهتم لأمرهم وانتشالهم من معاناتهم.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق