العراق بين احتلالينتقارير

عسكرة المدن.. ظاهرة تؤرق حياة العراقيين

قسم التقارير – العراق 

يخرج “عبد الله الجبوري” يوميًا متوجها إلى عمله في الصباح الباكر، ورغم أنه يصحو مستبشرًا بيوم أفضل من الذي سبقه، إلا أن ما يشاهده في شوارع المدينة أثناء توجهه إلى عمله يعكر يومه.

ويصف الجبوري حال مدينة تكريت التي يقطن فيها بأنها عبارة عن معسكر على شكل مدينة، إذ يقول في حديثه لوكالة ”يقين” أن شوارع المدينة مدججة بالعسكر من قوات الجيش والشرطة والميليشيات ومسلحين مدنيين لا تعرف ماهيتهم.

ورغم إنتهاء المعارك في جميع الأراضي العراقية، إلا أن الزائر للعراق والمتجول في مدنه، سيُفاجَئ بأن المدن العراقية تعيش عسكرةً لا مثيل لها في دول العالم، مدن تنتشر فيها الوحدات العسكرية وآلياتها بمختلف أنواع الأسلحة المتوسطة والخفيفة، إضافة إلى مقاتلين من الميليشيات المسلحة يرتدون زي القوات الحكومية، ولا تُعرف تبعيتهم، ما أدى ويؤدي إلى تصاعد قلق المواطنين من إنتشار كبير للأسلحة في الشوارع، في ظل تجييش مجتمعي يؤثر على الحركة الطبيعية للمواطنين.

عسكرة المدن

إنتهت العمليات العسكرية في جميع المحافظات العراقية منذ قرابة العام، ومنذ ذلك التاريخ، لم تشهد المحافظات العراقية المنكوبة أي إختلاف في إنتشار المسلحين داخلها، ويقول “جار الله سليمان” أحد سكان مدينة الموصل في حديثه لوكالة “يقين” أن الموصل تشهد إنتشارًا كبيرًا للقوات الحكومية فيها، على الرغم من إستتباب الوضع الأمني، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الجهات المسلحة التي تحمل السلاح وترتدي الزي العسكري هم ليسوا من الشرطة المحلية أو الجيش، وإنما مقاتلين ومنتسبين لميليشيات مسلحة، يجهل أهل الموصل تبعيتها.

ويشير الخبير الأمني والاستراتيجي “حسن العبيدي” في حديثه لوكالة “يقين” أن الإنتشار الكبير للقوات الحكومية في شوارع المدن، دليل قوة الدولة، لكنه إن إستمر لمدة كبيرة، فسيتحول الأمر إلى نقطة ضعف تحسب على الدولة لا لها، على حد قوله.

ويؤكد العبيدي أن جميع دول العالم التي تنعم بالأمن والإستقرار لا يشاهد أبناؤها أي إنتشار أمني ملحوظ في الأزقة والأماكن العامة، وقد يعتقد البعض أن ذلك مرده إلى الأمن، لكن الحقيقة أن الأجهزة الأمنية في جميع دول العالم تعمل خفية من دون أن يلاحظها أحد ومن دون أن يكون لها إنتشار عسكري واضح في المدن.

وفي ختام حديثه، أشار الخبير الأمني إلى أن الإنتشار الأمني والعسكري الكبير في المدن العراقية، لا يخرج عن كونه نوعًا من الإجراءات التي تتخذها الحكومة لإشعار المواطنين بالأمان، بسبب ضعف أجهزتها الأمنية والاستخباراتية.

“مقاتلي هذه الميليشيات باتوا ينهبون أموال الناس وممتلكاتهم من خلال الأتاوات والسرقات”

ويقول أحد وجهاء مدينة القائم في غرب الأنبار في حديثه لوكالة “يقين” أن السطوة والكلمة العليا في المدينة للميليشيات، ولا يكاد يذكر دور الجيش أو الشرطة المحلية، المصدر الذي فضل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، أوضح أن مدن غرب الأنبار باتت ساحة لإنتشار الميليشيات المسلحة والمتمثلة بالعصائب وبدر وكتائب الإمام علي وغيرها.

وأشار المصدر إلى أن مقاتلي هذه الميليشيات باتوا ينهبون أموال الناس وممتلكاتهم من خلال الأتاوات والسرقات التي ينفذونها، فضلًا عن سيطرتهم على الطريق الدولي السريع بين بغداد والحدود الأردنية.

من جانبه يقول عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان “محمد الكربولي” في حديثه لوكالة “يقين” إن القوات الحكومية حققت النصر، لكن الحفاظ على ذلك النصر هو الأهم –حسب تعبيره-.

مشيراً إلى أن أهم ما على الحكومة فعله بعد إنتهاء العمليات العسكرية هو توفير الخدمات وفرص عمل للشباب، إضافة إلى تعويض المتضررين.

قلق السكان 

ومع الإنتشار الكبير للقوات الحكومية والجيش والميليشيات في المدن والمحافظات المنكوبة، رغم مرور أكثر من عام على إستعادة السيطرة عليها، يشعر سكان تلك المحافظات بالقلق لبقاء هذه القوات جاثمة على صدورهم وتحكمها في معظم مفاصل الدولة.

ويقول الصحفي “ماجد التميمي” أن الوجود العسكري الكبير في المحافظات المنكوبة يرجع إلى ضعف حيلة سكان تلك المحافظات الواقعة بين نارين.

ويضيف التميمي في حديثه لوكالة “يقين” أن هذه القوات باتت تتحرك اقتصاديًا لتوسيع نفوذها في المحافظات التي تنتشر فيها، كاشفًا عن أن ميليشيا بدر والعصائب باتت تستحوذ على مشاريع إقتصادية وإستثمارية كبيرة في محافظتي نينوى والأنبار، ويتم ذلك من خلال هيئات الإستثمار وكذلك من خلال دوائر التسجيل العقاري، والتي بإفتتاحها عمدت تلك الميليشيات ومن خلال نفوذها إلى تحويل ملكية العشرات من العقارات بإسم قادتها بعد شرائها من الدولة بأثمان بخسة، بحسب التميمي.

من جهته، يوضح أحد قادة ميليشيا العصائب والذي عرف عن نفسه بـ”أبو حيدر” في حديثه لوكالة “يقين” إن بقاءهم في مدينة الموصل وما حولها، جاء وفق أوامر عسكرية من القيادة العليا لميليشيا الحشد في بغداد.

وأن تمركزهم الآن في سهل نينوى وفي الأحياء الحولية للمدينة، كاشفًا في الوقت ذاته أن تواجدهم في محافظة نينوى وأقضيتها ضروري لدرء أي خطر قد تتعرض له المدينة، بحسب قوله.

قانونية عسكرة المدن 

ويشير الدستور العراقي إلى أن واجب الجيش يتمثل في الذود والدفاع عنه من الأعداء الخارجيين، وأن مهامه تتمحور في مسك الحدود والدفاع عن الحدود البرية والبحرية والجوية للعراق، وأن مهام الأمن الداخلي للمحافظات والمدن منوط بالشرطة المحلية وفروعها الأمنية.

ورغم ذلك كله، إلا أن الوضع الميداني في البلاد، يشي بغير ذلك، إذ أن جميع المحافظات العراقية تشهد إنتشارًا كبيرًا للجيش فيها، بما في ذلك المحافظات الوسطى والجنوبية وخاصة بعد المظاهرات الأخيرة المناوئة للحكومة، ويتركز إنتشار الجيش والميليشيات داخل المدن في المحافظات المنكوبة والتي تعرضت لحرب مدمرة خلال السنوات الماضية.

ويقول مقدم الشرطة “فواز اللهيبي” في حديثه لوكالة “يقين” أن مهام الشرطة في محافظة نينوى باتت حبيسة المراكز الشرطية والمحاكم وتسجيل الدعاوى، موضحًا أن قوات الجيش الحكومي والميليشيات ومنتسبي جهاز الأمن الوطني باتوا يتدخلون في جميع المفاصل الأمنية في المدينة وينفذون عمليات مداهمة وتفتيش واعتقال من دون علم الشرطة.

اللهيبي وفي حديثه أشار إلى أن تعدد الجهات الأمنية في الموصل، يفقد هذه الأجهزة البوصلة الأمنية في المدينة، موضحًا أن قطعات ميليشيا الحشد لا تخضع قيادتها لقيادة العمليات في المحافظة، إذ أن لها قيادة عمليات خاصة بها.

“تعدد الجهات الأمنية في الموصل، يفقد هذه الأجهزة البوصلة الأمنية في المدينة”

أما الضابط “فراس محمد” الذي كان يعمل في مديرية الأمن العام قبل الغزو الأمريكي للبلاد في عام 2003، يعتقد أن الإنتشار الأمني الكثيف للجيش والشرطة في المدن، يفقد أجهزة الأمن أحد أهم أركان نجاحها، وهو سرية وإنسيابية حركتها، موضحًا في حديثه لوكالة “يقين” أن الروتين الذي تتبعه أجهزة الأمن في الطرق والشوارع وتفتيش المركبات والنقاط العسكرية الثابتة، تفقد هذه الأجهزة الحكومية حسها الأمني، بسبب الروتين الممل الذي تتبعه.

ويضيف محمد أن الدولة التي تريد إفشال قدرات أجهزتها الأمنية، فإنها تعمد إلى نشرها في الشوارع والطرقات وبين السكان المحليين، مشيرًا إلى أن الجيش كلما إنتشر بين السكان لمدة طويلة، فإنه سيسقط في نظر سكان تلك المناطق، كونه غير مدرب على التعامل مع المدنيين، وعمله يتركز في الجبهات والمعارك والخطط.

وفي ختام حديثه، أوضح أن العراق في الفترة التي سبقت الغزو الأمريكي، كانت شوارعه تخلو من أي إنتشار عسكري، وأن الأمن آنذاك كان يعتمد على الجهد الإستخباري وجهاز الأمن العام، الذي يعمل جميع منتسبيه بزي مدني لجمع المعلومات، من دون نصب أي نقاط تفتيش تزيد من كره المواطنين للأجهزة الأمنية.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق