الأحد 18 أغسطس 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » العراق بين احتلالين »

النقل العام في العراق.. واقع أليم رغم الميزانيات الضخمة

النقل العام في العراق.. واقع أليم رغم الميزانيات الضخمة

يشهد العراق تدهورًا كبيرًا في قطاع النقل العام، الذي يشمل النقل البري والجوي والبحري، تدهور أدى إلى تجنب كثير من العراقيين استخدام وسائل النقل العامة؛ بسبب سوء الخدمات وعدم الالتزام بالمواعيد، الأمر الذي تسبب بخسارة العراق لملايين الدولارات كان يمكن أن يوفرها، لو أحسنت الحكومات المتعاقبة التعامل وإدارة قطاع النقل العام بشكل جيد.

دمار السكك الحديدية

كان العراق من أوائل دول الشرق الأوسط التي شهدت إطلاق خدمة السكك الحديدية النظامية المخصصة لنقل المسافرين، إذ تشكلت أولى إدارة للسكك الحديدية في العراق في عام 1916 إبان الاحتلال البريطاني للعراق، ثم انتقلت الإدارة إلى العراقيين في عام 1936، ومنذ ذلك الحين استطاعت القطارات نقل مئات آلاف المسافرين داخل البلاد.

ويقول المهندس “سعد عبد الله” الذي عمل في إدارة قسم المحطات الرئيسية لقطارات العراق في سبعينات القرن الماضي، إن العراق قبل الاحتلال الأمريكي كان يضم تسع محطات رئيسية في البلاد، وسبعة عشر محطة فرعية تصل إلى معظم المدن العراقية.

عبد الله الذي عمل في قطاع السكك الحديدية العراقية لأكثر من 20 عامًا أوضح لوكالة “يقين” أن قطاع السكك الحديدية، كان يعد من أكثر قطاعات النقل حيوية في البلاد، مشيرًا إلى أن جميع المحطات والقطارات تعرضت للتخريب والنهب بعد الغزو.

وفي السياق ذاته، أشار معاون مدير عام السكك الحديد “علي عبدالحسين وادي” إلى أن قطارات النقل كانت تصل إلى معظم مناطق العراق، عبر ثلاث محطات رئيسية هي: بغداد والموصل والقائم، لافتًا خلال حديثه لوكالة “يقين” إلى أن جميع المحطات الرئيسية والفرعية توقفت بعد عام 2003 باستثناء خط بغداد– البصرة الذي ما زال يعمل.

“قطاع النقل البري الحكومي في العراق تعرض لتدهور كبير بعد عام 2003”

المحلل الاقتصادي “مازن الأسدي” والذي عمل في تسعينات القرن الماضي في فرع مديرية السكك الحديدية في البصرة، أوضح أن عدد عربات القطارات قبل الغزو الأمريكي كان يصل عددها إلى 430 عربة، تعرضت غالبيتها للنهب والتدمير والسرقة أو التآكل بسبب الإهمال وعدم الصيانة، مؤكدًا أن العراق الآن لا يضم سوى 112 عربة قطار فقط، وأن غالبيتها قديمة وتحتاج إلى صيانة.

وعن خدمة النقل العام في البلاد وتحديدًا خدمة القطارات، أوضح الأسدي في حديثه لوكالة “يقين” أن الحكومات السابقة أهملت قطاع السكك بشكل كبير، وأنها تعمل على إنهاءه تمامًا، مشيرًا إلى أن الحكومة عملت على تحويل نظام تمويل الشركة العامة للسكك الحديدية من المركزي إلى الذاتي، الأمر الذي أدى إلى تناقص أعداد الكوادر الفنية في الشركة إلى حد قياسي، بعد أن تناقصت أعداد الموظفين بسبب التقاعد، إضافة إلى إغلاق معهد السكك الحديدية في البلاد والذي كان يوفر الكوادر الفنية اللازمة لصيانة عربات القطارات.

وفي ختام حديثه أشار المحلل الاقتصادي، إلى أن الحكومة كان يمكن لها أن توفر ملايين الدولارات، فيما لو طورت قطاع السكك الحديدية، إذ أن غالبية دول العالم تعمل على تفعيل وتطوير شبكة القطارات، لنقل البضائع بكميات كبيرة وبأسعار زهيدة، إضافة إلى نقل آلاف المسافرين والحدّ من الاختناقات المرورية في البلاد، لافتًا إلى الفوضى التي حصلت في بغداد قبل أيام عندما تعطلت إحدى القطارات في تقاطع ساحة عدن، الأمر الذي أدى إلى شلل في الحركة المرورية في مناطق كثيرة من العاصمة.

أما “عمر هيثم” الموظف في فرع شركة السكك الحديدية في الموصل، يؤكد لوكالة “يقين” أن قطاع السكك الحديدية في محافظة نينوى دمر تمامًا، بفعل العمليات العسكرية وتدمير القطارات، إضافة إلى نهب وسرقة السكك ذاتها، ولا توجد لدى الحكومة المركزية أي خطة لإعادة إعمار السكك الحديدية في المحافظة، على الرغم من أن محافظة نينوى تتميز بثقل سكاني كبير وتعد نقطة وصل في مناطق شمال العراق.

النقل البري.. واقع أليم

قطاع النقل البري العام في العراق ليس أفضل حالًا من السكك الحديدية، إذ يشهد هذا القطاع انهيارًا كاملًا، بعد سنوات من الإهمال، وعدم شموله بالاستثمار على مدى السنوات الخمسة عشر الماضية.

“مراكز دراسات اقتصادية عراقية قدرت حجم الخسائر المادية التي يتكبدها العراق يوميًا في العاصمة بغداد وحدها بمليون دولار”

حيث يقول مساعد مدير إدارة الشركة العامة للنقل البري في العراق “ماجد التميمي” إن قطاع النقل البري الحكومي في العراق تعرض لتدهور كبير بعد عام 2003، مشيرًا إلى جهود حثيثة تبذل لإعادة تفعيل النقل البري في البلاد.

التميمي أوضح في حديثه لوكالة “يقين” أنه وبعد انتهاء العمليات العسكرية في البلاد، عملت الشركة على تفعيل النقل البري بالمركبات الكبيرة بين بغداد والموصل والرمادي وكركوك وصلاح الدين، موضحًا أن الشركة تسعى في الوقت ذاته إلى تفعيل عمل خدمة النقل العام في بغداد من خلال “الباصات” والتي كانت تعرف بالأمانات الحمراء ذات الطابقين.

وعن بطئ عمل الشركة في تفعيل النقل البري في البلاد وتأثير ذلك على انسيابية الحركة المرورية والاختناقات، أوضح أن التمويل الحكومي المخصص للنقل البري في البلاد لا يكفي لإعادة تفعيله بشكل كامل، لافتًا إلى أن العاصمة بغداد شهدت قبل أيام تفعيل خط جديد للباصات الحمراء ذات الطابقين والتي تنطلق من منطقة باب المعظم في بغداد باتجاه عدة أحياء في العاصمة، ليصل مجموع الخطوط في العاصمة بغداد إلى خمسة فقط.

“بعض الطائرات العراقية تذكر المسافر كما لو أنه يركب “باصًا محليُا بائسًا”

إلى ذلك فيحكي الحاج “محمود القزاز” -70 عامًا-، عن الأيام التي قضاها وهو يتنقل بين أحياء الموصل مستخدمًا باص “الأمانة” أو “المصلحة”، إذ يشير إلى أن خدمة مصلحة نقل الركاب في الموصل كانت تصل الى جميع الأحياء السكنية والأسواق في المدينة، فضلًا عن أنها كانت تخترق الأحياء الكبيرة، وتسير وفق مسارات معينة وبمواعيد ومحطات ثابتة ومنضبطة.

القزاز الذي يشتاق لتلك الأيام، أوضح لوكالة “يقين” أن الاختناقات المرورية الكبيرة في الموصل، يمكن الحدّ منها في حالة تفعيل هذه الخدمة مجددًا، لافتًا إلى الفوضى المرورية التي تعيشها المدينة بعد العمليات العسكرية الضارية التي شهدتها الموصل.

من جانبه يشير المحلل الاقتصادي العراقي “نزار حسين” إلى أن مراكز دراسات اقتصادية عراقية قدرت حجم الخسائر المادية التي يتكبدها العراق يوميًا في العاصمة بغداد وحدها بمليون دولار، هي ثمن الوقود المستهلك في الاختناقات المرورية التي تشهدها العاصمة بشكل يومي.

حسين أوضح في حديثه لوكالة “يقين” أن الخسائر الكلية لتراجع دور قطاع النقل البري في العراق تقدر بمليارات الدنانير، إذ أن جميع دول العالم باتت تعتمد على قطاع النقل، كأحد أهم الموادر الاقتصادية في تعزيز ميزانية الدولة، من خلال الحدّ من الاختناقات المرورية، ونقل البضائع، والتقليل من استهلاك البنى التحتية للطرق.

وأشار المحلل الاقتصادي في ختام حديثه لوكالة “يقين” إلى أن وزارتي التخطيط والنقل تفتقران لرؤية اقتصادية تنهض بقطاع النقل في البلاد بشكل عام، بحسبه.

النقل الجوي.. خدمات سيئة

“بسبب ما مر به العراق من حروب وحصار، أدى إلى توقف قطاع النقل البحري”

على الرغم من إعادة تفعيل شركة الخطوط الجوية العراقية بعد الغزو الأمريكي للبلاد في عام 2003، والتي كان الحصار الذي فرضته الأمم المتحدة في عام 1991 قد شل حركتها، إلا أن هذا القطاع وبعد 15 عامًا من العمل، لا زال في المراتب الدنيا لشركات الطيران العالمية.

ويشير الكابتن طيار “بشار عدنان” إن الخطوط الجوية العراقية لا زالت في المراتب الدنيا في العالم، ويوضح عدنان الذي عمل طيارا في الخطوط الجوية العراقية لخمس سنوات بعد الغزو في حديثه لوكالة “يقين”، أن إدارة شركة الخطوط الجوية العراقية والمسؤولين عنها لا علاقة لهم بالنقل الجوي وبالكيفية التي يجب فيها إدارة هذا القطاع، لافتًا إلى حالات الفساد الكبيرة التي تعتري شركة الخطوط الجوية العراقية، والوضع السيء للطائرات والمطارات، بحسبه.

ويقول “ياسر العلاف” أحد المواطنين من مدينة كركوك إنه يتجنب السفر عبر الخطوط الجوية العراقية بسبب سوء الخدمات والطعام المقدم خلال رحلات السفر، فضلًا عن التأخر في مواعيد الإقلاع.

العلاف الذي قرر أن يسافر عبر شركات الطيران العربية والأجنبية، أوضح في حديثه لوكالة “يقين” أن بعض الطائرات العراقية تذكر المسافر كما لو أنه يركب “باصًا محليُا بائسًا” -بحسب وصفه-، مشيرًا إلى أن بعض مقاعد الطائرات متسخة ومكتوب عليها بعض الذكريات لمسافرين سابقين، فضلًا عن سوء الخدمة، وعدم الالتزام بالمعايير المهنية لخدمة المسافرين.

المطارات.. وضع بائس

“خسائر كبيرة يتكبدها العراق نتيجة عدم اهتمام الحكومات المتعاقبة بقطاع النقل البري والجوي والبحري”

ولا يقتصر واقع قطاع النقل الجوي السيء على شركة الخطوط الجوية، إذ تعاني مطارات العراق من وضع بائس، حيث يشير مصدر في إدارة مطار بغداد الدولي -رفض الكشف عن هويته-، إلى أن المسافرين عبر مطار بغداد لا زالوا يعانون من سلسلة الإجراءات الأمنية الروتينية والتي تتطلب منهم تفتيش حقائبهم قبل خمسة كيلومترات من وصولهم إلى المطار، لافتًا خلال حديثه لوكالة “يقين” إلى أنه يمكن الاستعاضة عن هذه الإجراءات وتسهيلها من خلال أجهزة إلكترونية وماسحات حرارية للحقائب، تنشر على البوابات الخارجية للمطار، من دون تكبد المسافرين عناء المشقة.

ويلجأ كثير من المسافرين من المحافظات الشمالية إلى مطار أربيل الدولي في إقليم كردستان، لسهولة الاجراءات الأمنية مقارنة مع مطار بغداد، إذ يقول التاجر “سمير صلاح” إنه يفضل السفر من مطار أربيل على ذهابه إلى بغداد.

صلاح الذي يقيم في مدينة الموصل ويعمل فيها، أوضح لوكالة “يقين” أن سبب تفضيله مطار أربيل ليس لقرب المسافة فقط، بل لسهولة الاجراءات الأمنية فيه مقارنة مع مطار بغداد والتي تستغرق أربع ساعات قبل موعد الإقلاع، بحسبه، فضلًا عن استخدام الكلاب البوليسية في أكثر من نقطة تفتيش في مطار بغداد، الأمر الذي يؤرق المسافرين، ويستهلك وقتهم.

النقل البحري.. معدوم تمامًا

ومن النقل البري والجوي إلى آخر قطاعات النقل “النقل البحري”، إذ أن العراق وعلى الرغم من أنه يطل على الخليج العربي، إلا أن النقل البحري للمسافرين معدوم تمامًا في العراق، إذ يشير مستشار وزارة النقل السابق “رفعت طه” إلى أن قطاع النقل البحري للمسافرين انتهى تمامًا منذ الحصار الذي فرض على العراق في عام 1991.

رفعت الذي عمل مستشارًا في وزارة النقل قبل الغزو الأمريكي للبلاد، أوضح في حديثه لوكالة “يقين” أن العراق كانت لديه رحلات للمسافرين عبر السفن والبواخر المدنية المخصصة لذلك وبصورة دورية ووفق مواعيد وجداول ثابتة، إلا أنه وبسبب ما مر به العراق من حروب وحصار، أدى إلى توقف قطاع النقل البحري، موضحًا أن الحكومات التي أعقبت الاحتلال لم تفكر بتاتًا في إعادة تفعيل هذا القطاع.

خسائر كبيرة يتكبدها العراق نتيجة عدم اهتمام الحكومات المتعاقبة بقطاع النقل البري والجوي والبحري في البلاد، الأمر الذي تسبب في خسائر اقتصادية كبيرة للبلاد، فضلًا عن اختناقات مرورية، باتت السمة التي تتصف بها غالبية المدن العراقية.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات