العراق بين احتلالينتراجع القطاع الطبي في العراقتقاريرمرضى السرطان في العراق.. معاناة متفاقمة

مصافي النفط.. مصنع الملوثات وقاتل العراقيين

“كل شيء ملوث في البصرة، الماء والأجواء والتربة”، بهذه الكلمات يصف “محفوظ الجديع”، حال محافظة البصرة التي تعد منبع نفط العراق ومصدر ثروته.

جديع الذي تعرض لتسمم معوي في الأزمة الأخيرة التي شهدتها البصرة قبل أشهر بسبب تلوث المياه، يصف البصرة في حديثه لوكالة “يقين” بأنها عبارة عن مكب لنفايات الشركات النفطية والبتروكيمياوية.

ويشهد العراق ارتفاع نسب التلوث البيئي في غالبية محافظاته، بسبب مصافي النفط ومعامل التكرير الحكومية منها والأهلية، وتشير تقارير مديريات البيئة في عدة محافظات إلى أن أعلى نسب التلوث تشهدها المحافظات الوسطى والجنوبية؛ بسبب انتشار مصافي النفط الحكومية والأهلية وعدم مراعاتها للمعايير الدولية في الحدّ من التلوث في المصافي.

الشركات لم تلتزم

كثيرة هي أسباب التلوث في العراق، لكن أكثر مسبباتها مصافي النفط، بحسب كثير من المراقبين، إذ يقول الخبير الجيولوجي “محمود الأغا”: إن العراق ومنذ الغزو الأمريكي للبلاد ودخول شركات النفط الأجنبية للعمل في الحقول النفطية العراقية، فنسب التلوث في البلاد شهدت ارتفاعًا غير مسبوق، على الرغم من أن عقود التراخيص النفطية التي وقعتها حكومة المالكي مع الشركات النفطية، ضمت بندًا يضمن الحفاظ على معدلات التلوث الناتجة عن التكرير، وفق المعايير الدولية المعتمدة.

الآغا الذي عمل مستشارًا نفطيًا في إحدى الشركات الأجنبية العاملة في محافظة البصرة، أوضح في حديثه لوكالة “يقين” أن جميع هذه الشركات ومن ضمنها شركة “شيل” و”بي بي” و”اكسون موبيل” لم تلتزم بالمعايير المتفق عليها مع الحكومة، وأن غالبية مخلفاتها تُصرّف إما إلى الأراضي الصحراوية المحيطة بالحقول النفطية، أو تدفن داخل الأرض في السهول والأراضي المنخفضة وفي بعض الأحيان إلى مياه الأنهار.

“الحكومة كذلك لم تُجبر الشركات على إلزامية عدم حرق الغاز المصاحب لعمليات الاستخراج والتكرير”

وفي ختام حديثه، أشار الخبير الآغا إلى أن الحكومة الاتحادية متمثلة بوزارة النفط، لم تعِر للأمر أهمية، إذ أن الفساد المستشري في الوزارة، والرشاوى المقدمة من الشركات لمسؤولي التفيش في وزارة النفط، حالت دون محاسبة أي شركة على ارتفاع نسب التلوث الصادرة عن مصافي النفط ومعامل التكرير، موضحًا أن الشركات الأجنبية تفضل تقديم الرشاوى لمفتشي وزارة النفط على العمل على تقليل نسب التلوث، إذ أن المعدات والأجهزة المختصة بذلك تكلف ملايين الدولارات، بحسب “محمود الأغا”.

عمليات تكرير مخالفة

ويشير المهندس النفطي “شعلان برهان” إلى التلوث الناتج عن عمليات التكرير في مصافي النفط وحقول استخراجه، يعود إلى سببين اثنين، ويضيف في حديثه لوكالة “يقين” أن أولى الأسباب تتعلق بالطرق التي تعتمدها تلك الشركات في استخراج النفط وهي متعددة.

ولفت برهان إلى أن جولة التراخيص العراقية لم تقيد الشركات بطرق معينة تضمن للعراق الحدّ من التلوث، بل ضمت بندًا ينص على تقنين التلوث من دون ذكر أي تفاصيل تتعلق بطرق الاستخراج والتكرير.

“عدد المصافي النفطية الحكومية في العراق يزيد عددها عن الـ15 مصفى للنفط”

وأضاف أن الحكومة كذلك لم تُجبر الشركات على إلزامية عدم حرق الغاز المصاحب لعمليات الاستخراج والتكرير، والذي ظل “الغاز” مشتعلًا في سماء الحقول النفطية طيلة الخمسة عشر عامًا الماضية حتى أشهر قليلة مضت.

أما السبب الثاني -بحسب المهندس النفطي-، فهو الاضافات الكيمياوية للنفط في عملية تكريره وتحويله إلى المشتقات الفرعية، إذ أن الاضافات الكيمياوية للمواد المستخدمة تحدد نوع الملوثات التي ستخرج عنها، لافتًا إلى تعدد أطوار التكرير التي تحدد كمية الملوثات التي ستنتج عن بقايا النفط.

ويوضح المهندس برهان أن التقنيات المعتمدة حاليًا في المصافي العالمية تجعل من نسب الفضلات النفطية لا يتجاوز 1% من كمية النفط المكررة.

القاتل الصامت!

من جانبه يقول الدكتور “يعرب عمر” الذي يعمل طبيبًا أخصائيًا في الجهاز الهضمي: إن التلوث الناتج عن عمليات تكرير النفط، يعد قاتلًا صامتًا لا أثر له، ولا تظهر آثاره على الصحة العامة للإنسان إلا بعد سنوات من التعرض لها.

ويشير عمر خلال حديثه لوكالة “يقين” إلى أن التلوث النفطي يدخل في السلسلة الغذائية للإنسان من خلال الخضراوات والفواكه والمياه والهواء.

“الوقود المنتج سيء الجودة ويباع في السوق السوداء لأصحاب محطات الوقود والمولدات”

ويضيف الدكتور الاخصائي أن تراكم تلك الملوثات في المعدة والأمعاء والجهاز الهضمي بصورة عامة ولفترة طويلة، يسبب العديد من الأمراض المعوية، كالقرحة وتهيج القولون وعسر الهضم، فضلًا عن الإصابة بالسرطان في حالات معينة عند تركز فلزات معينة في الجهاز الهضمي، على حد قوله.

مصافي غير نظامية

وتنتشر في المحافظات العراقية من الشمال إلى الجنوب، عشرات المصافي الحكومية والأهلية، وتتركز في مناطق الوسط والجنوب وفي محافظة التأميم ونينوى شمالًا، ويقول مصدر مسؤول في وزارة النفط، اشترط عدم الكشف عن هويته مقابل الحديث لوكالة “يقين”: إن عدد المصافي النفطية الحكومية في العراق يزيد عددها عن الـ15 مصفى للنفط، مؤكدًا أن الوزارة لا تملك إحصائية دقيقة لعدد المصافي الأهلية.

ويعزو المصدر عدم امتلاك الوزارة لإحصائية دقيقة عن عدد المصافي الأهلية إلى أن وزارة النفط كانت قد رخصت 7 مصافي فقط، إلا أن العدد الحقيقي لها قد يزيد عن الـ100 مصفى ومعمل تكرير “غير نظامي”.

وكشف المسؤول لوكالة “يقين” عن أن مافيات النفط والأحزاب المتنفذة في الحكومة والميليشيات، جميعها تمتلك مصافي نفط، يورد إليها النفط المهرب من أنابيب التصدير بشكل غير نظامي وغير قانوني، فضلًا عن التلاعب بعدادات النفط في الموانئ العراقية، والتي لا زالت تعتمد طريقة احتساب النفط المصدر بالذراع بدلًا من الليتر أو البرميل، الأمر الذي يؤدي إلى تسرب كميات نفط هائلة إلى مصافي تلك الجهات المتنفذة، بحسبه.

“تنتشر مصافي النفط غير النظامية في العراق، في المحافظات والمدن التي تتواجد فيها حقول نفطية”

ويقول أحد العاملين في مصافي النفط الأهلية في محافظة التأميم والذي عرّف عن نفسه بـ “هيوا خليل”: إن معمل التكرير أو المصفى الصغير الذي يعمل به أنشأ منذ 11 شهرًا بدعم من إحدى الأحزاب المتنفذة في المحافظة.

وأضاف في حديثه لوكالة “يقين” أن النفط المستخدم في التكرير يهرب إلى المصفى من عدة حقول من كركوك وينقل عن طريق سيارات النقل الحوضية إلى منطقة خارج مركز كركوك، بحسبه.

وعن طريقة تكرير النفط في مصفى غير نظامي والمعدات المستخدمة في ذلك، أوضح خليل أن المعمل عبارة عن بعض “الحرّاقات” التي تحرق النفط في براميل كبيرة وفيها بعض الأنابيب العليا على مستويات مختلفة، حيث أن أعلى الأنابيب يدخل إليه بخار النفط بعد حرقه ليتحول إلى بنزين، والأدنى منه يتحول إلى كاز.

ويشير في حديثه للوكالة إلى أن كميات الدخان والغازات المنبعثة من المعمل لا توصف، وأن الوقود المنتج سيء الجودة ويباع في السوق السوداء لأصحاب محطات الوقود والمولدات الذين يستخدمونه لخلط الوقود الأصلي المكرر في المصافي الحكومية مع ما ينتج من معمله، لتحقيق مزيد من الأرباح، بحسب خليل.

مافيات النفط

“ما بين استخراج النفط وتكريره وبيعه، يبقى المواطن العراقي الحلقة الأضعف في معادلة اقتصادية”

وتنتشر مصافي النفط غير النظامية في العراق، في المحافظات والمدن التي تتواجد فيها حقول نفطية أو تمر من خلالها أنابيب النفط المصدر أو المتجهة إلى المصافي الحكومية والاستثمارية.

ويقول ضابط سابق في شرطة النفط ويدعى “محمد كريم” في حديثه لوكالة “يقين” إن مافيات النفط دائمًا ما تنشط في المناطق التي تتواجد فيها حقول نفطية، مشيرًا إلى محافظة واسط وما تضمه من مصافي غير نظامية، إذ أن حقل الأحدب النفطي الذي يقع في ناحية الأحرار على بعد 27 كم غربي مدينة الكوت في محافظة واسط، يعد مصدرًا مهمًا لمافيات النفط في المحافظة ومصدرًا للنفط المستخدم في معامل التكرير غير النظامية في المحافظة.

ويختتم كريم حديثه موضحًا أن معامل تصفية النفط التي تفتقر لأبسط معايير السلامة والشروط البيئية دائمًا ما تعمل في المناطق الصحراوية أو التي تبعد عن مراكز المدن، تجنبا لإثارة انتباه السكان، بحسبه.

وما بين استخراج النفط وتكريره وبيعه، يبقى المواطن العراقي الحلقة الأضعف في معادلة اقتصادية تدر ملايين الدولارات على الجهات العاملة به، من دون أية مراعاة للتلوث والسموم التي تصيب العراقيين.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق