الأحد 24 مارس 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » العراق بين احتلالين »

القرار الأمني في العراق.. تعدد الجهات وفقدان البوصلة

القرار الأمني في العراق.. تعدد الجهات وفقدان البوصلة

يعيش العراق في فوضى أمنية منذ الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003، إذ إنه منذ ذلك التاريخ تشهد مختلف المحافظات العراقية، خروقات أمنية يوميًا وبمعدلات عالية، ورغم أن الحكومات المتعاقبة خصصت الجزء الأعظم من الموازنات المالية للوزارات والأجهزة الأمنية، إلا أن الوضع الأمني لم يشهد أي تحسن خلال السنوات الماضية، الأمر الذي يطرح عددًا من الأسئلة عن الخلل في المنظومة الأمنية العراقية، وعن تعدد جهات صنع القرار الأمني في البلاد.

مراكز صنع القرار

“محافظة نينوى فيها ما لا يقل عن أربع جهات أمنية تعمل منفردة وبمعزل عن بعضها في المحافظة”

تتعدد مراكز صنع القرار الأمني في العراق وتنقسم إلى عدد من الأجهزة الأمنية والمخابراتية والاستخباراتية، بعضها تابع لوزارة الداخلية وأخرى لوزارة الدفاع، وبعض منها تابع لأجهزة أمنية مستقلة عن كلتا الوزارتين.

ويقول الخبير الأمني العراقي “عبد الله السبعاوي” في حديثه لوكالة “يقين” إن عدد الأجهزة الأمنية في العراق بات كبيرًا إلى الحد الذي ضاعت فيه بوصلة هذه الأجهزة وأهدافها، وباتت تتضارب فيما بينها.

وأشار السبعاوي إلى أن العراق يضم ما لا يقل عن 12 جهازًا أمنيًا متمثلًا بوزارة الداخلية ومديريات الشرطة التابعة لها، ومديرية الاستخبارات التابعة لوزارة الداخلية أيضًا، وجهاز المخابرات العراقي، والاستخبارات العسكرية في وزارة الدفاع، وجهاز الأمن الوطني، وأمن الحشد، واستخبارات الحشد الشعبي، وقيادات العمليات في المحافظات، وأمن الحدود واستخباراتها، ومركز العمليات الأمنية المشتركة وغيرها.

وأوضح أن غالبية هذه الأجهزة الأمنية، تعمل بمعزل عن بعضها ولا يكاد يوجد تنسيق حقيقي بينها، سوى تبادل بعض المعلومات أثناء العمليات، إذ إنه لا قاعدة بيانات مشتركة أو موحدة بين هذه الأجهزة.

ولفت السبعاوي إلى أن ما يعوق التفوق الأمني لهذه الأجهزة هو تداخل عملياتها وحدود عملها والمهام المناطة بها، مشيرًا إلى أنه يمكن ملاحظة ذلك من خلال التدقيق الأمني للعراقيين والذي يمر على أجهزة الاستخبارات أولًا ثم الأمن الوطني، وهذا دليل على عدم وجود قاعدة بيانات موحدة لهذه الأجهزة.

وكشفت الحرب الأخيرة في المحافظات المنكوبة عن خلل في المنظومة الأمنية العراقية وتداخل عملها وتعدد أقطابها، إذ يشير الضابط “عبد الحسن الكعبي” في قيادة عمليات نينوى في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن محافظة نينوى فيها ما لا يقل عن أربع جهات أمنية تعمل منفردة وبمعزل عن بعضها في المحافظة، وهي كل من قيادة عمليات نينوى واستخبارات الداخلية وجهاز الأمن الوطني والحشد الشعبي.

موضحًا أن تعدد جهات صنع القرار الأمني في العراق عامة وفي نينوى خاصة، يضعف من الجهد الأمني الجمعي لهذه الأجهزة، بسبب تعدد مسؤوليها وعدم وجود قيادة موحدة لها، بحسبه.

“الأجهزة الأمنية في العراق باتت محاصصة حزبية هي الأخرى”

وعلى مدار السنوات الماضية، أثار وجود قيادات العمليات في بعض المحافظات الجدل بين الأوساط السياسية والدوائر الأمنية بسبب التقاطعات الحاصلة في القرار الأمني المتخذ من قبلها، مع اشتداد الخلافات بين قيادات العمليات ووزارة الداخلية عقب كل خرق أمني أو تفجيرات تشهدها محافظات البلاد.

وكان عدد من النواب العراقيين قد دعوا إلى إلغاء قيادات العمليات العسكرية في المحافظات، إذ قدم النائب “فالح الخزعلي” طلباً متضمنًا توقيع 51 نائباً في البرلمان، لمناقشة إمكانية إلغاء قيادات العمليات.

وبرر النواب طلبهم إلى رئاسة البرلمان والذي نشر في وسائل الإعلام في وقت سابق بأن قيادات العمليات في المحافظات لا تخضع لرقابة البرلمان ولا يمتلك البرلمان السلطة في اختيار قياداتها أو تنحيتهم، واعتبر النواب أن ذلك يشكل مخالفة للقوانين النافذة.

فقدان البوصلة

يشير عدد من الخبراء العسكريين إلى أن عمل الأجهزة الأمنية في العراق عقب الغزو الأمريكي في عام 2003 تكتنفه الفوضى، إذ يشير الضابط في جهاز الأمن العام السابق “فواز حسين” في حديثه لوكالة “يقين” إن العراق كان يملك عددًا من الأجهزة الأمنية القوية قبل الغزو، مشيرًا إلى أن عمل تلك الأجهزة كان مرسومًا بدقة، إذ كان كل جهاز أمني مختص بنوع معين من القضايا وبصلاحيات تختلف عن الأجهزة الأخرى.

“حزب “عمار الحكيم” يتحكم بمفاصل مهمة في وزارة الداخلية”

وأشار حسين إلى أن أحد أبرز مظاهر الفوضى في عمل الأجهزة الأمنية الحالية، هو عمل جهاز المحابرات العراقي، والذي يتوجب عليه العمل خارج الحدود العراقية ورصد المخاطر، بينما يتركز عمله الآن في داخل البلاد، ما يجعله قرينًا لأجهزة الاستخبارات التابعة لوزارتي الداخلية والدفاع.

من جانبه يرى الصحفي المختص بالشؤون الأمنية “خالد يوسف” في حديثه لوكالة “يقين” أن الأجهزة الأمنية في العراق باتت محاصصة حزبية هي الأخرى، ويرى يوسف أن لكل حزب نفوذًا كبيرًا في إحدى الوزارات والأجهزة الأمنية، مشيرًا إلى أن حزب فالح الفياض والدعوة يسيطر بشكل كبير على جهاز الأمن الوطني.

وأشار يوسف إلى أن حزب “عمار الحكيم” يتحكم بمفاصل مهمة في وزارة الداخلية، وتتوزع محاصصة قيادات العمليات في المحافظات على الأحزاب في تلك المحافظات دون مراعاة الأولوية الأمنية.

ويضرب يوسف مثالًا عن فقدان بوصلة الأجهزة الأمنية، إذ يشير إلى أنه في أواخر عام 2015، حاولت قوة من قيادة عمليات بغداد اقتحام أحد المقرات التابعة لفصيل مسلح تابع للحشد الشعبي في شارع فلسطين وسط بغداد، وكان اللواء عبد الأمير الشمري قائداً لعمليات بغداد في ذلك الوقت، وأوكل إليه ملف البحث عن العمال الأتراك المختطفين في العاصمة.

ويضيف الصحفي أنه ما لبث الأمر أن تحول إلى اشتباك مسلح بين الطرفين، في واحدة من عدة حالات مشابهة في العاصمة ومحافظات أخرى، ولم ينزع فتيل تلك الاشتباكات إلا بتدخل أطراف برلمانية وحكومية لتهدئة الموقف، ما يشي بأن كل جهاز أمني في البلاد ينفذ أجندته الخاصة.

بدائل قد لا ترى النور

“ما بين تعدد مراكز صنع القرار الأمني، والوضع الأمني المتدهور، يظل قادة الأجهزة الأمنية هم الرابح الأكبر”

مع كل خرق أمني في البلاد، تعلو الأصوات المطالبة بتوحيد جهات صنع القرار الأمني في البلاد، إذ يقول مستشار في وزارة الدفاع فضل عدم الكشف عن هويته مقابل الحديث لوكالة “يقين” إن تعدد الأجهزة الأمنية في العراق، يعرقل فرض الأمن في البلاد، ويشكل ثغرة كبيرة للمجاميع المسلحة الخارجة عن القانون لتنفيذ خروقات أمنية كبيرة.

وأشار المستشار إلى أن ما يعرقل توحيد مراكز صنع القرار الأمني في البلاد هو تعدد تلك المراكز وارتباطها بأحزاب سياسية تستفيد من تعدد مراكز القرار الأمني في المحافظات العراقية.

وكشف المستشار عن أن مقترحًا كانت قد تقدمت به وزارة الدفاع إلى حكومة “حيدر العبادي” السابقة مفاده تحديد مهام كل الأجهزة الأمنية وحصر واجباتها من خلال تقديم مشروع قانون إلى البرلمان يلغي بعضها ويستحدث أخرى ويضع ضوابط لعملها، إلا أنه وبحسب المستشار فإن ذلك الاقتراح جوبه برفض كبير من قيادات جهاز الأمن الوطني وقيادات الحشد الشعبي، بحسبه.

وما بين تعدد مراكز صنع القرار الأمني في البلاد، والوضع الأمني المتدهور الذي تشهده مختلف المحافظات العراقية، يظل قادة الأجهزة الأمنية هم الرابح الأكبر من خلال استغلال الوزارات والأجهزة الأمنية ومناصبهم في تحقيق غايات أحزابهم السياسية والاقتصادية.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات