الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » اخفاقات حكومة العبادي »

المشاريع المائية.. فساد وتحديات تعرقل إنجازها

المشاريع المائية.. فساد وتحديات تعرقل إنجازها

يعاني العراق منذ سنوات من شح المياه ونفاذ كميات كبيرة من المياه المخزنة في البحيرات والسدود، مع انخفاض قياسي في مناسيب مياه نهري دجلة والفرات، الأمر الذي أدى إلى توسع اللسان الملحي في محافظة البصرة محولًا كثيرًا من الأراضي الزراعية إلى أراضي بور.

فصل الشتاء الذي يمر على العراق الآن شهد منذ بدايته سقوط كميات كبيرة من الأمطار، ما يطرح عدة تساؤلات عن استعدادات وزارة الموارد المائية لتخزين هذه المياه، والمشاريع التي تحافظ عليها بدلًا من ذهابها إلى شط العرب والخليج العربي واختلاطها مع المياه المالحة.

مشاريع العراق المائية

تتعدد المشاريع المائية التخزينية في العراق، إذ يقول الخبير الجيولوجي العراقي “إبراهيم خليل” في حديثه لوكالة “يقين” إن عدد السدود المنشأة على نهر الفرات يبلغ ستة سدات (سد صغير)، فيما يبلغ عدد السدود المقامة على حوض نهر دجلة 11 سدًا.

وأكد خليل أنه منذ عام 2003 وهو تاريخ الغزو الأمريكي للبلاد، لم يشهد العراق بناء أي مشروع مائي ضخم، على الرغم من الموازنات الكبيرة التي تمتع بها العراق طيلة الفترة الماضية، لافتًا إلى أن العراق وقبل الغزو كانت لديه 9 مشاريع مائية كسدود، وبعضها كان قيد الإنشاء، إلا أنها أهملت وتعرضت للنهب والسرقة بعد الغزو.

مشيرًا في حديثه لوكالتنا إلى أن أبرز تلك المشاريع هي سد بادوش وباكرمان وبخمة ومنداوه وتولساق وطقطق وغيرها، وعلى الرغم من وجود بحيرات عملاقة لخزن المياه في البلاد، إلا أن  خليل يرى أن السنوات الماضية ونتيجة للجفاف فإن 50% من مخزون تلك البحيرات نفد بفعل الاستخدام وإهمال صيانة تلك البحيرات، يضاف إليها المشاريع المائية التركية التي أنشأتها على منابع نهري دجلة والفرات فيما يطلق عليه بمشروع الغاب الكبير والذي يتضمن إنشاء ما لا يقل عن 19 سدًا.

الحكومات العراقية بعد الغزو الأمريكي لم تعر أي أهمية للمشاريع المائية”

ويقول المستشار في وزارة الموارد المائية “ظافر عبد الله” في حديثه لوكالة “يقين” إن قلة التمويل من الحكومات المتعاقبة والأوضاع الأمنية التي مر بها العراق، حالت دون إكمال السدود التي بدأ العراق بإنشائها في تسعينات القرن الماضي.

عبد الله أوضح أن العراق لن يستطيع بمفرده إكمال تلك السدود، وأنه لا بد على الحكومة من جلب استثمارات أجنبية للبلاد لإكمال تلك السدود، فضلًا عن هجرة العشرات من خبراء الموارد المائية العراقيين خلال السنوات الماضية، بحسبه.

وبين عبد الله أن تحديات كبيرة تحول دون تنفيذ مشاريع مائية مستقبلية في العراق، ومنها بطء الإجراءات الحكومية وقلة الأموال المخصصة لتلك المشاريع، فضلًا عن التوجهات السياسية التي باتت تدخل في جميع المفاصل الإدارية والاقتصادية في البلاد.

فساد وتحديات

أزمة المياه في العراق، ظهرت جلية في الصيف الماضي في العراق، إذ إن محافظات الوسط والجنوب العراقي شهدت مظاهرات عارمة امتدت لأشهر مطالبة بتوفير المياه الصالحة للشرب في البلاد، مظاهرات أوقعت العشرات بين قتيل وجريح.

مهندس الموارد المائية “علاء هاني” يرى في حديثه لوكالة “يقين” أن الحكومات العراقية بعد الغزو الأمريكي لم تعر أي أهمية للمشاريع المائية، فضلًا عن أن الإهمال المتعمد لكثير من المشاريع التي كانت قيد الإنشاء، التي أحالت بعضها إلى خرائب.

العراق خسر نحو ثلثي حصته المائية المتدفقة إلى العراق خلال العقود الثلاثة الماضية”

وكشف هاني عن أن سد بادوش في محاظفة نينوى كانت قد وصلت نسبة الإنجاز فيه في تسعينات القرن الماضي إلى ما يقرب من 40%، إلا أن موقع السد تعرض للنهب والسلب، وعمدت بعض الجهات الى هدم أجزاء منه لاستخراج الحديد وبيعه في السوق السوداء، دون أي رقابة حكومية.

ليست السدود وحدها، إذ إن الأهوار هي الأخرى تعاني من تردي أوضاعها وتدهورها إلى حد كبير، إذ يقول الصحفي العراقي “ماجد الحيالي” في حديثه لوكالة “يقين” إن أغوار العراق تعرضت لخسائر فادحة منذ الغزو الأمريكي للبلاد.

وأرجع الحيالي أسباب ذلك إلى أن وزارة الموارد المائية لم تعد مصادر مياه الأهوار إلى الحالة الطبيعية لها قبل عام 1991، إضافة إلى أن إيران قطعت روافد عديد من الأنهار التي كانت تصب في نهر دجلة والأهوار.

وشدد الحيالي على أن الشتاء الحالي يعد فرصة كبيرة للعراق قد لا تعوض، لتدارك سوء إدارة الثروة المائية في البلاد، مشيرًا إلى ضرورة إنشاء عدة سدات مائية في وسط العراق، مع ضرورة ملحة في استئناف بناء سد بادوش والمباشرة بإنشاء سد بخمة شالي العراق، بحسبه.

وكيل وزارة الموراد المائية “جمال العادلي” قال في مؤتمر صحفي إن الوزارة تواجه تحدياً كبيراً في الفترة الراهنة، مشيرًا إلى أن الوزارة تعمل على إنشاء عشرات المشاريع المهمة والنوعية، بحسبه.

“العراق وبوضعه السياسي الحالي، لن يستطيع استرجاع حقوقه المائية”

تصريحات العادلي تلك تشي بأن المشاريع المائية في العراق قد لا ترى النور قريبًا، إذ يشير المحلل الاقتصادي “انمار العبيدي” في حديثه لوكالة “يقين” إن التحديات التي أشار إليها وكيل وزارة الموارد المائية “جمال العادلي” فيما يخص التحديات واقعية، وأن وعود الوزارة بإنشاء مشاريع كبيرة ونوعية، قد تمتد لسنوات طويلة.

وأوضح العبيدي أن عددًا من تلك المشاريع التي أشار إليها العادلي توقفت مؤخرًا بعد أشهر من إقرار البدء بتنفيذها، موضحًا أن قرار رئيس الوزراء “عادل عبد المهدي” بإلغاء قرارات سلفه للأشهر الثلاثة الأخيرة من عمر الحكومة السابقة، أوقفت جل مشاريع البصرة المائية التي أمر العبادي بتنفيذها بعد المظاهرات الحاشدة التي شهدتها محافظة البصرة الصيف الماضي.

وأشار العبيدي إلى أن المشاريع الأخرى التي وعدت الوازرة بتنفيذها، لن تكون في متناول اليد بسبب قلة تخصيصات الوزارة في مسودة مشروع الموازنة العامة للبلاد عام 2019، فضلًا عن الفساد الكبير في مؤسسات الدولة، وعدم مقدرة الوزارة تمرير أي مشروع دون أن يتخلله فساد كبير ورشاوي، تذهب بجزء كبير من ميزانيته، بحسب العبيدي.

حلول بعيدة المنال

حذر تقرير أصدرته جميعة المياه الأوربية من أن العراق يمكن أن يخسر تمامًا مياه نهري دجلة والفرات، وأن العراق سيخسر بحلول عام 2040 نحو 40 مليار متر مكعب من المياه.

وأشار التقرير إلى أن العراق خسر نحو ثلثي حصته المائية المتدفقة إلى العراق خلال العقود الثلاثة الماضية، في الوقت الذي يعاني فيه العراق من أزمات داخلية، فإن تركيا تعمل على إنشاء عديد من السدود لحفظ مياهها وعدم ذهابها إلى دول لا تنتفع بها، بحسب التقرير.

الخبير المائي العراقي الأكاديمي “سعد الله العمري” أشار إلى أنه في الوقت الذي انشغل فيه ساسة العراق بعد الغزو بالخلافات الداخلية والوضع الأمني المتدهور، كانت تركيا تعمل على إنشاء سدود عملاقة على نهري دجلة والفرات.

وأوضح العمري أن مطالبات العراق لتركيا بحصته المائية، دائمًا ما كانت تواجه بأسئلة تركية عن مصير المياه العذبة المتدفقة إلى العراق والتي تذهب سدى وتختلط مع مياه الخليج المالحة.

الفساد المستشري في العراق، يجعل من أي مشروع اقتصادي مائي كان أو غير ذلك، قد لا يرى النور”

وعن الحلول التي يمكن أن تساعد العراق في تدارك الأزمة المائية، أوضح العمري أن الحلول تتمثل في المباشرة بتنفيذ مشاريع مائية كبيرة وإكمال السدود المتوقفة، إضافة إلى تشريع قوانين تحفظ المياه في العراق.

وكشف العمري لوكالتنا عن أن دراسات مائية دولية، أفادت بأن العراق يعد من أكثر بلدان الشرق الأوسط إهدارًا للمياه العذبة، مشيرًا إلى أن العراق لم يشرع حتى اللحظة قوانين تفرض تقنين صرف المياه، ولم يباشر بأي مشاريع لتدوير مياه الصرف الصحي التي تعد موردًا كبيرًا بديلًا للمياه المستخدمة في عموم محافظات البلاد.

كما أكد على أن العراق وبوضعه السياسي الحالي، لن يستطيع فرض إرادته على الأتراك أو الإيرانيين لاسترجاع حقوقه المائية وفق الاتفاقيات المبرمة بين العراق وإيران وتركيا في القرن الماضي، والتي تنصلت منها تركيا وإيران بعد الغزو بسبب ضعف الحكومات المتعاقبة بعد الغزو، بحسب العمري.

غياب الخطط

تشير تقارير منظمة الشفافية الدولية لعام 2017 إلى أن العراق يحتل المرتبة الثالثة قبل الأخيرة في معدلات فساد مؤسساته الحكومية، فساد يكتسح جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية، بحسب تقرير المنظمة.

ويقول الصحفي الاقتصادي “أحمد يونس” في حديثه لوكالة “يقين” إن العراق منذ عام 2003 يفتقر لرؤية اقتصادية أو خطة استراتيجية للتعامل مع متغيرات الاقتصاد الدولي وإدارة الموارد الداخلية غير النفطية.

“تحديات وفساد تجعل من العراقيين ينظرون إلى جميع الوعود الخدمية بعين الريبة والشك”

وأوضح يونس أن الفساد المستشري في العراق، يجعل من أي مشروع اقتصادي مائي كان أو غير ذلك، قد لا يرى النور أو يتوقف بعد مدة قصيرة من المباشرة به.

ولفت يونس إلى أن المسؤولين الحكوميين في العراق باتوا يتجهون في التعاقدات الدولية إلى شركات أوربية شرقية لا تتمتع دولها بالنزاهة هي الأخرى، على عكس الشركات العالمية المعروفة، الأمر الذي يسهل على المسؤولين الحصول على الكومسيونات والرشاوي من تلك الشركات مقابل إحالة المشاريع، بحسبه.

وعن المشاريع المائية التي تعهدت وزارة الموارد بتنفيذها في العراق، أكد يونس على أن الوزارة لو كانت جادة في تلك المشاريع لما استوردت مضخات ماء سيئة النوعية من كل من الصين وجورجيا، وأن تلك المضخات المائية في محافظة البصرة لم تكمل عامها الأول حتى بدأت الأعطال فيها، الأمر الذي أدى إلى توقف عدة محطات مياه وتحلية عن العمل في البصرة الصيف الماضي، بحسبه.

تحديات وفساد في الوزرات العراقية، تجعل من العراقيين ينظرون إلى جميع الوعود التي تطلقها الوزارات الخدمية بعين الريبة والشك، في ظل تدهور كبير يشهده العراق في مختلف قطاعات البنية التحتية والخدمات.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات