الثلاثاء 25 يونيو 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

بساتين حزام بغداد.. إبادة جماعية مدروسة لتغييرها ديموغرافيًا

بساتين حزام بغداد.. إبادة جماعية مدروسة لتغييرها ديموغرافيًا

خمسة عشر عامًا من  الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003، كانت كفيلة بتحويل العراق من الاكتفاء الزراعي إلى الاستيراد، وكانت كفيلة كذلك بتحويل حزام بغداد الأخضر الذي كان يحيطها من جميع جوانبها إلى أراض جرداء وصحراوية أدت إلى تحويلها إلى أراضٍ غير صالحة للزراعة.

ليست العوامل الطبيعية من تسببت بذلك التحول، إذ إن هناك من تدخل ويتدخل ويعمل بكل ما يستطيع ليحول ذلك الحزام الأخضر من البساتين المحيطة بالعاصمة إلى أراض غير زراعية، والهدف من ذلك تغيير طبيعتها الديموغرافية والسكانية لصالح قوى فعلت ما فعلت بالعراق طيلة السنوات الماضية.

تدمير بساتين حزام بغداد

مدن عديدة تشهد عمليات تجريف مستمرة للأراضي الزراعية في مناطق حزام بغداد، وخاصة في الطارمية والمحمودية وأبو غريب والهدف منها بحسب أهالي تلك المناطق، إجبار أهلها على الرحيل إثر فقدانهم مصدر رزقهم في الزراعة.

ويقول المزارع “محمد المشهداني” في حديثه لوكالة “يقين” إن جرافات القوات الأمنية من الجيش وميليشيا الحشد الشعبي دائمًا ما تجرف البساتين في الطارمية في كل عملية أمنية أو مداهمات أو تفتيش، دون إعطاء أي مبررات مقنعة غير تلك التي يتحججون بها في أنها تتخذ من المجاميع المسلحة غطاء لتنفيذ خروقات أمنية ضد الأجهزة الحكومية.

ويضيف المشهداني أن تلك القوات تصطحب معها جرافات كبيرة تعمل على جرف البساتين واقتلاع الأشجار وتخريب الأراضي وتدميرها أو سرقة منظومات الرش بالتنقيط في تلك البساتين، والتي تصل كلفتها إلى عشرات الملايين من الدنانير.

المشهداني الذي جرفت ميليشيات الحشد الشعبي جزءًا كبيرًا من بستانه قبل أشهر، أوضح في حديثه لوكالتنا أن غايتهم من ذلك إجبار الأهالي على الرحيل من الطارمية وخاصة من المركز والاتجاه إلى مناطق أخرى خارج حدود العاصمة، موضحًا أن عائلات عديدة غادرت بالفعل بعد تهديد تلك القوات لها باعتقال أبنائها وتجريف أراضيهم ودورهم.

“المختار أن الهدف الرئيس من تلك العمليات هو التغيير الديموغرافي من أجل تفريغ المنطقة من سكانها”

وفي شأن ذي صلة، يقول مختار إحدى الأحياء في مناطق حزام بغداد، والذي رفض الكشف عن هويته لوكالة “يقين” خوفًا من الملاحقة الأمنية إن الحكومة تنتهج خطًا عسكريًا من خلال الاعتقالات وتجريف الدور والبساتين من أجل إجبار سكان مناطق حزام بغداد على الهجرة وترك مناطقهم لأجل التغيير الديموغرافي الذي بات واضحًا أنه الهدف القادم لأذرع الحكومة الحالية.

وعن الحجج التي تتخذها تلك القوات في المداهمات والاعتقالات وتجريف البساتين، أوضح المختار أن سكان تلك المناطق باتوا مقتنعين أن غالبية الخروقات الأمنية وانفجار العبوات الناسفة على الطرق، باتت من فعل ميليشيا الحشد الشعبي، من أجل اتخاذها ذريعة للتغطية على العمليات الأمنية التي تقوم بها في مناطق حزام بغداد.

وفي ختام حديثه، أوضح المختار أن الهدف الرئيس من تلك العمليات هو التغيير الديموغرافي من أجل تفريغ المنطقة من سكانها ذات الأغلبية السنية، ثم استقدام أناس آخرين في مرحلة لاحقة.

ما الطرق المستخدمة في التغيير الديموغرافي؟

طرق عديدة تستخدمها القوات الحكومية وميليشيا الحشد الشعبي في التغيير الديموغرافي في مناطق حزام بغداد، إذ ليست العمليات العسكرية وحدها التي تؤدي إلى هجرة السكان، ويقول الشيخ “جبر الحلبوسي” أحد شيوخ منطقة الرضوانية في حزام بغداد، إن عمليات التجريف الواسعة للأراضي حول بغداد وصلت إلى حد قياسي في عام 2018.

وأشار الحلبوسي إلى أن ذلك يتم من خلال التجريف المتعمد لتلك الأراضي التي يعود جزء منها للدولة، وجزء آخر للمزارعين ضمن ما يعرف بـ(أراضٍ بحقوق تصرف مشروطة من وزارة الزراعة)، إذ تعمد تلك القوات إما إلى افتعال حرائق في تلك البساتين أو رشها بمواد كيميائية سامة تقتل الأشجار والزرع، أو تجريفها بالجرافات العسكرية بحجة العمليات العسكرية والبحث عن المتفجرات والألغام.

“عمليات التجريف الواسعة للأراضي حول بغداد وصلت إلى حد قياسي في عام 2018”

وتعد مناطق الجادرية والدورة والتاجي والطارمية والرضوانية من أبرز المناطق في حزام بغداد التي تمت فيها عمليات تجريف واسعة للبساتين وأشجار النخيل.

عضو لجنة الزراعة في البرلمان “علي البديري” كشف في حديثه لوكالة “يقين” عن وجود جهات متنفذة في الحكومة ومن الأحزاب الحاكمة وفصائل مسلحة تسيطر بالقوة على مساحات واسعة من البساتين في حزام بغداد، وتعمل على تجريفها ثم تحويل صنفها العقاري من زراعي إلى سكني، ثم تقطيع تلك الأراضي وبيعها.

وأكد البديري على أن تلك الجهات تسكت الدوائر الحكومية المعنية والقوات الأمنية من الجيش والشرطة من خلال إشراكهم في جزء من الأرباح، لافتًا إلى أن ذلك يدخل في عمليات فساد ومساومات كبيرة للاستحواذ على الأراضي الزراعية.

من جهته أكد الموظف في وزارة الزراعة “حميد أبو الهيل” على أن جميع الإجراءات في مناطق حزام بغداد والتي تم بموجبها تحويل صنف الأراضي من زراعي إلى سكني، تم وفق الضوابط، ولا غبار عليه.

“الجادرية والدورة والتاجي والطارمية والرضوانية من أبرز المناطق في حزام بغداد التي تمت فيها عمليات تجريف واسعة”

وأكد أبو الهيل في حديثه لوكالة “يقين” على أن وزارة الزراعة تجري كشفًا ميدانيًا للأراضي المحولة الصنف، قبل تأكيد تحويلها، وأن عمليات التحويل هذه بدأت منذ فترة طويلة، لافتًا إلى أن وزارة الزراعة ليس من شأنها التدخل في الجهة التي تحول الصنف العقاري لتلك الأراضي ما دامت الإجراءات القانونية صحيحة.

ويشير المحلل السياسي “ممتاز العسلي” في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن الجهات التي تسيطر على الأراضي ثم تجرفها وتحولها إلى الصنف السكني، تبغي من وراء ذلك هدفين اثنين، أولهما أنها تجني من ذلك أموالًا طائلة تمول بها الأحزاب الحاكمة والميليشيات، إضافة إلى التغيير الديمغرافي الذي يتم من خلال بيع تلك الأراضي لجهات معينة من غير السكان الأصليين لتلك المناطق.

خسائر اقتصادية كبيرة

الخبير الزراعي العراقي “يونس حسين” أشار إلى أن ما يجري في مناطق حزام بغداد وفي محافظات أخرى كالبصرة وديالى وتجريف مئات آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية، يعد إجرامًا بكل المقاييس.

ولفت حسين في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن الحكومة وبسكوتها عن ذلك، فإنها تعد شريكة في الجرم، موضحًا أن العراق لن يستطيع إعادة الحياة إلى تلك الأراضي الزراعية قبل أقل من خمسين عامًا قادمة، نظرًا لتدمير جميع البنية التحتية الزراعية في تلك المناطق، وخاصة أن أشجار النخيل والحمضيات تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تنمو وتصبح مثمرة.

“العراق أنفق ما لا يقل عن ملياري دولار في استيراد الفواكه والخضراوات خلال العامين الماضيين”

وعن الخسائر الاقتصادية المترتبة عن ذلك، أوضح حسين أن العراق تحول من بلد كان مكتفيا زراعيا إلى بلد، باتت جل الفواكه والخضراوات فيه مستوردة، إضافة إلى تأثير ذلك على الثروة الحيوانية في البلاد، والتي ستكون عنوان الخسارة القادمة في العراق.

وفي ختام حديثه أشار الخبير الزراعي إلى أن آخر الاحصائيات حول تكلفة الاستيراد الزراعي من الخارج، توضح أن العراق أنفق ما لا يقل عن ملياري دولار في استيراد الفواكه والخضراوات خلال العامين الماضيين، جلها من إيران ثم تركيا، وبقية الدول، لافتًا إلى أن جميع دول الجوار مستفيدة مما يحصل من انهيار في القطاع الزراعي في العراق، بحسب حسين.

تمر الأيام في بلاد الرافدين، ويفاجأ العراقيون كل يوم بطرق وحيل جديدة، تبغي التربح من معاناتهم، فضلًا عن سياسيات خبيثة ترمي إلى إفراغ مناطق معينة حول العاصمة بغداد من سكانها الأصليين في عملية أقل ما يمكن أن توصف به هو تغيير ديموغرافي وتهجير قسري لأناس عاشوا في تلك المناطق لمئات السنين.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات