الأربعاء 19 يونيو 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أزمة الأدوية »

٢٢ ألف عراقي مصاب بالثلاسيميا وعجز حكومي عن توفير الدواء

٢٢ ألف عراقي مصاب بالثلاسيميا وعجز حكومي عن توفير الدواء

يحدث في العراق، إن لم تقتلك الحرب والأوضاع الاقتصادية المزرية قد يقتلك المرض لعدم قدرة الحكومات المتعاقبة على توفير الدواء، فالمشكلة لم تعد تقتصر على المرض ومسبباته بل في سبل النجاة منه، وعدم قدرة الحكومات على تغطية حاجيات الشعب من الدواء.

أرقام مفزعة

“غياب التعليمات والقوانين المشرعة من قبل وزارة الصحة والوزارات ذات العلاقة للحد من الإصابة بهذا المرض تسببت في ازدياد أعداد المصابين”

في تصريح خطير مؤخرًا لوزير الصحة العراقي (علاء الدين العلوان) أكد فيه على “وجود ما يقرب من 22 ألف عراقي مصاب بمرض الثلاسيميا، وأن وزارة الصحة غير قادرة على توفير العلاج بشكل يومي لهذا العدد الكبير”، في صورة تعكس حجم الكارثة والمرحلة المقبلة لمستقبل المرضى في ظل الضعف المؤسسي والإداري لوزارة الصحة وعموم وزارات العراق.

وتذكر تقارير رسمية أن عدد العراقيين المصابين بمرض الثلاسيميا (فقر دم البحر الأبيض المتوسط) مفزع، وهو في تزايد مستمر وذلك نتيجة للحروب ومخلفاتها واستخدام الأسلحة الكيمياوية، زيادة على ذلك قلة وعي المتزوجين حديثًا وعدم توعية المقبلين على الزواج من قبل وزارة الصحة، والمؤسف أن هذا المرض يودي بحياة العشرات يوميًا ويستمر كثير بالمعاناة جراء عدم حصولهم على الدواء.

الثلاسيميا.. أعراضه ومسبباته

وقبل أن نتحدث عن سياسة الدولة لمواجهة هذا المرض سنقدم نبذة عن هذا المرض..

طبيعته: مرض الثلاسيميا (Thalassemia) والذي يسمى أيضًا بفقر دم حوض البحر الأبيض المتوسط، هو اضطراب وراثي يحدث لخلايا الدم، حيث تنخفض فيه نسبة الهيموغلوبين (المكوّن الأساسي لكريات الدم الحمراء والناقل للأكسجين) عن المعدل الطبيعي، وتبعًا لذلك تسمى أيضًا (أنيميا البحر الأبيض المتوسط)؛ لأن منشأ المرض كان في حوض البحر الأبيض المتوسط وانخفاض لمستوى الأكسجين بالدم.

“وجود ما يقرب من 22 ألف عراقي مصاب بمرض الثلاسيميا”

أسبابه: تحدث الثلاسيميا بسبب طفرات في الحمض الوراثي للخلايا المسؤولة عن إنتاج الهيموغلوبين، وهو مادة في خلايا الدم الحمراء مسؤولة عن حمل الأكسجين في كامل الجسم، وتنتقل الطفرات المرتبطة بالثلاسيميا من الآباء إلى الأبناء وتعطل الإنتاج الطبيعي للهيموغلوبين وخلايا الدم الحمراء الصحيحة، مما يسبب فقر الدم، وبسبب فقر الدم لا يحصل الجسم على خلايا دم حمراء كافية لحمل الأكسجين إلى الأنسجة مما يسبب حالة التعب.

أعراضه: تعتمد على نوع وشدة المرض، فبعض الأطفال تظهر لديهم الأعراض منذ الولادة، في حين أن البعض الآخر تظهر عليهم الأعراض خلال العامين الأولين من العمر، وقد لا تظهر الأعراض لدى الحاملين للمرض (المصابين باضطرابات في جين واحد)، ومنها الإحساس بالتعب والضعف العام، شحوب واصفرار في البشرة، تغير لون البول إلى الداكن، تأخر في النمو، ضيق في التنفس، انتفاخ البطن، تشوهات في العظام.

مضاعفاته: تفاقم مشكلة فقر الدم والإحساس بالإجهاد والتعب المستمر، تأخر نمو الطفل وتأخر سن البلوغ، تضخم الطحال وانتفاخ البطن بسبب تكدس الحديد داخل الطحال بدلاً من إعادة استخدامه، تخثر الدم نتيجة لاستئصال الطحال مما يزيد عدد الصفائح الدموية، نقص حمض الفوليك وفيتامين ب12، تشوه العظام.

علاجه : علاج المرض يعتمد على نوع (الثلاسيميا) وشدتها، كما أن علاج الحالات المعتدلة إلى الحادة يشمل ما يلي: في معظم الحالات  تتطلب عمليات نقل الدم المتكررة، وربما كل بضعة أسابيع، مع مرور الوقت يسبب نقل الدم تراكم الحديد في الدم، ما يمكن أن يلحق الضرر بالقلب والكبد وغيرهما من أعضاء الجسم، ولمساعدة الجسم للتخلص من تراكم الحديد الزائد بسبب نقل الدم يوصف للمريض بعض  الأدوية، أو زرع الخلايا الجذعية (زرع نخاع العظام) حيث يمكن استخدام عملية زرع الخلايا الجذعية لعلاج الثلاسيميا الشديدة، وقبل زراعة الخلايا الجذعية يتلقى المريض جرعات عالية جدًّا من الأدوية أو الإشعاع، لتدمير خلايا نخاع العظام المريضة، ثم يتلقى دفعات من خلايا جذعية من متبرع متوافق.

الثلاسيميا في العراق

وزارة الصحة غير قادرة على توفير العلاج بشكل يومي لهذا العدد الكبير من مرضى الثلاسيميا”

بالرغم من بعض الجهود المبذولة من قبل وزارة الصحة ومؤسساتها التخصصية في علاج مرض الثلاسيميا ومحاولتها توفير أغلب الخدمات الطبية التشخيصية للمرض بعد حدوثه إلا أن العلاج النهائي له والمتمثل بعمليات زرع نخاع العظم غير متوفرة في العراق بالوقت الحاضر، وهو ما أدى إلى استنـزاف الموارد المالية والبشرية لوزارة الصحة في علاج أعراض المرض.

كما أن غياب التعليمات والقوانين المشرعة من قبل وزارة الصحة والوزارات ذات العلاقة للحد من الإصابة بهذا المرض تسببت في ازدياد أعداد المصابين به حيث بلغت أعدادهم عام 2012 إلى ما يقارب (12266) مريضًا، والمفزع أن هذا الرقم في تزايد مخيف، حيث يزداد  عدد المصابين سنوياً ليصل عام 2015 إلى (17498) مريضًا حسب ما ورد من الشؤون الأمور الفنية لوزارة الصحة، ويعتبر هذا المرض مأساة حقيقية للدولة والعائلة التي يصاب أحد أفرادها به لكونه يعد وصمة اجتماعية إضافة إلى أنه يكلفها أعباء مادية إضافية كما يعد عبئًا ماديًا كبيرًا جداً على ميزانية الدولة لما يتم إنفاقه على العلاج المقدم لهم وبشكل مجاني في المؤسسات الصحية، حيث بلغت كلفة العلاج المصروف على الطفل المصاب بالمرض (1664000) دينار سنويًا، و(4410000) دينار للمريض البالغ المصاب بالمرض سنويًا.

سياسة الحكومة ومرض الثلاسيميا

تخلت الحكومات المتعاقبة منذ 2003 وحتى الآن عن المواطن ومصلحته وتلبية حاجاته، وفي بلد كالعراق، تعددت فيه النزاعات السياسية، والفتن الطائفية، ولعبة الكراسي التي لا تكاد تنتهي، وتفشي الفساد في الدولة العراقية بجميع مفاصلها، هو من أخطر  الأمراض المزمنة التي  قد تصيب جسد الوطن.

“بلغت أعدادهم عام 2012 إلى ما يقارب (12266) مريضًا، والمفزع أن هذا الرقم في تزايد مخيف”

وللحديث عن علاقة مرض الثلاسيميا والفساد المستشري في مفاصل الدولة العراقية، تحدث صاحب متجر للأدوية (ماهر العبود) لوكالة “يقين”، مؤكدًا على إبرام العراق لصفقات مشبوهة سابقًا لتوريد علاج الثلاسيميا، ومنها إبرام صفقة عام 2017 مع شركة إيرانية مقلدة كبديل لعلاج الأكسيجيد (exjade) والذي تنتجه الشركة الأم نوفارتس (novartis) السويسرية والتي سبق وأن تعاقدت معها وزارة الصحة العراقية على توريده عام 2010 وقد أثبت فاعليته وجدواه في علاج المصابين.

ويضيف، لكن الأمور قد تغيرت في دهاليز وزارة الصحة والاقتراح من شركة كيماديا ولجانها الاستشارية لتغيير جهة الاستيراد من الشركة السويسرية إلى الإيرانية والتي لا تمتلك براءة اختراع للعلاج، وطالب العبود الحكومة ووزارة الصحة بإيقاف هذه الصفقات المشبوهة حاليًا، والتي تدر نفعًا لجيوب بعض الفاسدين في حين تسبب الضرر والموت للعراقيين.

ولم تقم وزارة الصحة والوزارات المعنية بوضع قوانين أو تعليمات لمنع زواج المصابين أو وضع إجراءات بعد الزواج بخصوص إنجاب الأطفال كباقي الدول الأخرى التي وضعت قوانين وتعليمات للتقليل من الإصابة بالأمراض الوراثية.

أجيال مهددة

من جانبه طالب الطبيب (عبد المنعم حميد) في حديثه لوكالة “يقين” بإرسال بلاغ من وزارة الصحة إلى وزارة العدل بوجوب إدخال الفحص المبكر لمرض الثلاسيميا إلى شروط عقد الزواج في المحاكم العراقية، وذلك لخطر انتشار هذا المرض في البلد ولا سيما في الفترة الأخيرة حيث كانت الأعداد في السابق تفوق العشرات حتى وصلت نسبة المرضى إلى 3% من السكان وهي نسبة خطيرة، مشيرًا إلى ضرورة بث ثقافة الإعلام والإعلان عن هذا الوباء الوراثي بين الناس وخاصة مجتمع الشباب.

وأكدت الدكتورة (زينب الشاهين) أخصائية أمراض الدم الوراثية في حديثها لوكالة “يقين” على أهمية “عدم استثناء أحد بذريعة انعدام المرض في العائلة أو القرابة أو العشيرة لأن هذا المرض قد يظهر بعد سبعة أو ثمانية أجداد لمجرد زواج من يحمل المرض بمن يحمله”.

“عدد العراقيين المصابين بمرض الثلاسيميا مفزع، وهو في تزايد مستمر وذلك نتيجة للحروب ومخلفاتها واستخدام الأسلحة الكيمياوية”

وشكت الدكتورة الشاهين قلة الكادر الطبي والكادر المختبري في العراق مقابل الأعداد المتزايدة للمصابين، ووجهت الشاهين رسالة اطمئنان إلى المدارس مفادها أن المرض غير معد وليست له آثار سلبية على الطلبة، ولكن بمجرد مشاهدة الطفل المصاب بالثلاسيميا وهو شاحب الوجه وأصفر العينين وضعيف النمو أن يحكموا عليه بالعزلة ويبعدونه عن بقية الزملاء فالمرض وراثي وله انعكاسات سلبية على نفسية الطفل المصاب.

وزارة الصحة تبرّر

المتحدث باسم وزارة الصحة الدكتور (سيف البدر) برّر في حديثه لوكالة “يقين” تلكؤ الوزارة في احتواء المرض، ملقيًا باللوم على الحكومة وميزانيتها التي لم تخصص النسبة المطلوبة لوزارة الصحة في تلبية احتياجات وأدوية أساسية، ومنها دواء الثلاسيميا الذي من المفترض أن يعطى للمرضى بشكل مجاني.

وأوضح البدر أن وزارة الصحة تعمل بما هو متاح ولكنها تواجه أزمة حقيقية في قلة التخصيصات المالية في موازنة 2019، وأنها أجرت مناقلات وإجراءات مالية أخرى للاهتمام بشريحة ذوي الأمراض المزمنة وإيجاد الحلول اللازمة لهم، وعلى رأسهم مرضى الثلاسيميا.

ويرى مراقبون أن على الحكومة أن تمسك بالخيط الوطيد الذي يفصل الحياة عن الموت في إنقاذ ما تبقى من شعب العراق، وأن تحصنهم من مرض الثلاسيميا وغيره من الأمراض، وإنه من المخجل والمشين في بلد كالعراق غني بثرواته وكوادره الطبية أن يقف متفرجًا عاجزًا أمام مرض يكاد يأخذ الآلاف من الأرواح كل عام.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات