الأحد 13 أكتوبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أزمات الاقتصاد العراقي »

معامل العراق وصناعته الوطنية.. تدمير متعمد ومصير مجهول

معامل العراق وصناعته الوطنية.. تدمير متعمد ومصير مجهول

رغم ثرواته النفطية الهائلة ووفرة أراضيه الزراعية وتوفر كوادر وأياد عاملة، إلا أن العراق يعاني أزمة من أشد الأزمات الاقتصادية، ويعيش الشباب بين البطالة وعدم استقرار الوضع الأمني كمن يحمي نفسه حتى لا يموت، و قد يموت لأنه لا يجد سبيلًا للعيش، وساء الوضع أكثر مع تنامي ظاهرة إغلاق المعامل لا سيما في العاصمة بغداد وآخرها الحديث عن إغلاق مئتي معمل وتسريح عامليها، والتراجع الكارثي للصناعة الوطنية والمصنوع المحلي الذي كان يعد منذ عقود الأفضل دائمًا.

لكنّ أثر الحروب العبثية وما تلاها من تعرض للغزو الأمريكي عام 2003 وتفشي ظاهرة الفساد والتهريب وغيرها وتوقفت على إثرها أغلب معامل البلاد تباعًا وصار الآلاف من العاملين بدون وظيفة، وفي هذا التقرير سنبحث عن الأسباب والمسببات التي تواجه الصناعة العراقية وبعض الحلول العملية لإنشاء دولة صناعية كانت منذ عقود نموذجًا يقتدى به.

لمحة عن تاريخ الصناعة العراقية

“أثر الحروب العبثية وما تلاها من تعرض للغزو الأمريكي عام 2003 وتفشي ظاهرة الفساد والتهريب وغيرها وتوقفت على إثرها أغلب معامل البلاد”

تشير إحصاءات رسمية إلى أن العراق كان بحوزته قبل سنة 2003 نحو 178 ألف مصنع، بين حكومي تابع لوزارة الصناعة والمعادن والتصنيع العسكري، وآخر تابع للقطاعين المختلط والخاص بلغت نسبة مساهمتها بدعم الناتج الوطني إلى نحو 16 في المئة حتى نهاية عام 2002، فضلاً عن تشغيل مئات ألوف الموظفين، لكن الهلاك أصاب معظم القطاعات بعد 2003 و أبرزها صناعة الأدوية والسكر والزيوت والجرارات الزراعية والجلود والحديد والشمع والبلاستيك، الأمر الذي أدى إلى تفاقم نسب العاطلين عن العمل وتراجع الاقتصاد العراقي.

وشغل هذا الموضوع عديدًا من الخبراء والحريصين على مستقبل العراق لأنه يعد مؤشرًا خطيرًا لانسحاب الصناعة من السوق، وهو ما جعل الحكومة أمام خيار واحد لا غير وهو التوريد الذي أتعب كاهل ميزانية الدولة،  وأوضح مثال على ذلك أنه خلال سنة 2014 استوردت الحكومة الحديد بقيمة 1.4 مليار دولار فيما كان المصنع الموجود بجنوب البصرة ينتج قبل سنوات قرابة مليون طن سنويًا ويعد من أفضل أنواع الحديد.

وشهد القطاع الصناعي تراجعًا تدريجيًا وشبه كلي بعد عام 2003 نتيجة عوامل كان أبرزها عدم استقرار الأمور الأمنية للبلاد وانهيار منظومة الكهرباء وتفشي الفساد المالي والإداري، ما أدى بالقطاع إلى تراجع نسبة مساهمته في الناتج الإجمالي الوطني لتكون 1.5 في المئة وتسبب ذلك بانقطاع أكثر من 630 ألف موظف عن العمل.

سياسة الباب المفتوح

وتحدث المسؤول الإداري السابق في وزارة الصناعة والمعادن (محمد كمال) لوكالة “يقين” عن وجود 52 شركة خاسرة من أصل 76 تابعة للوزارة كانت تتمتع بمنح من الحكومة لتسديد رواتب موظفيها أو تشغيل مصانعها جزئياً، إلا أن ذلك لا يفي بالحاجة ما تسبب بخلق مصانع غير منتجة بل غير قادرة على منافسة البضائع المستوردة.

“العراق كان بحوزته قبل سنة 2003 نحو 178 ألف مصنع، بين حكومي تابع لوزارة الصناعة والمعادن والتصنيع العسكري

وعن أسباب ذلك يقول كمال: إن عوامل أخرى ساهمت في انهيار الصناعة العراقية بعد سياسة الباب المفتوح على صعيد التجارة الخارجية، وما انجرّ على ذلك من إغراق السوق العراقية بالسلع من مختلف دول العالم وأحيانًا من مناشئ غير معروفة دون أن تتم حماية الإنتاج المحلي أو المستهلك العراقي، وهو ما أدى إلى احتضار الصناعة بمختلف قطاعاتها، ويضيف: “هناك معدات حديثة نقلت من عدد كبير من المصانع إلى إيران وبيعت هناك بأرخص الأثمان، وهي بذلك فتحت الباب للاستيراد”.

وعن مرحلة ما بعد 2003 عمومًا أكد كمال على أن السنوات الخمسة عشر الماضية هي الأسوأ على قطاع الصناعة العراقية، بسبب غياب الدعم الحكومي لها وعدم قدرتها على مواجهة المستورد بسبب تميزه وانخفاض أسعاره، وهذا ما انعكس سلباً على القطاع الصناعي الذي بات هزيلًا  وأدى إلى تسريح  العمال والكادر الإداري الصناعي.

إغلاق المعامل.. أسباب وأرقام

حسب إحصائيات حكومية فإنه تم إغلاق ما يقارب 91 ألف معمل حكومي وخاص، بينما يوجد نحو 30 ألف معمل مهدد بالإغلاق خلال سنة  2015 فقط، وتزامن ذلك  مع  غياب الدعم الحكومي لها، وعدم قدرتها على مواجهة المستورد.

وفي هذا السياق قال الخبير الصناعي (محمود المشايخي) في حديثه لوكالة “يقين” إن الحكومات المتعاقبة ما بعد 2003 كانت وبالًا على الصناعة العراقية ومدمرة لها، وفتحت الأبواب أمام المستورد وأضعفت المنتج الوطني، ولم تكن عونًا له في الحد من المستورد أو على الأقل موازنة المحلي مع المستورد، متهمًا الأحزاب المتنفذة وسماسرتها وتجارها بتدمير الصناعة من خلال استيرادهم البضائع، وتسهيل دخولها العراق، حتى أصبحت السوق العراقية فائضة، ولا سيما المنتجات الإيرانية.

“عوامل أخرى ساهمت في انهيار الصناعة العراقية بعد سياسة الباب المفتوح على صعيد التجارة الخارجية”

وأكد المشايخي على أن وزارة الصناعة تحمل اليوم تركة ثقيلة سببها عدم اهتمام الحكومات والبرلمانات المتعاقبة بالصناعة العراقية بشكل طموح وفعال، ما نتج عنه 52 شركة خاسرة، من مجموع 76 شركة تابعة للوزارة.

كما ألقى الخبير الصناعي في تصريحه للوكالة باللائمة على العمليات العسكرية الأخيرة في عدد من المحافظات العراقية، والتي أدت إلى غلق عدد من الحدود، ما نتج عنه كساد وضعف في استيراد عدد من البضائع من قبل المستورد والتاجر العراقي، الذي تكبد خسائر كبيرة هو الآخر.

ويقول (أبو علي 39 عامًا) أحد العاملين المسرحين من أحد معامل الأحذية في منطقة الشورجة وسط بغداد لوكالة “يقين”: تم تبليغنا فجأة بأن المعمل سيغلق بعد شهر من الآن، وقع الأمر عليّ كالصاعقة، فعملي فيه هو مصدر رزقي الوحيد، وقضيت هذا الشهر كأسوأ أيام حياتي، حتى جاء موعد الإغلاق وهو بداية شهر شباط 2019، ومنذ أسبوعين وأنا أبحث عن عمل”.

وعن سبب إغلاق المعمل، قال أبو علي: “أبلغنا صاحب المعمل أن السبب هو الركود الذي أصاب العمل بعد غزو السوق لمنتجات مشابهة مقابل رخص أثمان الأحذية المستوردة، وعدم وجود رقابة حكومية لدعم الناتج العراقي المحلي مقابل الناتج المستورد”.

تدمير مقصود!

إن من أهم أسباب فشل قطاع الصناعة الوطنية هو دور الاحتلال الذي دمر البنى التحتية للقطاع الصناعي، وبالأخص المنشآت العملاقة والمصانع الكبيرة بل وحتى المصانع المتوسطة والصغيرة، هكذا يعتقد الموظف المتقاعد في التصنيع العسكري العراقي السابق (عباس القيسي) في حديثه لوكالة “يقين”.

ويضيف القيسي قائلًا “وكذلك دمر ما يسمى بهيئة التصنيع العسكري التي كان من الممكن تحويل مصانعها من الصناعة العسكرية إلى الصناعة المدنية و العامة وسبب هذا التدمير الذي قامت به قوات الاحتلال هو لتحقيق أهداف سياسية مرسومة من قبل الدول الكبرى وجعل العراق وصناعته الوطنية ضعيفة وتابعة لهم وبحاجة لمنتوجاتهم وبضائعهم وشركاتهم، وخلال خمسة عشر عامًا بعد الاحتلال وحتى الآن لم نجد خطة أو دراسة أو بوادر لإنعاش الصناعة الوطنية من قبل صناع القرار العراقي”.

“من أهم أسباب فشل قطاع الصناعة الوطنية هو دور الاحتلال الذي دمر البنى التحتية للقطاع الصناعي”

ويشير إلى أن كل تلك الأسباب وغيرها مقصودة لنشر البطالة بين الشباب العراقي واستثمارهم في غايات سياسية رأيناها من خلال تسخير طاقات الشباب للأمور السلبية من حمل السلاح الميليشياوي أو الفكر المتطرف أو غيره، حتى صار القتل وظيفة من لا وظيفة له، ومن نجا بنفسه فإن الحال ألقى به عاطلًا عن العمل يستجدي على الأرصفة، ومن يريد حفظ ماء وجهه ويده فإنه يكافح على لقمة الحلال حتى الآن.

من جانبه أشار الخبير الاقتصادي باسم انطوان في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن هدف الصناعيين ما بعد عام 2003 كان إعادة الحياة للمعامل وتهيئتها لاستيعاب الأيدي العاملة من ذوي الكفاءات وتفعيل دورها في تقليل ظاهرتي الفقر والبطالة، إذ إن 20% من سكان البلد دون خط الفقر.

ويشير أنطوان إلى أن هؤلاء الصناعيين أصابتهم خيبة أمل عند اكتشافهم عجز الوضع الجديد عن النهوض بالمصانع، لمنافسة نتائج الضربة القاسية التي وجهها الحاكم الأمريكي (برايمر) آنذاك حين أمر بفتح الأبواب على مصراعيها للبضائع الأجنبية وبرسم جمركي بسيط يصل إلى 5% ورفعه للتعرفة الجمركية على الإنتاج المحلي، موضحًا أن هذا جاء بدلًا من دعمهم وتقديم القروض وتعمير المدن الصناعية وبناء منشآت صناعية جديدة.

حلول من خبراء

ودعا أنطوان، إلى ضرورة تهيئة النمو الصناعي لخلق بيئة ملائمة للإنتاج، إلى جانب دعم القطاع الخاص بعدة أمور منها قروض ميسرة وطاقة كهربائية ما لا تقل عن اثنتي عشرة ساعة يوميًا، مشددًا على ضرورة إحكام التقييس والسيطرة النوعية على السلع والبضائع التي تدخل البلد، وخصخصة بعض مصانع القطاع العام أو شراء أصحاب رؤوس الأموال لبعض أسهمه للنهوض به إلى المستوى المطلوب.

“هدف الصناعيين ما بعد عام 2003 كان إعادة الحياة للمعامل وتهيئتها لاستيعاب الأيدي العاملة من ذوي الكفاءات”

ويتابع الخبير الاقتصادي حديثه قائلًا: “لو أردنا بناء صناعة وطنية نموذجية و محترمة و أن نكون  دولة صناعية و ليست مستهلكة علينا انتقاء أحسن الكفاءات العملية وأصحاب الخبرة الطويلة في المجال الصناعي وتكليفها بالمناصب الإدارية، كما على الحكومة و المسؤولين الاهتمام بوضع خطط تنموية على أساس علمي سليم للنهوض بالقطاع الصناعي، والعمل فعليًا لإعادة تأهيل المنشآت والمعامل الحكومية وتدريب العاطلين عن العمل من خلال إقامة دورات تأهيلية لهم والعمل على القضاء على جميع حلقات الفساد الإداري في الدولة”.

وأكد أنطوان في ختام حديثه على السعي إلى دعم القطاع الخاص والتعامل معه كشريك وليس كمنافس وتقديم الدعم والتسهيلات العلمية والفنية والمالية له، ووضع خطط استثمارية حقيقية لجميع محافظات العراق، وغيرها الكثير، لو كانت هناك إرادة وطنية حقيقية للتغيير لدى الحكومة ومسؤوليها.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات