الخُلاصَةتقاريرحكومة عبدالمهدي العرجاء

لو صدق البرلمان على قانون انسحاب الأمريكان.. كيف ستتعامل واشنطن؟

تقرير – العراق

تعكف بعض الكتل السياسية في العراق على صياغة مشروع قانون في البرلمان لإخراج القوات الأمريكية من العراق بعد انتهاء العمليات العسكرية ضد مقاتلي تنظيم الدولة (داعش)، وتأتي هذه الدعوات في ظل خلافات سياسية بينية بين الكتل السياسية وداخل الكتل ذاتها من مغبة انسحاب مفاجئ للقوات الأمريكية وتأثير ذلك على الأمن العام في البلاد.

تكهنات وتساؤلات عدة تطرح عن إمكانية البرلمان في التصويت على قانون يجبر القوات الأمريكية على الانسحاب، إضافة إلى الموقف الأمريكي من ذلك القانون فيما لو مرره مجلس النواب.

دعوات للانسحاب الأمريكي

“تحاول كتل سياسية عراقية مقربة من إيران، استثمار إعلان الرئيس الأمريكي “دونالد ترمب” المفاجئ سحب قواته من سوريا، لتجديد المطالبة بجدولة انسحاب القوات الأجنبية”

في الـ 25 من كانون الثاني/ يناير الماضي، قدم زعيم كتلة سائرون البرلمانية “مقتدى الصدر” مشروع قانون لإخراج القوات الأمريكية من العراق، كما هدد زعيم مليشيا عصائب أهل الحق المدعومة من إيران “قيس الخزعلي” تلك القوات في الـ 28 من ذات الشهر ذاته، محذرًا من استهداف تلك القوات في حال عدم خروجها.

من جهته حذر نائب رئيس الوزراء السابق “بهاء الأعرجي” في حديثه لإحدى وسائل الإعلام المحلية من خلافات سياسية بسبب تواجد القوات الأمريكية في العراق، لافتًا إلى مطالبات بعض الكتل السياسيَّة ببقاء القوات الأمريكية في العراق ومطالبات أخرى مغايرة بضرورة إخراجها ستكون نقطة الارتكاز في الخلافات السياسيّة المُرتقبة بين بعض الكتل ورئيس الوزراء الحالي “عادل عبد المهدي”.

وأضاف الأعرجي قائلًا: “إن على الجميع أن يتيقن ضرورة دراسة معايير مثل هذه القرارات الإستراتيجيّة واعتماد معايير وطنية لا عاطفية أو خارجية، وذلك بعد دراسة إمكانية البلد وخاصةً من الناحية الأمنية والظروف التي تعيشها المنطقة عموماً”، بحسبه.

وتحاول كتل سياسية عراقية مقربة من إيران، استثمار إعلان الرئيس الأمريكي “دونالد ترمب” المفاجئ سحب قواته من سوريا، لتجديد المطالبة بجدولة انسحاب القوات الأجنبية، وفي مقدمتها الأمريكية وسط مخاوف كتل سياسية أخرى من زيادة النفوذ الإيراني في حال انسحبت القوات الأمريكية بشكل نهائي من البلاد.

“المعلومات الأمنية تشير إلى أن عدد القوات الأمريكية ناهز الـ 9 آلاف جندي أمريكي”

أما النائب عن تحالف الفتح “عبد الأمير المياحي” أكد في حديثه لوكالة “يقين” على أن نواب الكتلة يعكفون حاليًا على تعديل مشروع قانون إخراج القوات الأجنبية وليس تحديد مهامها، بحسب ما أشيع في وسائل الإعلام، لافتاً إلى أن تحديد المهام يعني أن القوات ستبقى في العراق، ونحن نريد إخراجها نهائيًا.

وأضاف المياحي في حديثه لوكالتنا أن الاتفاقية الأمنية بين بغداد وواشنطن المبرمة عام 2011 تتضمن وجود قوات أمريكية للتدريب والاستشارة فقط ولا تتضمن وجود قوات قتالية في أي من بنودها.

من جهته قال النائب عن تحالف البناء “منصور البعيجي” الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق “حيدر العبادي” إن تحالفه سيصوت على قانون إخراج القوات الأجنبية من الأراضي العراقية في حال عرضه في جلسة البرلمان في الفصل التشريعي الحالي، مبينًا أن تواجد القوات الأمريكية في العراق يعد خرقًا للسيادة الوطنية وغير مرحب بها على الأراضي العراقية.

وأشار البعيجي في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن تواجد القوات الأمريكية يعد مشكلة كبيرة في البلاد، إذ إنه لا أحد يعلم العدد الحقيقي لتلك القوات، مبينًا أن آخر المعلومات الأمنية تشير إلى أن عدد القوات الأمريكية ناهز الـ 9 آلاف جندي أمريكي، قبيل قرار الرئيس الأمريكي “دونالد ترمب” الانسحاب من سوريا.

رفض الانسحاب

وعلى الرغم من دعوة بعض الكتل لرحيل القوات الأمريكية عن العراق وسعيها لسنّ قانون في البرلمان لأجل ذلك، إلا أن أطرافا أخرى تقف بالضد من ذلك، إذ يقول النائب عن التحالف الكردستاني “ريناس جانو” في حديثه لوكالة “يقين” إن موقف الأكراد تجاه القوات الأمريكية واضح جدا.

“تواجد القوات الأمريكية يعد مشكلة كبيرة في البلاد، إذ إنه لا أحد يعلم العدد الحقيقي لتلك القوات”

وتابع قائلًا: “نحن في التحالف الكردستاني نعتقد أن العراق بحاجة للقوات الدولية على أراضيه، وأن الوقت غير مناسب لرحيل هذه القوات، سواء على المستوى الأمني الداخلي في العراق، أو لجهة التدخلات الإقليمية في الشؤون الداخلية في البلاد”.

وأضاف جانو أنه وعلى الرغم من أن الاكراد لن يصوتوا على ذلك القرار، إلا أنه يمكن أن يمرر في البرلمان في حال عرضه، خاصة اذا ما اتفقت الكتل الكبيرة التي يمكن لها أن تجمع أغلبية برلمانية، بحسبه.

صعوبات تواجه إقرار القانون

تشي التصريحات الصحفية لساسة المنطقة الخضراء بانقسام كبير وبيني فيما يخص مشروع القرار المرتقب القاضي بإخراج القوات الأمريكية من العراق، وفي هذا الصدد يقول الخبير الأمني والإستراتيجي “هشام الهاشمي” في حديثه لوكالة “يقين” إن صعوبات كبيرة تعتري إقرار مشروع قانون إخراج القوات الأجنبية من العراق لحاجته إلى توافق سياسي بين القوى الأساسية في البرلمان.

“القوات الأمريكية لن تنسجب من العراق حتى لو صوت البرلمان على قرار إخراجها”

وأوضح الهاشمي وضاوضحبيبلأن موقف غالبية النواب السنة والكرد والأقليات يتجه نحو بقاء القوات الأمريكية بكل تفاصيلها وعدتها وعتادها لأجل غير مسمى، فيما تنقسم القوى الشيعية إلى ثلاثة محاور.

وكشف الهاشمي أن القوى الشيعية تنقسم إلى عدة محاور، أولها يرى ضرورة إخراج كل القوات الأجنبية من العراق ومن ضمن هؤلاء بعض نواب كتلة سائرون والفتح، فيما يتجه المحور الثاني إلى تقليص عدد القوات الأمريكية دون المساس بدورها القتالي في العراق، أما المحور الآخر فيرى ضرورة إخراج القوات الأمريكية حصراً مع أدوارها وهؤلاء هم نواب كتلة صادقون، الممثل السياسي لعصائب أهل الحق وبعض نواب كتلة الفتح، لافتًا إلى أن هذه المحاور الثلاثة تجعل من الصعوبة بمكان الاتفاق على صيغة نهائية لمشروع القرار.

وفي ختام حديثه لوكالتنا، أشار الهاشمي إلى أنه حتى لو أقر البرلمان قانونًا يجبر القوات الأمريكية على الانسحاب، فإن ذلك لا يعني خروجها في المدى القصير، إذ إن القانون في حال إقراره فإنه سيقدم للحكومة التي عليها أن تصدر تعليمات بهذا الخصوص، وهذا ما يتطلب وقتًا كبيرًا قد يمتد لسنوات، منوهًا إلى أن قانون الحشد الشعبي المقر عام 2016 لم تسن له تعليمات حتى اللحظة.

كيف ستتصرف واشنطن؟

تساؤلات عدة تطرح عن الكيفية التي ستتصرف بها واشنطن في حال إقرار البرلمان العراقي مشروع قرار يقضي بخروجها، وفي هذا الصدد، ذكرت صحيفة “ناشيونال إنترست” أن انسحاب القوات الأمريكية من العراق سيكون كارثياً على البلد الذي ما زال يشهد خروقات أمنية من تنظيم الدولة (داعش) إضافة إلى تغلغل إيراني كبير لا سابق له، فضلًا عن أن الانسحاب سيكون كارثياً على الشرق الأوسط الذي ما يزال يعاني من غياب الاستقرار.

الميليشيات أضعف من أن تكون لها جرأة على ضرب القوات الأمريكية لإدراكها المسبق أن العواقب ستكون وخيمة جدًا”

ويعتقد الباحث في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي “كريستوفر برودسكي” في مقال له بصحيفة “ناشيونال انترست” أن هناك أهمية كبيرة لبقاء القوات الأمريكية في العراق، إذ يعزو ذلك إلى عدة أسباب من أهمها أن العراق وعلى الرغم من تدميره ما يعرف بتنظيم الدولة (داعش)، إلا أن التقارير الاستخباراتية تشير إلى أن التنظيم أبعد ما يكون عن الهزيمة، حيث لا تزال هناك قوة قتالية لدى التنظيم منتشرة في عديد من المناطق بين العراق وسوريا، بالإضافة إلى شبكات الدعم العالمي للتنظيم، بحسب الباحث.

ويضيف أن على إدارة ترمب أن تدرك أن إستراتيجية مكافحة إيران في الشرق الأوسط ستشهد انتكاسة كبيرة في حال انسحاب القوات الأمريكية من العراق، إذ إن ذلك سيسمح لوكلاء إيران بالتحرك بحرية في كل من العراق وسوريا.

من جهته يؤكد الأكاديمي وأستاذ العلوم السياسية “محمد عزيز” في حديثه لوكالة “يقين” على أن القوات الأمريكية لن تنسجب من العراق حتى لو صوت البرلمان على قرار إخراجها، مرجعًا ذلك إلى أن واشنطن تعد العراق الجبهة الأمامية للمواجهة مع إيران ومركزًا متقدمًا لجمع المعلومات الاستخباراتية عنها.

وعن تهديد بعض الفصائل المسلحة الشيعية بضرب القوات الأمريكية في حال عدم انسحابها، أكد عزيز على أن تلك الميليشيات أضعف من أن تكون لها جرأة على ضرب القوات الأمريكية لإدراكها المسبق أن العواقب ستكون وخيمة جدًا.

“جميع المعلومات والتحليلات تشير إلى احتمالية اندلاع صراع شيعي– شيعي، وهو الأمر الذي ستعمل واشنطن على تذكيته”

ويتساءل العراقيون عن كيفية التحرك الأمريكي المستقبلي في حال إقرار البرلمان مشروع إخراج قواتها، وفي هذا السياق، أشار عزيز إلى أن الكتل الشيعية تشهد خلافات سياسية وأمنية كبيرة فيما بينها وأن هذه الكتل والفصائل المسلحة الميليشياوية والتي يزيد عددها عن الـ 50 فصيلًا، أبعد ما تكون عن التوافق، ولكل منها مصلحته، لافتًا إلى أن اعتقال مديرية أمن الحشد لقائد كتائب أبو الفضل العباس “أوس الخفاجي” قبل نحو شهر من الآن لهو خير دليل على تفرق هذه الفصائل وتشرذمها.

ولفت عزيز إلى أن جميع المعلومات والتحليلات تشير إلى احتمالية اندلاع صراع شيعي– شيعي، وهو الأمر الذي ستعمل واشنطن على تذكيته في حال أقر البرلمان مثل هكذا قرار، وبالتالي فإن القوات الأمريكية باقية في العراق إلى أجل غير مسمى.

واختتم عزيز حديثه لوكالة “يقين” بالقول: “الكل يدرك أن الولايات المتحدة كان لها دور كبير في القضاء على مسلحي تنظيم الدولة (داعش) في العراق، وفي ظل وجود آلاف المقاتلين والخلايا النائمة في المدن والصحارى، فمن غير المستبعد أن ترفع الولايات المتحدة الغطاء العسكري عن القوات الأمنية، وبالتالي هناك إمكانية لعودة أولئك المسلحين للسيطرة على بعض المدن والقصبات، إذ إن القدرات الأمنية واللوجستية للأجهزة الامنية لا تزال بعيدة عن القوة والاحترافية”.

وما بين صراع داخل البرلمان لأجل تشريع قانون يقضي بإجبار القوات الأمريكية على الانسحاب من العراق، يترقب العراقيون ما ستؤول إليه أوضاع البلاد في الأسابيع القادمة.

يعني ذلك- بحسب الكاتب- أن على إدارة ترمب أن تعيد تقييم سياستها في العراق والالتزام بعلاقات ثنائية قوية حتى لا يتم إخراج تلك القوات وما يعنيه ذلك بالنسبة لاستقرار العراق أو حتى الشرق الأوسط.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق