لم يكن العراقيون يعرفون الطائفية بشكلها الحالي ما قبل الاحتلال الأمريكي للبلاد عام 2003، ولا يمكن لأحد أن ينكر أن الطائفية لم تكن موجودة قبل الاحتلال، فهي موجودة عبر التاريخ، ولكنها تتخذ صورًا وأشكالًا شتى، وبشكل خفي ومحمود أحيانًا، ولكن الاحتلال زرع صورتها الخبيثة في العراق وأكثرها دموية، ثم غذّاها السياسيون لمواصلة هيمنتهم على البلد وثرواته.

زرع الاحتلال للطائفية الجديدة

“مع تقادم الزمن وتبادل رؤساء مجلس الحكم الأدوار في إدارته، بينما كان الحاكم الفعلي هو (بول بريمر)؛ بدأت شعبية السياسيين في تناقص”

وفي حديثه لوكالة يقين يرى الباحث السياسي (محمد الطائي)، أن “العراقيين كانوا مجمعين على الوحدة منذ الأيام الأولى للاحتلال، وكان يظن الاحتلال الأمريكي أن الطائفية متجذرة في المجتمع، وتحتاج إلى من يوقد شرارتها ليجعلها تلتهب، وحاول مرارًا وتكرارًا استهداف البنية المجتمعية، وفتح باب الطائفية، لكنّ العراقيين لم يكونوا يعرفونها أصلًا، أو داسوا على جراحات الماضي في سبيل الوحدة”.

ويضيف، “لهذا لجأ الاحتلال الأمريكي إلى الطبقة السياسية التي كانت مهيأة أصلًا للطائفية، بل هي الورقة الرابحة الأكبر في يدها لاستغلالها في تثبيت دعائم حكمها، وبدأ الاحتلال يرسم ملامحها لدى الطبقة السياسية التي بدأت بالحكم ما بعد 2003، لتتحول الطائفية إلى ظاهرة سياسية رسمية زرعها الاحتلال الأمريكي من خلال توزيع المناصب وفق مبدأ المحاصصة منذ تأسيسه لمجلس الحكم في تموز 2003، لكن أثر ذلك ظل محدودًا لفترة من الزمن بالنخب السياسية ولم تشهد امتدادًا اجتماعيًّا مباشرًا”.

الطائفية أداة السياسيين المُثلى للتمكين

وأشار الطائي إلى أنه “مع تقادم الزمن وتبادل رؤساء مجلس الحكم الأدوار في إدارته، بينما كان الحاكم الفعلي هو (بول بريمر)؛ بدأت شعبية السياسيين في تناقص، وبدا من الصعب عليهم الاستمرار حتى النهاية في إدارة العراق، وهم الذين خططوا خارج العراق قبل 2003 للإطاحة بالنظام السابق بحجة معارضتهم له، لم يجدوا موطئًا أو ترحيبًا بهم لدى العراقيين سنتهم وشيعتهم، وباتت عبارة العراقيين الشهيرة (لا نثق بمن جاء على ظهر الدبابة الأمريكية) على كل لسان، وأصبحت شائعة حتى اليوم بعد مضي 15 عامًا على الاحتلال”.

“بالرغم من استفحال الاستخدام السياسي للطائفية في العراق، إلاّ أنها ليست حالة محلية صرفة”

وتابع قائلًا: “بعدها لجأ السياسيون وبتخطيط أمريكي إلى زرع الطائفية الجديدة وإحيائها في نفوس العراقيين، بين السنة والشيعة من جهة مستخدمين اللعب على الوتر الديني الطائفي، وبين العرب والكرد من جهة أخرى مستخدمين اللعب على الوتر القومي، وبدأ سياسيو الشيعة يغذون نظرية المظلومية لدى المجتمع الشيعي ويزرعونها في أذهان الجيل الناشئ، مستخدمين المنابر السياسية في مقار الأحزاب والتجمعات، والمنابر الحسينية في الحسينيات والمناسبات الدينية، وبدؤوا بفتح الأبواب وتسهيل المآتم الشيعية وتنظيم الطقوس من خلال حملات الاحتفاء أو الاحتفال بوفاة أو مواليد الأئمة الاثني عشر المقدسين، وكل ذلك بتخطيط أمريكي ودعم إيراني توسع شيئًا فشيئًا ليهيمن هو الآخر حتى على التخطيط الأمريكي”.

الطائفية الدموية

“انتقل العراق بعدها تدريجيًا من هويته وخيمته الوطنية الحاضنة للجميع إلى الهوية الضيقة المتمثلة بالطائفة والعشيرة والمذهب”

ويرى الباحث في الشأن العراقي (عبدالله النجم) في حديثه لوكالة “يقين”، أنه “بالرغم من استفحال الاستخدام السياسي للطائفية في العراق، إلاّ أنها ليست حالة محلية صرفة، بل إنها جزء من حالة أكبر وأوسع بكثير يكاد يشمل جميع المنطقة، وبدأت بوادرها الواضحة والمدفوعة بعمق منذ أيام ما يعرف بالثورة الإسلامية في إيران عام 1979 والتي رسمت أولى خطوات مفاهيم التشيع السياسي في المنطقة لا سيما من خلال أذرع وامتدادات فكرية، ثم تعززت الظاهرة الطائفية من خلال زرع الجماعات المتطرفة، والتي قدمت تصورًا عنيفًا قائمًا على الطائفية مستخدمًا الوتر الديني والعقائدي منذ ثمانينات القرن الماضي في عموم المنطقة، وكان ظهوره أيضًا بدعم أمريكي من خلال التغذية والإمداد في بعض الأحيان”.

ويؤكد النجم، على أن “الاحتلال الأمريكي في العراق حوّل الطائفية إلى حالة مؤسسية راسخة لتدعيم أركانه وأركان عملائه، لجعلها تتحول شيئًا فشيئًا إلى طائفية دموية بعد أن تنامت اجتماعيات لمدة ثلاث سنوات منذ 2003 حتى عام 2006 وفي شهر شباط تحديدًا من هذا العام تفجرت الطائفية الدموية بعد تفجير مرقدي الإمامين العسكريين في مدينة سامراء، ليعم الخراب والقتل الطائفي في البلاد، والذي بدأ بحرق واستهداف مساجد المكون السني في العراق، بتخطيط أمريكي ودعم إيراني وتنفيذ على أيدي مسلحين مارقين يتبعون لأحزاب وفصائل طائفية”.

كيف أمات السياسيون المواطنة؟

وذكر الباحث في بحديثه للوكالة، أن “الاحتلال وأذنابه من السياسيين عملوا منذ 2003 على إماتة كل ما هو وطني في قلوب العراقيين، وبدأ ذلك واضحًا من خلال البدء بحل الجيش والشرطة والتشكيلات العسكرية العراقية الوطنية، وإذابة كل ما عمل نظام صدام على بنائه وتأسيسه كدولة لها نفوذها وسيادتها، وأدت تلك الخطوات إلى تراجع المواطنة والحس الوطني في العراق، ليحل محله الانتماء إلى الطائفة أو العرق أو القومية وما شابه ذلك، وانتقل العراق بعدها تدريجيًا من هويته وخيمته الوطنية الحاضنة للجميع إلى الهوية الضيقة المتمثلة بالطائفة والعشيرة والمذهب، وبدأ الصراع بينها بين تلك المشارب، حتى تصفو الساحة للسياسيين ويحصدون أكبر قدر من المكاسب”.

“الاحتلال وأذنابه من السياسيين عملوا منذ 2003 على إماتة كل ما هو وطني في قلوب العراقيين”

ويرى النجم، أن “الاحتلال الأمريكي ارتكب خطيئة كبرى بسنه قانون اجتثاث البعث وبمباركة من الأحزاب في السلطة حينها، بمعنى تطهير أو تصفية كل  شخص له علاقة بحزب البعث، وبدأت بعدها الملاحقات والعداوات والتصفيات لشخصيات وطنية ساهمت لسنوات ببناء مؤسسات الدولة العراقية بحجة الانتماء إلى حزب البعث، وطُبق ذلك القانون -في الغالب- على المكون السني، فيما استُثنيت منه كثير من القيادات الشيعية التي كانت ضمن صفوف حزب البعث، الأمر الذي أدى إلى ترسيخ الطائفية أعمق من ذي قبل بكثير”.

الطائفية في انحسار

وبحسب تقرير لمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، فإن “الطائفية السياسية في العراق أصبحت أقل جاذبية وتأثيرًا في المرحلة التالية بسبب انتهاء تنظيم الدولة (داعش)؛ ففي الانتخابات العامة، في أيار 2018، تراجع دور وهيمنة القوى الطائفية في قيادة العملية الانتخابية ومزاج الناخب، وتشظَّت القوائم الانتخابية الشيعية والسُنيَّة والكردية ومن ثم القوى الفائزة منها في قوائم مختلفة، وتوزعت لاحقًا بين تيارات تنازعت (الاستحقاقات) السياسية والمناصب، أو اتبعت قوى خارجية تجسدت في إيران من جانب والولايات المتحدة من جانب آخر، حتى إن الخلافات داخل الطائفة الواحدة بدت وكأنها تسير على وقع الخلاف الأميركي-الإيراني الذي تسبب للمرة الأولى منذ عام 2003 بفشل الدولتين في الاتفاق على شكل الحكومة العراقية وهويات أعضائها.

الطائفية السياسية في العراق أصبحت أقل جاذبية وتأثيرًا في المرحلة التالية”

ويشير التقرير إلى، أن “هذه الظاهرة توازت مع الاحتجاجات التي شهدتها مدن الجنوب العراقي ضد الحكومة بسبب نقص الخدمات وفشل الدولة في إدارة شؤون البلاد، وكان ذلك أيضًا تطورًا مهمًّا ولافتًا في آليات الاحتجاجات وفي خرق الحالة الطائفية التي استندت إليها قوى التشيع السياسي كأساس لشرعية سلطتها، وقد كانت مهاجمة المحتجين، لمقرات الأحزاب والميليشيات المرتبطة بإيران، بل ومهاجمة وحرق القنصلية الإيرانية ذاتها، كان كل ذلك مؤشرًا مهمًّا على أن حالة التحشيد الطائفي لم تكن فعالة في السيطرة على الانقسام الطائفي، وبالتالي بقاء الجماهير الشيعية في حالة اختباء خلف الأحزاب وميليشياتها التي قدمت نفسها كحامية للشيعة في “مواجهة البعث والتطرف والإرهاب”.

ويأمل قسم من العراقيين خيرًا بعودة الأمور إلى نصابها بعد انفتاح العراق حاليًا على محيطه العربي والدولي، وانحسار النفوذ الإيراني ولو بجوانب محدودة جدًا مع الضغط الأمريكي من خلال العقوبات المفروضة على طهران، إلاّ أن قسمًا آخر كبيرًا من الشعب يرى الصورة المغايرة لذلك.