الجمعة 06 ديسمبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » الخدمات.. حلم يفتقده العراقيون »

الموصل.. السيول تكشف مدى فساد المؤسسات الخدمية

الموصل.. السيول تكشف مدى فساد المؤسسات الخدمية

شهدت الموصل هذا الأسبوع هطول كميات كبيرة من الأمطار، أمطار رافقتها كوارث كبيرة حلت بالمدينة، ولعل أبرزها انهيار جسرين في المدينة، لتكشف تلك الأمطار ما حاول مسؤولو المدينة إخفاءه من فساد مالي كبير يعتري المشاريع الخدمية في المدينة.

أمطار تكشف الفساد

“مياه الأمطار والسيول جرفت الأوساخ المنتشرة في الشوارع إلى أقنية المجاري ما تسبب بإغلاقها وعدم تصريفها للمياه بالوجه الصحيح”

أم الربيعين أو الموصل، والتي طالما عرفت بتكرار الربيع فيها مرتين نظرًا لاعتدال مناخها، شهدت يومي السبت والأحد الماضي أمطارًا متواصلة استمرت قرابة الـ 40 ساعة، أمطار شلت حركة المرور في المدينة، ومنعت الأهالي من الخروج من مساكنهم مع تقاطع غالبية طرق المدينة وفيضانها، فضلًا عن تضرر جسرين في المدينة.

“أبو أحمد” رجل من سكان منطقة المأمون في الجانب الأيمن (الغربي) لمدينة الموصل، يقول في حديثه لوكالة “يقين” إنه في تمام الساعة الواحدة ليلًا من فجر يوم الأحد، وبينما كان نائمًا هو وعائلته، فوجئ بتيارات الماء تدخل بيته دون سابق إنذار، ما أجبره على ترك الطابق الأرضي في منزله والتوجه إلى السطح هربًا من المياه الآسنة التي دخلت بيته وأتلفت جل أثاث منزله.

ويضيف أبو أحمد أنه لولا تدخل فرق الدفاع المدني، لقضى هو وعائلته وطفلتاه الليل على السطح وتحت الأمطار، إذ كشف أبو أحمد عن أن شبكات تصريف مياه الأمطار في المدينة لم تستطع استيعاب كميات الأمطار الكبيرة التي تساقطت على المدينة، فضلًا عن أن غالبية الشبكات كانت قد تعرضت لأضرار أثناء الحرب، وعلى الرغم من إصلاحها، إلا أن ذلك الإصلاح يبدو أنه كان ظاهريًا فقط.

وفي هذا السياق يقول المهندس “عبد الواحد الشرفاني” من دائرة مجاري نينوى في حديثه لوكالة “يقين” إن كميات المياه المتساقطة على المدينة كانت كبيرة جدًا إلى الحد الذي لم تستطع فيه شبكات تصريف مياه الأمطار (المجاري) من استيعابها.

ويضيف الشرفاني أن ما زاد من الكارثة، أن مياه الأمطار والسيول جرفت الأوساخ المنتشرة في الشوارع إلى أقنية المجاري ما تسبب بإغلاقها وعدم تصريفها للمياه بالوجه الصحيح.

وعن تآكل شبكات تصريف المجاري في الموصل، أوضح الشرفاني أن دائرته عملت منذ استعادة المدينة من سيطرة مقاتلي تنظيم الدولة (داعش) على إصلاح جميع شبكات تصريف المياه في المدينة، وكان ذلك بدعم من المنظمات المحلية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، لافتًا إلى أن شبكات تصريف المياه في المدينة قديمة وصغيرة وصممت قبل نحو 40 سنة، إذ كان حجم المدينة السكاني وعدد الأحياء آنذاك 50% مما هو عليه الآن، وبالتالي فإن المدينة بحاجة إلى توسيع شبكات تصريف المياه، وهو ما لم تستطع الدائرة تنفيذه بسبب الميزانية المالية التي وصفها بالصفرية، على حد قوله.

الأمطار تدمر جسرين وشوارع

“شبكات تصريف المياه في المدينة قديمة وصغيرة وصممت قبل نحو 40 سنة”

أفاق الموصليون يوم الإثنين على كارثة حلت بالمدينة التي تعاني من دمار 90% من جسورها بسبب الحرب، إذ تسببت الأمطار بانهيار شبه كلي للجسر الحجري الذي يسبق الجسر الحديدي (القديم) الذي افتتح قبل عام من الآن بعد أن تم إعمار الجسرين من قبل شركة سعد العامة (حكومية) بدعم من البنك الدولي، إضافة إلى تضرر جزئي في جسر السويس الذي يربط بين وسط الجانب الأيسر (الشرقي) من الموصل وبين جزئها الشمالي.

وفي هذا الصدد يقول المهندس في مديرية طرق وجسور نينوى “فلاح عبد الله” في حديثه لوكالة “يقين” إن الأمطار الكبيرة والسيول الجارفة أدت إلى انهيار الجسر الحجري الذي يسبق الجسر الحديدي القديم بمسافة مائة متر.

ويضيف عبد الله أن كلا الجسرين تم إعمارهما من قبل شركة سعد العامة وافتتحا قبل عام من الآن تقريبًا، إلا أن شركة سعد العامة الحكومية كانت قد عمرت الجسر الحجري بما تبقى لديها من أموال من إعمار الجسر الحديدي، وأعلمت الشركة وزارة البلديات حينها بأنها أعادت إعمار الجسر الحجري، إلا أنها اكتشفت أن هناك تجويفًا (cavity) تحت أحد أركانه، وطالبت بمبلغ لأجل حقن التجويف ومنع انهيار الجسر، لافتًا إلى أن كلًا من الحكومة المحلية في نينوى ووزارة البلديات ماطلت بتحويل التمويل اللازم لأكثر من عام كامل، ما أدى إلى انهيار الجسر بسبب فساد المسؤولين.

من جانب آخر، يقول المهندس “أحمد إبراهيم” الذي يعمل في مديرية بلدية الموصل في حديثه لوكالة “يقين” إن جسر السويس الذي تعرض لانهيار جزئي في أحد خطيه، كان قد تعرض لقصف من قوات التحالف الدولي خلال عمليات استعادة الموصل عام 2016، مضيفًا أن مديرية البلدية لم يكن بإمكانها إعادة إعمار الجسر إلى وضعه السابق، وقامت فقط بمعالجات بسيطة للسماح بمرور العجلات عليه بسبب الاختناقات الكبيرة التي تشهدها الموصل.

“أفاق الموصليون يوم الإثنين على كارثة حلت بالمدينة التي تعاني من دمار 90% من جسورها بسبب الحرب”

وعن جهود الحكومة المحلية في إعادة إعمار الجسر بعد قرابة العامين على استعادة المدينة، أوضح إبراهيم أن الحكومة المحلية بعيدة جدًا عن هموم المواطنين وخدماتهم، وأنها لم تفعل أي شيء تجاه إعمار المجسرات الصغيرة التي لا تكلف كثيرًا من الأموال، لافتًا إلى أن جميع ما تم إعماره من جسور في نينوى لم يكن بجهود الحكومة المحلية، وإنما بدعم من المنظمات الدولية.

ليست الجسور وحدها من تضررت، إذ إن غالبية الطرق في المدينة تعرضت لأضرار كبيرة نتيجة تآكلها بسبب مياه الأمطار، إذ يقول أحد المواطنين من منطقة حي الزهور في الجانب الأيسر للموصل ويدعى “عمر صلاح” في حديثه لوكالة “يقين”، إن مياه الأمطار أكلت الطرق وحولتها إلى مزرعة للمطبات.

ويضيف صلاح أن غالبية هذه الطرق والمطبات كانت قد عالجتها مديرية البلدية الصيف الماضي، إلا أن فساد البلدية والتلاعب بخلطة الإسمنت والإسفلت حال دون مقاومتها للماء، مؤكدًا على أن ذات المطبات التي أصلحت قبل نحو عام من الآن، عادت مرة أخرى وبأحجام أكبر، لافتًا إلى أن مديرية بدلية الموصل ليس لها هم في هذه الأيام سوى جباية أجور النظافة، على الرغم من أن المدينة تعيش وسط تجميع كبير للنفايات في أحيائها وأزقتها وشوارعها الرئيسة.

فساد يزيد هموم المواطنين

فساد كبير لم يسبق له مثيل، بهذه العبارة أوضح الناشط الموصلي “وليد علي” حال مدينة الموصل، إذ يقول في حديثه لوكالة “يقين” إن ما سرق من محافظة نينوى خلال العامين الماضيين كان يكفي لإعادة إعمار جزء لا بأس به من الموصل.

وحمَّل علي حكومة نينوى المحلية ومحافظها “نوفل العاكوب” مسؤولية الانهيار الخدمي الكبير في مدينة الموصل، موضحًا أن المحافظ استولى على جميع ميزانية المحافظ، وأن تقرير لجنة تقصي الحقائق البرلمانية كشفت عن كوارث فساد مالية كبيرة في المدينة لم يسبق لها مثيل على الإطلاق.

“الحكومة المحلية بعيدة جدًا عن هموم المواطنين وخدماتهم، وأنها لم تفعل أي شيء تجاه إعمار المجسرات”

ولفت علي الذي يعمل في منظمة محلية إلى أن محافظ نينوى “نوفل العاكوب” منع جميع المنظمات المحلية والدولية من العمل بحرية داخل الموصل، ومنع تحرك الآليات إلا بكتاب موقع منه شخصيًا، وعزا علي ذلك إلى أن المحافظ يحاول ابتزاز المنظمات من أجل الحصول على كومسيونات من المشاريع التي تحيلها المنظمات ضمن برامج إعادة إعمار مدينة الموصل.

وأشار عضو في مجلس محافظة نينوى فضل عدم الكشف عن هويته لوكالة “يقين” لحساسية الأوضاع السياسية في الموصل إلا أنه لا أحد من أعضاء مجلس محافظة نينوى يستطيع الوقوف بوجه فساد محافظ نينوى “نوفل العاكوب” المدعوم من المكاتب الاقتصادية للحشد الشعبي، إذ إن الأخير يضغط على جميع أعضاء المجلس ويهددهم في حال تكلموا أو طالبوا باستقالته.

وأوضح عضو مجلس المحافظة أن فساد المحافظ الكبير وسرقته لميزانية المحافظة، جعلا منه رقمًا صعبًا في المعادلة السياسية في المدينة، إذ إنه بالرغم من مرور قرابة الأسبوع على صدور تقرير لجنة تقصي الحقائق، إلا أن المحافظ لا يزال في منصبه مدعومًا من قيادات بارزة في الحشد الشعبي.

وكشف المصدر عن أن زيارة القيادي البارز في الحشد الشعبي “أبو مهدي المهندس” قبل يومين للمدينة جاءت لدعم العاكوب وتثبيته في منصبه، في ظل دعم المحافظ الكبير لعمليات تهريب النفط التي تقودها ميليشيات الحشد جنوب مدينة الموصل وتحديدًا في منطقة القيارة.

نزوح عكسي!

“ما سرق من محافظة نينوى خلال العامين الماضيين كان يكفي لإعادة إعمار جزء لا بأس به من الموصل”

ويقول الخبير الأمني “حسن العبيدي” في حديثه لوكالة “يقين” إن سوء الخدمات في الموصل وتذبذب الوضع الأمني والفساد الكبير في جميع مؤسسات المحافظة، حدا بنحو ألفي عائلة موصلية إلى مغادرة الموصل خلال الشهور الستة الماضية متجهة إلى محافظات إقليم كردستان.

وأضاف العبيدي أن ذلك النزوح يأتي في خضم تصاعد عمليات الابتزاز والإتاوات التي تنفذها أجهزة أمنية وميليشيات للتجار والأطباء وأصحاب رؤوس الأموال، محذرًا الحكومة المركزية من مغبة عودة أوضاع الموصل إلى ما قبل حزيران/ يونيو 2014، وانفلات الأوضاع الأمنية في المدينة مرة أخرى.

وما بين فساد كبير كشفت عنه ساعات من الأمطار المتواصلة، يعيش الموصليون في ظل أوضاع خدمية سيئة بانتظار ما سيؤول عنه تقرير لجنة تقصي الحقائق البرلمانية، وإمكانية انفراجة سياسية في الموصل قد تحد من الفساد المستشري في المؤسسات الحكومية فيها.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات