تقاريرسرقة العراق

عقارات الدولة في بابل.. إحدى حلقات مسلسل الفساد في العراق

في ظل الضعف الحكومي بالعراق خلال الخمسة عشر سنة الأخيرة، وغياب مفهوم الدولة متكاملة الأركان؛ برزت ظواهر عديدة هددت وما زالت تهدد مصير البلد، وتبديد ثرواته الواحدة تلو الأخرى، وموضوع بيع أراضي الدولة إحدى حلقات مسلسل السرقات والفساد المتنامي، وفي هذا التقرير نسلط الضوء على ما يحدث في محافظة بابل من سرقة وتلاعب بأراضي وأملاك الدولة وبيعها بأثمان بخسة.

فساد في بلدية الحلة

وعما يحدث في محافظة بابل من بيع وتلاعب بأملاك الدولة، تحدث (ش. م) الموظف في دائرة بلدية الحلة لوكالة “يقين” والذي فضل عدم الكشف عن اسمه لحساسيّة الموضوع، قال: “بداية تختار البلدية من خلال موظفين متنفذين فيها وعلى رأسهم مدير البلدية السابق – المحكوم حاليا بالسجن بتهمة التلاعب بأراضي الدولة – الأراضي التابعة للدولة والخالية من رقابة مشددة عليها من قبل مؤسسات الدولة في بابل، والتي من الممكن تغيير جنسية الأرض فيها من تابعة للدولة ومؤسساتها إلى أرض استثمارية وعرضها للمناقصة، ومن ثم التلاعب بأوراقها وتغيير جنسيتها، وإن لم تستطع تغيير الجنسية إلى استثمارية يتم تحويلها من ملكية الدولة إلى اسم مواطن يتم الاتفاق معه مسبقًا، ومن ثم عرضها للمزايدة وبيعها بأثمان بخسة أقل من ثمنها بكثير، وكل ذلك يكون بالتنسيق بين البلدية والمستثمر أو المواطن الوسيط”.

ويضيف (ش. م)، “حدث ذلك بالفعل مع عدة أراضٍ كان أبرزها وما أثار جدلًا واسعًا أدى إلى تدخل هيئة النزاهة في الموضوع هو بيع أرض اتحاد الجمعيات الفلاحية في الحلة”.

قصة أرض الجمعيات الفلاحية في الحلة

أرض مقر الاتحاد العام للجمعيات الفلاحية والمزارعين في مدينة الحلة بمحافظة بابل أثارت جدلًا مؤخرًا، وأصبحت أيقونة للفساد والتلاعب بأراضي الدولة في المحافظة، وما يزال ملفها مفتوحًا حتى الآن.

“أرض مقر الاتحاد العام للجمعيات الفلاحية والمزارعين في مدينة الحلة بمحافظة بابل أثارت جدلًا مؤخرًا، وأصبحت أيقونة للفساد”

وبداية القصة يرويها لوكالة “يقين” الصحفي (حسين البابلي): “أقدم اتحاد الجمعيات الفلاحية وبتفاهم مع بلدية الحلة على هدم مقره الواقع في منطقة الجمعية بالحلة بسبب قدمه ليحوله إلى أرض جرداء، وبعد تحويل الأوراق بالتعاون مع بلدية الحلة وتغيير جنسية الأرض من ملك للدولة وتابعة لمقر الجمعيات الفلاحية إلى أرض استثمارية، وتم عرضها للمزايدة أمام الراغبين بالشراء، وبعدها رست المزايدة على مواطن مستثمر من محافظة المثنى ليشتريها بمبلغ ملياري دينار عراقي فقط، بينما سعرها الحقيقي يصل إلى 90 مليار دينار عراقي”.

ويؤكد البابلي على أن “هذا المستثمر جاء من السماوة وقام برشوة موظفي ومدير بلدية الحلة وكذلك المسؤولين في الجمعيات الفلاحية، لترسو المزايدة عليه وبهذا الثمن البخس، ليشتريها بملياري دينار عراقي فقط بينما تساوي الأرض نحو 90 مليارًا لكبر مساحتها وموقعها المميز وسط مدينة الحلة”.

ويضيف: “مجلس محافظة بابل نأى بنفسه عن التدخل في الموضوع ليكتفي بالقول إنه من اختصاص البلدية، كون أن هناك مستفيدين من الموضوع في مجلس المحافظة، وعلى إثر ذلك اللغط تدخلت هيئة النزاهة للتحقيق في الموضوع وأوقفت عملية البيع”.

رائحة الفساد تفوح والنزاهة تتدخل

في ظل الحديث المتنامي اليوم في العراق عن محاربة الفساد، وتشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الفساد، نشطت هيئة النزاهة العراقية في متابعة قضايا الفساد وتسليط الضوء عليها، ومن تلك الملفات تدخلها في إيقاف بيع أرض اتحاد الجمعيات الفلاحية في بابل وبعض الأراضي في الحي الصناعي بالمحافظة، وإحالة مدير بلدية الحلة السابق إلى التحقيق ومن ثم صدور حكم بسجنه بتهمة التلاعب بأراضي الدولة.

وأعلنت هيئة النزاهة عن ضبطها مجموعة موظفين في بلدية الحلة متلبسين بـ”تزوير” أوليات أرض عائدة للدولة، وتسجيلها “زورًا” باسم جهة أخرى، وقالت دائرة التحقيقات في الهيئة في بيان لها إن “مكتبها في محافظة بابل نفذ عمليَّة في بلديَّة الحلة، أسفرت عن ضبط مجموعة موظفين في أملاك البلدية؛ لتزويرهم أوليات قطعة أرضٍ عائدة بالأصل إلى دائرة بلديَّة الحلة”، لافتة إلى أنهم أقدموا “على تسجيلها زورًا باسم جهة أخرى بنيَّة الاستحواذ عليها لاحقًا”.

“موضوع بيع أرض اتحاد جمعيات الفلاحين ليس هو الأول والأخير، فهناك متنزهات وأرصفة ومدارس وأملاك أخرى جرى تغيير جنسيتها”

وأضافت الدائرة، أن “تحريات المكتب قادت إلى إقدام المتهمين على بيع قطعة الأرض بالمزايدة العلنية بمبلغ يقرب من ملياري دينار في وقت أن القيمة الحقيقية للأرض تزيد على أربعة مليارات دينارٍ”، مبينة أن “العملية قادت أيضًا إلى ضبط السجلات والكتب المزورة وجهاز (لابتوب) وختم الأملاك التابع لبلدية الحلة، فضلاً عن إضبارة العقار في دائرة التسجيل العقاري”.

وفي بداية هذا العام كشفت هيئة النزاهة عن تمكُّنها من إعادة ملكيَّة قطعة أرض تقع في مركز محافظة بابل إلى ملكية مديريَّة بلديَّات المحافظة، بعد أن تمَّ بيعها بمبلغٍ تصل نسبته إلى 10% فقط من قيمتها الحقيقية، وأشارت دائرة التحقيقات في الهيئة، بمعرض حديثها عن تفاصيل عمليَّة إعادة القطعة إلى “ورود معلوماتٍ تفيد بتسجيل القطعة الواقعة في مدينة الحلة البالغة مساحتها (1100م2) باسم إحدى المواطنات لإنشاء دار حضانة”، ولفتت إلى “قيام ملاكات مكتب تحقيق بابل التابع للهيئة بضبط أوليات عملية البيع كافة المتمثلة بأصل محاضر تقدير سعر القطعة، وكتاب ديوان المحافظة- مكتب المحافظ، وكتاب بلدية الحلة، ومذكرة تقدير اللجنة الأولى، ونسخة من معاملة القطعة؛ كون الأصل مرسلاً إلى وزارة الإعمار والإسكان والبلديات”.

وتابعت، أن “الإجراءات التحقيقية قادت إلى إعادة تسجيل قطعة الأرض باسم بلدية الحلة بعد قيام ديوان محافظة بابل ببيعها بمبلغ (165,000,000) مليون دينارٍ؛ إذ إن هذا المبلغ أقل من القيمة الحقيقية للأرض، التي تصل إلى (1,650,000,000) مليار دينار، فضلاً عن مصادرة أكثر من أربعين مليون دينارٍ تشكل 25% من قيمة بيع القطعة إلى خزينة الدولة، حسب ضوابط وتعليمات القرار “251” لسنة 1986.

أملاك أخرى في بابل عرضة للتلاعب

ويقول الصحفي البابلي في حديثه للوكالة إن “موضوع بيع أرض اتحاد جمعيات الفلاحين ليس هو الأول والأخير، فهناك متنزهات وأرصفة ومدارس وأملاك أخرى جرى تغيير جنسيتها والعمل على بيعها وقبض أموال طائلة مقابلها، فمثلًا هناك متنزه في الحلة أيضًا استطاع بطريقة أو بأخرى أن يشتريه محافظ بابل الأسبق وهو نائب برلماني سابق وعضو في لجنة الأمن والدفاع في الدورة البرلمانية السابقة، وقام بتسويته مع الأرض وبناء بيوت على أرضه وجعلها مشروعًا استثماريًا، وطريقة بيعه قانونية ورسمية ولكنه تم التلاعب بأوراقها وتغيير جنسية الأرض، ولكنها لم تلق صدى إعلاميًا حينها لنفوذ النائب السابق، وتم تغطية الموضوع وانتهاء الملف”.

“كل تغيير استعمال لأرض هو فساد واضح، وعلى هيئة النزاهة أن تراقب وتفتح ملفات تغيير الاستعمال للأراضي والأملاك في محافظة بابل”

ويضيف الصحفي، أن “هناك مدرسة أخرى يحاول متنفذون تابعون لأحزاب وميليشيات بسط نفوذهم عليها لتحويلها إلى مركز تجاري (مول) وهي مدرسة الخنساء الإعدادية للبنات وسط شارع 40 الواقع وسط مدينة الحلة، ويعد من أرقى وأغلى شوارع المدينة، وكذلك موضوع تحويل السوق العصري في ناحية الإسكندرية شمالي بابل إلى فرصة استثمارية وتهديمه وقطع رزق أصحاب المحال التجارية المستفيدين منه، وكل ذلك يتم بواسطة متنفذين يتبعون لميليشيات مسلحة”.

الاتهامات.. بين تأكيد ورفض

وإلى أبعد من ذلك يلمح عضو مجلس النواب (فلاح الخفاجي) في حديثه لوكالة “يقين” إلى تواطؤ مجلس محافظة بابل بعمليات تغيير استعمال الأراضي لغرض بيعها، ويشير إلى “وجود اتفاقات بين أعضاء في مجلس المحافظة مع مدير البلدية أو غيره لتمرير تغيير استعمال بعض الأراضي التابعة للدولة، وبالفعل حدث تصويت داخل المجلس على تغيير استعمال بعض الأراضي لغرض بيعها”.

“وجود اتفاقات بين أعضاء في مجلس المحافظة مع مدير البلدية أو غيره لتمرير تغيير استعمال بعض الأراضي التابعة للدولة”

واعتبر الخفاجي, أن “كل تغيير استعمال لأرض هو فساد واضح، وعلى هيئة النزاهة أن تراقب وتفتح ملفات تغيير الاستعمال للأراضي والأملاك في محافظة بابل”.

وفي المقابل نفى عضو مجلس محافظة بابل (عقيل الربيعي) تلك التهم، وأكد في حديثه لوكالة “يقين”، أنه “على العكس من ذلك فمجلس المحافظة رفض أصلا إدراج فقرة تغيير استعمال الأراضي على جدول أعماله، كون ذلك الأمر من اختصاص البلدية وبالتواصل مع المحافظ, وليس لمجلس المحافظة دخل فيه”.

وعدّ الربيعي أن “تلك التهم هي تشويه لسمعة مجلس محافظة بابل وتشكيك بنزاهة أعضائه، وهي غير مقبولة”، على حد تعبيره.

ويترقب الشارع العراقي ما ستؤول إليه نتائج التحقيق في ملفات بيع أراضي الدولة في بابل، والتلاعب بأوراقها وتغيير جنسها لبيعها من خلال وسطاء متنفذين يتبعون لأحزاب متنفذة أيضًا.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق