الخميس 27 يونيو 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » العراق بين احتلالين »

التغيير الديموغرافي.. آلة تمزيق جسد العراق

التغيير الديموغرافي.. آلة تمزيق جسد العراق

شهد العراق خلال السنوات الـ 16 الماضية عددًا من التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولعل أكثر ما أثر في المجتمع العراقي والتركيبة العرقية للمجتمع هو التغيير الديمواغرافي القسري الذي غير من ملامح المدن والمحافظات وحول نسب سكانها من حال إلى حال.

متى بدأ التغيير الديموغرافي؟

بعيد دخول قوات الاحتلال الأمريكية إلى البلاد وفرض قوتها العسكرية في جميع أنحائه في الـ9 من أبريل/ نيسان 2003، شهدت البلاد أولى المحاولات الجادة لزرع بذور الطائفية بين أبناء المجتمع العراقي.

“الميليشيات الطائفية ومنذ سنين الاحتلال الأولى، بدأت خطة شاملة ومدروسة من أجل السيطرة على المناطق المحيطة بالعاصمة بغداد”

يشير الباحث في الشؤون العراقية “مصطفى السامرائي” في حديثه لوكالة “يقين” إلى أنه فور دخول القوات الأمريكية الغازية الأراضي العراقية، بادرت الشخصيات السياسية التي دخلت مع المحتل إلى إصدار بيانات لأنصارها توضح مدى المظلومية التي تعرضوا لها، إذ روج هؤلاء تلك المظلومية على أساس أنهم كانوا محاربين من الحكومات التي سبقت الاحتلال.

ويضيف السامرائي أن التغيير الديموغرافي الحقيقي في العراق بدأ عام 2004 عندما شنت قوات عسكرية مدعومة حكوميًا ترافقها القوات الأمريكية الغازية عملية عسكرية في سامراء ومناطق شمال بغداد، إذ نكلت فرق الموت تلك بسكان تلك المناطق وهم من مكون مذهبي معروف، واعتقلت واختطفت تلك القوات عشرات الرجال.

ويضيف السامرائي أن ذلك النهج استمر طيلة السنوات الماضية وتنوع بأساليبه وأدواته ما بين عمليات عسكرية وأخرى تحرٍ وضبط، ليكون عام 2006 هو الفيصل في تاريخ العراق الحديث، عندما قتلت الميليشيات والأحزاب الدينية آلاف العراقيين على أساس مذهبي، الأمر الذي اضطر آلاف العوائل إلى هجر ديارهم ومدنهم والتوجه إلى مدن أخرى، لافتًا إلى أن مناطق شمال محافظة بابل وحزام بغداد وسامراء وسهل نينوى وجل أحياء بغداد تعرضت إلى تغيير ديموغرافي ممنهج ما زال مستمرًا.

خطة الميليشيات الطائفية

وفي هذا الصدد يقول النائب السابق في البرلمان “كامل الغريري” إن الميليشيات الطائفية ومنذ سنين الاحتلال الأولى، بدأت خطة شاملة ومدروسة من أجل السيطرة على المناطق المحيطة بالعاصمة بغداد، وهي ما تعرف بمناطق حزام بغداد.

“التغيير الديموغرافي الحقيقي في العراق بدأ عام 2004 عندما شنت قوات عسكرية مدعومة حكوميًا ترافقها القوات الأمريكية الغازية عملية عسكرية في سامراء”

وأضاف الغريري أن أكثر المناطق التي تعرضت للتغيير الديموغرافي في مناطق حزام بغداد هي مناطق التاجي والمحمودية واليوسفية والدورة والطارمية، تأتي بعدها مدينة سامراء والنواحي التابعة لها.

وعن استمرار عمليات التغيير الدميغرافي في بغداد، أكد الغريري على أن نهج التغيير الديموغرافي، وعلى الرغم من أنه انخفض عما كان عليه في السابق إلا أنه ما زال مستمرًا خاصة في مناطق حزام بغداد الشمالية، موضحًا أن الطارمية ما زالت تشهد عمليات عسكرية مستمرة، وتستخدم فيها القوات المهاجمة شتى أنواع الأساليب التي تجبر السكان على الرحيل عن ديارهم في سياسة واضحة للتغيير الديموغرافي في البلاد.

من جانبه يقول النائب الحالي في البرلمان “ماجد الغراوي” في حديثه لوكالة “يقين” إن العراق شهد أزمات متعددة منذ الغزو الأمريكي للبلاد، أزمات أسهم الاحتلال في تغذيتها.

“مناطق شمال محافظة بابل وحزام بغداد وسامراء وسهل نينوى وجل أحياء بغداد تعرضت إلى تغيير ديموغرافي ممنهج ما زال مستمرًا”

وأضاف الغراوي أن السياسة الأمريكية اتبعت نهجًا يقضي بمنهجية تتبع سياسة “فرق تسد”، وهو ما نجح الاحتلال في تنفيذه على أرض الواقع، لافتًا إلى أن التغييرات الديموغرافية التي حصلت في العراق كانت نتيجة تلك السياسة، مشددًا على أن الأزمة الطائفية بين أبناء الشعب العراقي تكاد تكون انتهت وظلت الطائفية والمحاصصة السياسية.

وفي ختام حديثه لوكالتنا، أوضح الغراوي أن كثيرًا من العائلات التي كانت قد نزحت عن ديارها خلال سنوات الطائفية عادت إلى مناطقها.

تأثير التغيير على المجتمع

أدى التغيير الديموغرافي في البلاد خلال الـ16 عامًا الماضية إلى إحداث شرخ اجتماعي كبير وتمزق في النسيج الاجتماعي للعراقيين.

“أكثر المناطق التي تعرضت للتغيير الديموغرافي كانت في العاصمة بغداد وما حولها”

وفي هذا الصدد يقول الأكاديمي والباحث في علم الاجتماع “مصطفى العبيدي” في حديثه لوكالة “يقين” إن الأحداث الجسام التي مر بها العراق وما تبعها من نزوح وتغيير ديموغرافي في المحافظات، أثر بصورة كبيرة على العلاقات الاجتماعية بين سكان تلك المحافظات.

وأشار العبيدي إلى أن ذلك التأثير سيستمر مفعوله لسنين قادمة، حتى لو عاد النازحون والمهجرون إلى أراضيهم، إذ إن العقل الباطني لأولئك لن يجعلهم ينسون الحقبة المظلمة التي مروا بها في غربتهم وخلال سني نزوحهم عن مدنهم.

وفي ختام حديثه لوكالتنا، أكد العبيدي على أن جميع ما حصل في العراق كان دخيلًا على العادات الاجتماعية بين سكانه، إذ إنه بعد قرون على التعايش السلمي بين مختلف المذاهب والأديان في البلاد، إلا أن التدخلات الخارجية أسهمت بشكل كبير في تغيير قناعات كثير من العراقيين، ولا يزال بعض هذا التأثير ساري المفعول حتى الآن.

“جميع ما حصل في العراق كان دخيلًا على العادات الاجتماعية بين سكانه”

من جانبه يرى الصحفي العراقي “فهد صباح” في حديثه لوكالة “يقين” إن الوضع في العراق لن يشهد تغيرًا ملموسًا ما دامت السياسة الحكومية رهينة الإملاءات الخارجية وخاصة الإيرانية منها.

وعن الوضع الاجتماعي في العاصمة بغداد، يؤكد صباح على أن الشعب البغدادي شهد نقلة نوعية في الفكر، إذ بات غالبية سكان العاصمة يدركون أن ما حصل في العاصمة من اقتتال طائفي ونزوح وتهجير كان نتيجة السياسات الخارجية الخبيثة التي فعلت ما بوسعها من أجل تدمير المجتمع العراقي.

ولفت صباح إلى أن الطائفية في بغداد انخفضت إلى حد كبير، مشيرًا إلى أن الطائفية الآن باتت تنحسر في بعض الميليشيات المحسوبة على الحشد الشعبي، والتي تحاول بين الفينة والأخرى تأجيج الطائفية من أجل مصالحها السياسية والحزبية، بحسبه.

أكثر المناطق تعرضًا للتغيير الديموغرافي

تشير بيانات صادرة عن منظمات دولية إلى أن العراق شهد تغييرًا ديموغرافيًا كبيرًا ما بين تغيير ديموغرافي مذهبي وآخر قومي.

“عمدت الأحزاب الكردية إلى تغيير ديموغرافي في محافظة التأميم وجلب عدد كبير من السكان الأكراد إليها”

ويشير تقرير لمنظمة العفو الدولية صدر عام 2018 إلى أن أكثر المناطق التي تعرضت للتغيير الديموغرافي كانت في العاصمة بغداد وما حولها، وخاصة في مناطق جرف الصخر التي ما تزال الميليشيات تمنع سكانها من العودة إليها.

وأضاف تقرير المنظمة أن مناطق المحمودية والطارمية والدورة في بغداد، يضاف إليها مناطق شمال بابل وأغلب مدن محافظة ديالى تعرضت لأكبر قدر من التغيير الديمغرافي.

وأكد التقرير على أن هناك نوعًا آخر من التغيير الديموغرافي العراق وهو القومي، إذ عمدت الأحزاب الكردية إلى تغيير ديموغرافي في محافظة التأميم وجلب عدد كبير من السكان الأكراد إليها لغرض فرض واقع حال جديد في المحافظة وزيادة نسبة الأكراد، إضافة إلى التغيير الديموغرافي في مناطق سهل نينوى، بحسب تقرير منظمة العفو الدولية.

16 عامًا مضت على الغزو الأمريكي للبلاد، إلا أن الواقع العراقي لا يزال يئن تحت وطأة المحاصصة الحزبية والطائفية في ظل استمرار نزوح كثير من العراقيين عن ديارهم قسريًا.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات