الجمعة 13 ديسمبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

حرب المولات.. وسيلة جديدة لتنافس المتنفذين

حرب المولات.. وسيلة جديدة لتنافس المتنفذين

الزمان: يوم الأربعاء الـ 15 من أيار/ مايو الجاري، المكان: مركز محافظة النجف، هنا بدأت تتكشف للعراقيين حقيقة حرب المولات في البلاد،  إذ أصدر زعيم التيار الصدري “مقتدى الصدر” تعليماته لكل أتباعه بضرورة الاحتجاج والاعتصام أمام المراكز التجارية والعقارات التي يملكها المنتفعون والفاسدون، بحسب ما نقله المقرب من الصدر “صالح محمد العراقي”، إذ ادت مظاهرات أتباع التيار الصدري إلى مقتل 4 أشخاص من المتظاهرين وجرح ما لا يقل عن 17 آخرين، عندما فتح حرس مول البشير النار تجاه المتظاهرين بعد إن أقدم المتظاهرون على إحراق المول بالكامل.

 ما سبب المظاهرات ضد مول البشير؟

“المظاهرات الحاشدة للتيار الصدري في مدينة النجف خرجت لأجل محاسبة القيادي السابق في التيار الصدري “جواد الكرعاوي””

مظاهرات مفاجئة بحسب كثير من المراقبين، أدت إلى ما أدت إليه، إذ يقول الرائد “حيدر نجم” الذي يعمل في إعلام مديرية شرطة محافظة النجف في حديثه لوكالة “يقين” إن أتباع التيار الصدري اقتحموا مول البشير التابع للقيادي السابق في التيار الصدري “جواد الكرعاوي”، وأقدم المتظاهرون على إحراق المول بشكل كامل، ما أدى إلى فتح حرس المول نيران بنادقهم على المتظاهرين وقتل 4 منهم وجرح 17 آخرين، في حادثة هي الأولى من نوعها في البلاد.

وعن سبب عدم تدخل الشرطة المحلية في محاولة حماية المتظاهرين وحماية المول من الحرق المتعمد، أكد نجم أن أوامر قيادة شرطة المحافظة كانت واضحة في عدم التدخل المباشر، درءا لأي احتكاك مع المتظاهرين الذين يتبعون “مقتدى الصدر”.

من جهته أوضح الناشط المدني من محافظة النجف “مهدي الزيدي” في حديثه لوكالة “يقين” إن المظاهرات الحاشدة للتيار الصدري في مدينة النجف خرجت لأجل محاسبة القيادي السابق في التيار الصدري “جواد الكرعاوي”، لافتا إلى أنه وقبل أشهر على المظاهرات انشق القيادي عن التيار الصدري، فعاقبه الصدر بإحراق مول البشير الذي يملكه على اعتبار أن الكرعاوي فاسد وكان قد اختلس أموالا من خزينة الدولة.

وأكد الزيدي على أنه لو لم يخرج الكرعاوي عن طاعة الصدر لما أقدم الأخير على تحريك مظاهرات ضده، حتى لو كان فاسدا، ما يعني أن شماعة الفساد تستخدم دائما للإطاحة بمن يخرج عن طاعة سيده، على حد تعبيره.

مولات تجارية أم غسيل أموال؟

شهدت السنوات الأخيرة زيادة كبيرة ومفاجئة في عدد المراكز التجارية في العاصمة بغداد، إذ يقول مسؤول وحدة الاعلام في هيئة استثمار بغداد “خالد ثائر” إن هيئة استثمار بغداد رخصت عشرات المشاريع الاستثمارية منذ تأسيسها قبل أكثر من 12 عاما.

وأضاف لوكالة “يقين” أن من بين المشاريع المرخصة ما لا يقل عن 15 مركزا تجاريا عملاقا، من بينها ست مراكز تجارية في منطقة المنصور الراقية، إضافة إلى مركزين تجاريين في منطقة الشعب، ومراكز أخرى في الجادرية وزيونة وغيرها.

“ادت مظاهرات أتباع التيار الصدري إلى مقتل 4 أشخاص من المتظاهرين وجرح ما لا يقل عن 17 آخرين، عندما فتح حرس مول البشير النار تجاه المتظاهرين”

وعن طبيعة عمل تلك المولات (المراكز التجارية) وكيفية الحصول على رخصها، أوضح ثائر أن ذلك يتم عن طريق المستثمرين المحليين والأجانب، من خلال التقديم على الفرص الاستثمارية التي تطرحها هيئة استثمار بغداد، ويحدد بدل الايجار لتلك المشاريع عن طريق الجهة المالكة للأرض التي سيقام عليها المشروع.

من جانبه الخبير الاقتصادي في العاصمة بغداد “مازن زكي” يؤكد في حديثه لوكالة “يقين” أن مدينة بغداد تحولت وعلى حين غرة إلى مدينة المولات، إذ أن عددها الكبير الذي سيتجاوز الـ 25 مولا خلال عامين يطرح العديد من الأسئلة عن أهداف تلك المراكز التجارية وأصحابها ورؤوس الأموال المستثمرة فيها.

ويتساءل زكي بالقول: “هل تحقق تلك المراكز التجارية أرباحا تضاهي مبالغ الايجار ورواتب العاملين والمصاريف الخدمية من ماء وكهرباء وحراسات؟!” لافتا إلى أن الأمر فيه الكثير من علامات الاستفهام.

ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن هيئات الاستثمار وقانون الاستثمار رقم (13) لسنة 2006 المعدل فيه الكثير من الثغرات التي فتحت الأبواب المشرعة للفاسدين كي يغسلوا أموالهم ويحولوا أرباحهم غير الشرعية إلى أموال شرعية من خلال تلك المراكز التجارية.

وعن كيفية غسل الأموال من خلال المراكز التجارية الكبيرة، أوضح زكي أنه يمكن لأي خبير في مجال الاقتصاد أن يكتشف ذلك بسهولة، إذ أن دراسة الجدوى الاقتصادية لهذه المولات خاسرة، ويمكن اكتشاف ذلك من خلال الإقبال الضعيف أو المتوسط على تلك المراكز التجارية، وخاصة أن مبيعات تلك المولات وأسعار البضائع المباعة فيها عالية جدا، ولا تتناسب مع دخل العراقيين الشهري، خاصة إن كثيرا من البضائع المباعة هناك من ماركات عالمية معروفة.

وفي ختام حديثه لوكالتنا، لفت زكي إلى أن الأمر واضح للعيان، إذ يمكن لأي حزب سياسي تعمل أذرعه العسكرية في مجال تهريب السلاح والمخدرات أن تحول أرباحها إلى شرعية من خلال افتتاح مركز تجاري كبير وسط العاصمة.

متنفس السياسيين

ومع تنامي الأموال التي يستحصلها سياسيو المنطقة الخضراء، شهدت العاصمة بغداد زيادة عدد المراكز التجارية العملاقة التي وجد العراقيون فيها متنفسا جديدا إلا انه يشكل في ذات الوقت متنفسا للسياسيين الذين يرومون غسيل اموالهم.

وتشير عضو المركز العراقي للتنمية القانونية “ابتهال الغزي” في حديثها لوكالة “يقين” إلى أن المصرف الحكومي المعني بتمويل عمليات الاستثمار في البلاد هو المصرف العراقي للتجارة TBI، وهو مصرف حكومي تأسس في عام 2003، بعد انتهاء العمل ببرنامج النفط مقابل الغذاء والدواء التابع للأمم المتحدة.

“هيئة استثمار بغداد رخصت عشرات المشاريع الاستثمارية منذ تأسيسها قبل أكثر من 12 عاما”

وتضيف أن المصرف وبدل أن يكون داعما حقيقا للبناء والاستثمار في البلاد، تحول إلى بؤرة فساد كبيرة، إذ يمنح المصرف قروضا كبيرة للمستثمرين مقابل ضمانات لا تتناسب مع المبالغ الممنوحة.

وتابعت الغزي لوكالتنا أن المصرف أقرض شخصيات سياسية معروفة مبالغ طائلة منذ سنوات، إلا أن أيا من تلك الاموال لم يسترجعها المصرف، بل ولم يعمل على الحجز على الضمانات التي قدمت لاجل سجب تلك القروض.

وعن غسيل الأموال وسرقتها من قبل بعض الشخصيات السياسية، أوضحت عضو المركز أن الاستثمار وبدل أن يكون رافدا مهما يعود بالنفع على البلاد ومواطنيه، تحول إلى وسيلة جديدة مقننة لأجل نهب أموال البلاد، وضربت مثالا على ذلك في مول بغداد والمعروف بمول “الحارثية”، إذ أكدت على أن كلفة المول الاستثمارية (كلفة البناء) المسجلة لدى هيئة استثمار بغداد (الجهة المانحة للرخصة الاستثمارية) تصل إلى 200 مليون دولار، في حين أن كلفة البناء الحقيقية لا تتجاوز الـ 100 مليون دولار، وبالتالي فإن الـ 100 مليون دولار المتبقية وزعت على الشركاء والمساهمين في المول.

وأوضحت الغزي أن مشروع مول بغداد (الحارثية) استخدم وسيلة لغسيل الأموال، فضلا عن اتخاذه وسيلة للحصول على قروض مالية كبيرة حكومية، وبالتالي فإن الاستثمار فقد معناه الحقيقي، إذ أن المشروع مسجل على أنه استثماري، إلا أن أموال بناءه حكومية والأرض المقامة عليه حكومية استؤجرت بملغ زهيد لا يتناسب مع موقعه الاستراتيجي في قلب العاصمة العراقية وفي أرقى مناطقها.

حرب شرسة

من جهته، أشار مصدر مسؤول في ديوان محافظة نينوى فضل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، أن محافظة نينوى وبعيد انتهاء المعارك ضد تنظيم الدولة (داعش) في عام 2017 فإنها باتت تشهد وضعا مشابها لما تشهده العاصمة بغداد فيما يخص حرب المولات والمراكز التجارية.

وأضاف في حديثه لوكالة “يقين” أن مول جواهر في منطقة الفيصلية في الموصل، يعد حالة شبيهة لمول الحارثية في بغداد، إلا أنه أقل تكلفة وأصغر مساحة، إذ ان الرخصة الاستثمارية مخالفة لمعايير التخطيط العمراني وفيه تجاوز على محرمات الطريق القريب منه والمخصص لبناء مجسر في تقاطع الفيصلية.

“الأحزاب إلى الاستحواذ على الأراضي الاستراتيجية في مراكز المدن بطرق غير شرعية من أجل بناء مراكز تجارية عملاقة”

وأكد المصدر أن المشروع مسجل باسم أحد أشقاء نائبة برلمانية سابقة عن نينوى، في الوقت الذي يعود فيه المشروع لقائمقام الموصل الحالي “زهير الأعرجي” التابع لأحد أقوى الأحزاب الاسلامية الحاكمة في بغداد.

حرب شرسة تدور رحاها في مراكز المدن العراقية، إذ تسعى مافيات الأحزاب إلى الاستحواذ على الأراضي الاستراتيجية في مراكز المدن بطرق غير شرعية من أجل بناء مراكز تجارية عملاقة، تستخدم في غسيل الأموال في البلاد، وذلك بحسب الخبير المالي “إبراهيم الأحمد”.

ويؤكد الأحمد في حديثه لوكالة “يقين” أن أي ادعاء في محاربة الفساد لا يخرج عن كونه دعاية إعلامية فقط، إذ أن رئيس مجلس الوزراء الحالي “عادل عبد المهدي” وعلى الرغم من تبنيه خطة لمكافحة الفساد وتأسيسه المجلس الأعلى لمكافحته، إلا ان الواقع على الأرض يشير إلى أن المجلس هو الآخر تحول لدائرة تسهم في التغطية على الفاسدين الكبار، حاله كحال هيئة النزاهة وبقية الهيئات الرقابية في البلاد.

حرب مولات هي إذن، إذ بات ينظر العراقيون إلى جميع المراكز التجارية بعين الريبة والشك، ولسان حالهم يقول الكل متهم حتى تثبت براءته.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات