السبت 07 ديسمبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » العملية السياسية »

الرضوانية.. استثمار مشبوه يقضي بتهجير عشرات آلاف العراقيين

الرضوانية.. استثمار مشبوه يقضي بتهجير عشرات آلاف العراقيين

أزمة إنسانية جديدة تلوح في الأفق بعد أن أعلن رئيس مجلس الوزراء إحالة أجزاء واسعة من الأراضي المحيطة بمطار بغداد في منطقة الرضوانية إلى الاستثمار بعد نزعها من ملاكها الأصليين.

ونص قرار مجلس الوزراء على انتزاع ملكية تلك الأراضي وتحويلها إلى الاستثمار في الوقت الذي تعاقدت فيه الحكومة مع عدة شركات أجنبية لهذا الغرض.

فما حقيقة الأمر وما مدى قانونيته؟ وهل يعد هذا القرار نوعا جديدا من التهجير القسري الطائفي؟

استثمار أم تغيير ديموغرافي؟

في خطوة مثيرة للجدل وتضيف مزيدا من التعقيدات للمشهد السياسي المعقد أصلا، قرر مجلس الوزراء العراقي الأسبوع الماضي منح مساحات شاسعة من أراضي منطقة الرضوانية المحيطة بمطار بغداد الدولي إلى الاستثمار بعد انتزاع ملكيتها من أصحابها.

“مساحة الأراضي المحيطة بمطار بغداد الدولي تقدر بنحو 90 ألف دونم، وأن جزءا كبيرا منها هي ملك صرف”

ويشمل القرار -الذي حول تلك الأراضي إلى الاستثمار-، إنشاء مراكز تجارية واقتصادية وتعليمية وبحثية إضافة إلى مراكز رياضية ووحدات سكنية تقدر بنحو 5 آلاف وحدة سكنية، لكن القرار لم يشر بأي حال من الأحوال إلى تعويض أصحاب الأراضي الذين ستنتزع أراضيهم والذين يملكونها منذ عشرات السنين.

وفي هذا الصدد، يقول النائب “محمد الكربولي” في حديثه لوكالة “يقين” إن قرار مجلس الوزراء القاضي بانتزاع ملكية آلاف الدونمات في حزام بغداد وتحديدا بمنطقة الرضوانية وتحويلها إلى الاستثمار يذكرنا بواقعة جرف الصخر والتغيير الديموغرافي الذي حصل هناك عام 2014، والتي هجر بسببها عشرات آلاف المواطنين من ناحية جرف الصخر من دون وجه حق.

وأضاف الكربولي أن الاستثمار لا يكون على حساب المواطنين، إذ أن ما يحصل هو تغيير ديموغرافي متعمد بذريعة الاستثمار وبمباركة من أعلى مسؤولي الحكومة ويهدف إلى استئصال مكون معين من منطقة الرضوانية.

وكشف الكربولي لوكالتنا عن أن عشائر الرضوانية وسكانها لن يسكتوا عن الأمر، مبينا أن مجموعة كبيرة من النواب ستتخذ خطوات تصعيدية بالضد من هذا القرار لإجبار الحكومة على التراجع عنه، محذرًا من التلاعب بالنسيج الاجتماعي والعشائري في هذه المناطق، إذ أن ما يضمه العراق من فتن يكفي، ولا حاجة لفتنة جديدة.

من جهته، أوضح الخبير القانوني “محمد صديق” في حديثه لوكالة “يقين” أن قرار مجلس الوزراء فيما يخص منطقة الرضوانية وانتزاع ملكية الأراضي من أهلها، يتعارض مع المادة 23 من الدستور المعمول به في العراق، والتي تنص على أن الملكية الخاصة مصونة بموجب الدستور ولا يجوز نزعها تحت أي ظرف من دون موافقة أهلها ومنحهم التعويض الحقيقي والذي يقدر وفق سعر السوق في لحظتها.

وأكد صديق على أن مساحة الأراضي المحيطة بمطار بغداد الدولي تقدر بنحو 90 ألف دونم، وأن جزءا كبيرا منها هي ملك صرف بسندات تمليك تعود للعهد العثماني، مشيرا إلى أن المنطقة المشمولة بالقرار تضم ما لا يقل عن 150 ألف نسمة، وهو عدد كبير من سكان العاصمة الذين سيكونون بلا مأوى من دون سابق إنذار، بحسبه.

من جانبه، حذر النائب عن ائتلاف دولة القانون “عمار كاظم الشبلي” من تهجير عشرات آلاف المواطنين من الرضوانية قسرًا، لافتا إلى أنه من غير المعقول أن نهجر 150 ألف نسمة في بغداد ونرميهم في الشارع من دون تهيئة مساكن مناسبة ومضاهية لما سيتم مصادرته من ممتلكاتهم، عادا ذلك القرار تهجيرا قسريا لا يتطابق مع القوانين العراقية ولوائحها والتعليمات النافذة والمعمول بها في البلاد.

وأشار الشبلي إلى أن منطقة الرضوانية تعد منطقة أمان بيئي للعاصمة، إذ تضم مزارع وبساتين تتجاوز مساحتها الـ 10 دونم، وإن تجريف هذه المناطق وانتزاع ملكيتها من دون وجه حق سيتسبب بموجة غضب وتبعات قد لا تحمد عقباها في البلاد، بحسبه.

مطالبات محلية بالتدخل ووقف القرار

“المنطقة المشمولة بالقرار تضم ما لا يقل عن 150 ألف نسمة، وهو عدد كبير من سكان العاصمة الذين سيكونون بلا مأوى من دون سابق إنذار”

تعد مناطق الرضوانية التي تقع جنوب غربي بغداد والقريبة من مطارها الدولي من أكثر مناطق حزام بغداد حيوية بالسكان، إذ أن الرضوانية أحد أحياء بغداد وتتبع جانب الكرخ منها وتضم قصورا رئاسية للرئيس العراقي الراحل “صدام حسين”، وتقطن المنطقة العديد من العشائر مثل الجنابيين والمعينات وزوبع والكرطان وغيرها، ويقدر عدد سكان المنطقة بنحو 200 ألف نسمة بحسب تقديرات حكومية موزعين على مئات المناطق الريفية والحضرية، وهم موجودين في هذه المنطقة منذ قرابة الـ 200 عام مضت.

ويقول أحد شيوخ العشائر في منطقة الرضوانية ويدعى “مهند الزوبعي” في حديثه لوكالة “يقين” إنهم اطلعوا على قرار الحكومة من وسائل الاعلام، إذ لم يزر المنطقة أي مسؤول للاطلاع على الوضع أو إعلام سكانها بالمخطط الحكومي على أقل تقدير.

“الهدف الحقيقي لهذا القرار هو استملاك آلاف الدونمات لصالح هيئة الاستثمار الوطنية”

ويضيف الزوبعي لوكالتنا ما نصه “لم يبلغ سكان المنطقة بأي إجراءات لاحقة بعد القرار، إذ أن القرار في هذا الوقت ينم عن مخطط مسبق يراد تنفيذه الآن لتهجير سكان الرضوانية من دون أي تعويض مجز، مشبها القرار بما يحدث في الأراضي الفلسيطينية المحتلة، التي تصدر فيها الحكومة الصهيونية قرارات مصادرة الأراضي، ثم تأتي الجرافات لتهدم بيوت الفلسطينيين“، معربا عن تخوفه من حدوث هذا السيناريو في منطقته.

وفي الشأن ذاته، أكد النائب السابق عن منطقة الرضوانية الشيخ “إياد الجبوري” في حديثه لوكالة “يقين” على أن قرار مجلس الوزراء مكشوف النوايا، إذ لا علاقة له بالاستثمار، كاشفا عن أن الهدف الحقيقي لهذا القرار هو استملاك آلاف الدونمات لصالح هيئة الاستثمار الوطنية، والتي ستمنح فيما بعد لشركات استثمارية تتبع الأحزاب الحاكمة في البلاد، والتي تروم الانتفاع من هذه المنطقة ماديا على حساب سكانها، لافتا إلى أن الأمر لا يخلو من بعد طائفي في الوقت ذاته.

ويؤكد الجبوري على أن ما يعزز كلامه هو إقدام مجلس الوزراء على شمول الملكيات الخاصة للعشائر بالاستثمار، مع عدم الأخذ بنظر الاعتبار أن هناك مساحات واسعة في الرضوانية تملكها الدولة ويمكن الاستثمار فيها، مشيرا إلى أن الخطة تقضي بوضع اليد على مساحات تقدر بنحو 115 ألف دونم من الأراضي المحيطة بمطار بغداد الدولي، بحسبه.

AppleMark

تبرير حكومي

على الرغم من الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت بعد قرار مجلس الوزراء الأخير بالاستثمار في ملكيات خاصة بمنطقة الرضوانية، إلا أن الهيئة الوطنية للاستثمار – هيئة حكومية –، أصدرت بيانا اطلعت عليه وكالة “يقين”، إذ ينص على أن المساحة المشمولة بالقرار لا تتعدى الـ 16 ألف دونم فقط وفقا للتصميم المعتمد.

وأضاف بيان الهيئة على أن مجلس الوزراء وافق على تخصيص 4 آلاف دونم إلى شركة (دايكو) العالمية، على أن يتم استثمار المساحة المتبقية البالغة 12 ألف دونم من قبل الشركات ورجال الأعمال العراقيين المؤهلين لتنفيذ مثل هكذا مشاريع” بحسب نص البيان.

“قرار مجلس الوزراء الأخير ينم عن عدم دراية كافية بواقع المنطقة وملكية الأراضي والجدوى الاقتصادية

وعلى الرغم من عدة محاولات لوكالتنا للتواصل مع مسؤولين في الهيئة الوطنية للاستثمار لأجل الوقوف على الأمر، إلا أن الهيئة اعتذرت بحجة سفر المسؤول المخول بالتصريح لوسائل الإعلام.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي “عبد السلام المرشدي” في حديثه لوكالة “يقين” أن قرار مجلس الوزراء الأخير ينم عن عدم دراية كافية بواقع المنطقة وملكية الأراضي والجدوى الاقتصادية.

ويضيف المرشدي أنه كان على الهيئة الوطنية للاستثمار أن تلزم المستثمرين الحاصلين على رخص استثمار في الرضوانية منذ سنوات بمباشرة إنجاز مشاريعهم أولًا بدل اللجوء إلى منح رخص أخرى قد لا ترى النور، لافتا إلى أن هناك 5 مشاريع استثمارية سكنية وتجارية في المنطقة كانت قد حصلت على رخص استثمارية قبل سنوات، إلا أن أيا منها لم يرى النور ولم يجد طريقه للتنفيذ.

واختتم المرشدي حديثه لوكالتنا بالإشارة إلى أنه ووفق القوانين العراقية المتعلقة بالأراضي واستملاكها لأجل المصلحة العامة للبلاد، فإنه يمكن للدولة أن تصادر وتستثمر الأراضي ذات الملكية الصرفة على أن يعوض سكانها تعويضا مجزيا موافقا، لم يخسروا من أراض أو منازل، ومساو لقيمتها المادية وبموافقة غالبية أهلها، بحسبه.

يستمر مسلسل التغيير الديموغرافي في العراق بحجج كثيرة، فما بين عمليات أمنية وتهجير قسري بتهم “الإرهاب” وبين تهجير من نوع جديد بداعي الاستثمار، يستمر مسلسل التهجير من دون توقف وبمباركة أعلى هرم في الحكومة الحالية.

تعليقات