السبت 19 أكتوبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

في العراق.. كيف يلتهم الفساد إيرادات المنافذ الحدودية؟

في العراق.. كيف يلتهم الفساد إيرادات المنافذ الحدودية؟

هو الفساد يضرب في أطناب مفاصل الدولة العراقية في جميع مؤسساتها وسلطاتها، إذ وعلى الرغم أن العراق يعد بلدا مستهلكا للسلع الأجنبية، فإن المنطق يقضي بأن إيرادات المنافذ الحدودية تعد وسيلة لتعزيز إيرادات الدولة المالية غير النفطية، إلا أن ما كشف عنه مؤخرا من أن 75% من إيرادات المنافذ الحدودية تذهب للفاسدين؛ يشي بأن هناك ما خلف الكواليس.

إيرادات أدراج الرياح

يستهلك العراق بضائع ومواد غذائية أجنبية تصل نسبتها إلى قرابة 95% من مجموع الاستهلاك المحلي، بحسب ما نشرته وزارة التخطيط على موقعها الرسمي، إلا أن عائدات الدولة من الجمارك والمنافذ الحدودية تظل دون المستوى المطلوب.

“العراق يخسر سنويا قرابة 8 مليارات دولار جراء الفساد في المنافذ الحدودية”

وفي هذا الصدد، يؤكد رئيس هيئة المنافذ الحدودية “كاظم العقابي” أن ما تحققه البلاد من عائدات مالية من المنافذ الحدودية لا يتعدى 25% مما يفترض تحقيقه، عازيا الأمر إلى الفساد وعدم سيطرة الحكومة الاتحادية على جميع المنافذ الحدودية ما يتسبب بهدر مليارات الدولارات سنويا.

ويكشف العقابي في حديثه لوكالة “يقين” عن أنه وفي دراسة ميدانية للإيرادات الواجب تحقيقها من الاستيراد من جميع المنافذ الحدودية، فإن إيراداتها تتجاوز الـ 10 مليارات دولار سنويا، غير أن العائد الفعلي الذي يذهب لخزينة الدولة يصل في أفضل الأحوال إلى 2.45 مليار دولار وهذا ما تم تحقيقه في عام 2018، ما يعني هدر قرابة 7.55 مليار دولار سنويا تذهب لجيوب الفاسدين والمتنفذين.

ويشير إلى أن هناك معابر غير رسمية تربط العراق بإيران وتقع في محافظات الوسط والجنوب، وهذه المعابر لا تخضع لسلطة المنافذ الحدودية ولا تعلم الهيئة ما يدخل من خلالها، بحسب العقابي.

وتعد البصرة من أكثر المحافظات التي تدخل عبرها البضائع والمواد المستوردة بسبب ضمها للموانئ العراقية التي تعد الواجهة البحرية الوحيدة في البلاد، لكن في الوقت ذاته تعد البصرة من أكثر المحافظات التي تشهد تلاعبا في منافذها الحدودية، إذ يؤكد عضو مجلس محافظة البصرة “أحمد عبد الحسين” أن المنافذ الحدودية في البصرة (البرية البحرية والجوية) وعددها 8 تعاني من تحكم الأحزاب والجماعات المسلحة بها، ما تسبب بسوء الإدارة فيها وتفشي الفساد.

“الخسارة الضمنية لعمل هيئة المنافذ الحدودية والمتأتية عن غش البضائع والمخدرات والاتجار بالبشر تقدر بنحو 5 مليارات دولار سنويا”

وأضاف في حديثه لوكالة “يقين” أن أكثر من 65% من واردات تلك المنافذ تذهب لجيوب الفاسدين على الرغم من أنها تقدر بالمليارات وكان يمكن لها أن تقلل العجز في الموازنات العامة الاتحادية، فضلا عن إسهامها في إعمار البصرة.

هدر وفساد وجماعات متنفذة

شهدت السنوات التي أعقبت الغزو الأمريكي في عام 2003 دخول مختلف أنواع البضائع الفاسدة والمخدرات والسلاح إلى البلاد عبر المنافذ الحدودية التي تتخللها عمليات فساد وبيع للذمم بصورة فاقت جميع التوقعات.

وفي السياق، أكد النائب “رائد فهمي” صعوبة تنفيذ سياسة الحكومة الحالية التي تبنت في برنامجها الحكومي محاربة الفساد وأسست مجلسا خاصا يعنى به، لافتا في حديثه لوكالة “يقين” إلى أنه لا سبيل لحماية المنتج المحلي ومكافحة المخدرات والاتجار بالبشر ما لم تتم السيطرة المطلقة على المنافذ الحدودية بما فيها منافذ شمال البلاد في محافظات أربيل ودهوك والسليمانية.

وكشف فهمي عن أن المنافذ الحدودية في مختلف المحافظات العراقية باتت مرتعا كبيرا للفساد وبابا لتمويل جهات مختلفة وجماعات مسلحة، منتقدا قرار مجلس الوزراء رقم 347 والذي يقضي بإمكانية إحالة المنافذ الحدودية إلى الاستثمار، عادا ذلك خرقا للسيادة، والذي بموجبه ستستلم شركات استثمارية ملف المنافذ الحدودية وستتحكم بما يدخل إلى البلاد.

“تعد البصرة من أكثر المحافظات التي تدخل عبرها البضائع والمواد المستوردة بسبب ضمها للموانئ العراقية”

من جانبه يرى الخبير الاقتصادي “عبد الرحمن المشهداني” أن العراق يخسر سنويا قرابة 8 مليارات دولار جراء الفساد في المنافذ الحدودية، وهذا الرقم هو الخسارة الأساسية بغض النظر عن الخسائر المتأتية من إدخال المواد الفاسدة والمخدرات والسلاح.

ولفت في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن هذه الخسارة تشكل قيمتها 10% من مجموع الموازنة الاتحادية للبلاد، ما يعني انه لو استطاعت الحكومة ضبط عمل المنافذ الحدودية فإنها ستوفر على العراق سنويا الاقتراض من الخارج وما يترتب على ذلك من فوائد تصل نسبتها إلى 6%.

وعن عمل المنافذ الحدودية وطبيعة الفساد المستشري فيها، يؤكد المشهداني أنه من الصعوبة بمكان أن تستطيع الحكومة الحالية أو حتى القادمة ضبط عمل المنافذ الحدودية، إذ أن انتشار السلاح بيد الجماعات المسلحة وسطوة الأحزاب الحاكمة ودعمها للجماعات المسلحة يعرقل عمل الحكومة حتى لو كانت هناك نية حقيقية لضبط عمل المنافذ الحدودية.

واختتم المشهداني حديثه لوكالتنا بالإشارة إلى أن الخسارة الضمنية لعمل هيئة المنافذ الحدودية والمتأتية عن غش البضائع والمخدرات والاتجار بالبشر تقدر بنحو 5 مليارات دولار سنويا وفقا لما نشرته مؤسسة بحثية اقتصادية في تموز/ يوليو الماضي.

غياب القانون

يمتلك العراق 22 منفذا حدوديا بريا وبجريا، يضاف لها مجموع المنافذ الجوية التي تحتسب بعدد المطارات الدولية العاملة في البلاد، ويقول الخبير القانوني “عماد غائب” إن الخسائر الناجمة عن الفساد في هيئة المنافذ الحدودية ليست متعلقة بالموازنة الاتحادية للبلاد والعائدات التي يمكن أن ترفد بها الموازنة.

ويضيف في حديثه لوكالة “يقين” أنه وبموجب قانون مجالس المحافظات، فإن البصرة وباقي المدن التي تمتلك منافذا حدودية تحصل على نصف الإيرادات المالية للمنافذ الحدودية من اجل توظيفها في مجال الأعمار في تلك المحافظات.

“أكثر من 65% من واردات تلك المنافذ تذهب لجيوب الفاسدين على الرغم من أنها تقدر بالمليارات”

ويلفت غائب إلى أن البصرة ونتيجة لمنافذها الحدودية الـ 7 فإنها تخسر عشرات ملايين الدولارات سنويا، والتي كان من الممكن استثمارها في إعادة بناء البنى التحتية المتهالكة في المحافظة، إلا أن سيطرة الأحزاب والميليشيات على تلك المنافذ أضرت كثيرا بالبصرة وغيرها من المحافظات ذات الوضع المشابه.

ويضيف الخبير القانوني أن الحكومة الاتحادية ليست لديها سيطرة على منافذ كردستان الحدودية أيضا، وأن كردستان غير ملتزمة في تطبيق القرارات الوزارية التي سبق أن اتفق بغداد وأربيل بشأنها في عام 2009.

ويشير غائب في ختام حديثه إلى أنه لو استطاعت الحكومة السيطرة على عمل المنافذ الحدودية وإخضاع منافذ كردستان لسيطرتها، فإنها بذلك قد تستحصل قرابة الـ 15 مليار دولار سنويا يمكن لها أن تعزز من وضع الموازنة الاتحادية بما نسبته 17% من أصول الموازنة.

أما وزارة التخطيط فتؤكد من خلال الجهاز المركزي للإحصاء على أن العراق يستورد سنويا بضائع مختلفة غذائية وإنشائية وكهربائية وكمالية وسيارات ومعدات وغيرها، إذ بلغت قيمة الاستيرادات ما مجموعه 56 مليار دولار في عام 2017، وتحتل تركيا وإيران والصين المراتب الأولى على التوالي من حيث حجم الاسيراد من كل منها.

خسائر مادية كبيرة، وتمويل لأحزاب السلطة وميليشياتها، كل ذلك يتأتى من خلال الفساد المستشري في عمل هيئة المنافذ الحدودية وإهدارها مليارات الدولارات سنويا، في ظل مؤشرات تفيد بأن عجز الموازنة العامة للبلاد في عام 2020 قد يصل إلى قرابة 22 مليار دولار.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات