السبت 07 ديسمبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » تقارير »

الثورة البيضاء .. طلبة العراق يتجاوزون خطوط المواجهة

الثورة البيضاء .. طلبة العراق يتجاوزون خطوط المواجهة

مع إنطلاقة الحراك الشعبي العراقي في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019 احتجاجا على تفشي الفقر وغياب الخدمات الأساسية وإنتشار البطالة وعجز السلطات السياسية عن إيجاد حلول للأزمات المعيشية، قتل وأصيب على أثرها المئات من المتظاهرين خلال الاحتجاجات، والتي نتج عنها مهاجمة مقار أحزاب وميليشيات مسلحة أطلقت وقتها هتافات مناهضة لإيران، إلا أن مستوى القمع الذي تعرض له المتظاهرون ولّد حالة كبيرة من التأييد الشعبي والجماهيري ليصل إلى حد المطالبة بالنفير العام وإعلان العصيان المدني، فتوجت آلاف العائلات للإنضمام مع المتظاهرين في ساحاتهم، وميادينهم ببغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية، كما إنظمت النقابات العمالية ونقابة المعلمين والمحمامين إلى هذه الإحتجاجات معلنين العصيان المدني العام، وعلى أثر ذلك التحق طلبة المدارس والجامعات العراقية بموجة الاحتجاجات كبيرة مرددين هتافات تطالب بإسقاط النظام والعملية السياسية والتنديد بالتدخلات الإيرانية، ولا تزال موجة التظاهر الطلابي تتواصل بزخم أكبر خلا خذين اليومين.

ووصل الآلاف من الطلبة بقمصانهم البيضاء إلى ساحة التحرير وسط بغداد التي تعد المركز الرئيسي للاحتجاجات والتحقوا وأعلنوا تضامنهم ودعمهم لبقية المحتجين الموجودين والمعتصمين في الساحة.

كما نظم طلبة جامعات بغداد والمستنصرية ودجلة والمأمون والكندي وقفات احتجاجية تأييدا وتضامنا مع المتظاهرين في بغداد والمحافظات، وكان لافتا حضور طلبة كليات الطب والصيدلة في تلك الجامعات بملابسهم العملية، كما التحق طلبة المدارس الثانوية والإعدادية في جانبي الكرخ والرصافة من خلال تنظيم وقفات احتجاجية مماثلة في مدارسهم والساحات العامة دعما للمتظاهرين.

ورددت مختلف الفئات الطلابية هتافات منددة بعمليات القمع التي تنتهجها الحكومة وأجهزلتها الأمنية، وأخرى مطالبة بإسقاط النظام ومحاكمة امام الشعب.

الإحتجاجات الطلابية في تاريخ العراق

لم يسبق أن التحق طلبة الجامعات بهذه الأعداد الكبيرة بالحركات الاحتجاجية التي خرجت في السنوات السابقة، إلا أن التأريخ حافل بالإحتجاجات الطلابية دور في تغيير الأنظمة طوال المراحل السياسية السابقة، إذ لعبت الحركة الطلابية العراقية ولعقود عديدة أدوارا متميزة في تاريخ الحركة الوطنية عموماً، وقد تنوعت هذه الأدوار واتخذت أشكالاً متعددة تتناسب وطبيعة الصراعات السياسية ألقائمة في كل فترة من فترات التاريخ العراقي الحديث، وكان تأثير الإحتجاج الطلابي كبيراً جداً كونهم جزءا من النسيج الوطني العراقي، وقد تجلى ذلك في مساهماتهم في الاحتجاجات والتظاهرات والإضرابات الجماهيرية ذات الطابع الوطني العام .

يمكن القول بأن النضالات الطلابية المهنية والوطنية على حدٍ سواء إتسمت بالطابع العفوي وأسلوب رد الفعل غير المنظم، وقد برزت أهمية الإحتجاج الطلابي في أحداث ١٩٥٣ و 1956 للتضامن مع الشعب المصري، وإحتجاجات 14 تموز 1958 و1963 بالإضافة إلى أحداث العراق ١٩٦٨ و ١٩٧٣.

“خروج الطلبة بهذا التلاحم والتناغم والروح يعطي رسالة واضحة ان لحجم التلاحم والإنسجام الإجتماعي لأن الطلبة ليسوا من مكون محدد”

الحركات الطلابية في العصر الحديث وفي القرنين الماضي والحالي كان لها تأثير كبير في دعم ومساندة ونجاح الثورات، ودخول طلبة العراق على خط المواجهة بمشاركة الهيئات النقابية المتمثلة بنقابات المعلمين والعمال والمحامين جعل الحكومة في حالة ارباك وتخبط.

الكاتب والأكاديمي الدكتور “جاسم الشمري” تحدث لوكالة يقين أن هذا الشكل من التظاهرات الطلابية لم يحدث في التظاهرات السابقة منذ أكثر من نصف قرن، وهذه الاحتجاجات الطبلابية كان لها تأثير كبير في إدامة زخم التظاهر، وإيصال رسالة صريحة للحكومة أنهم يعون كل ما يدور حولهم، إذ لم تستطع الحكومة بقوتها وسلاحها وسيطلاتها على جميع المفاصل أن تظلل هؤلاء الشباب الذين يدركون ان مايحدث في العراق هو حالة سلبية يجب تغييرها بكل الوسائل.

وأضاف الشمري أن هؤلاء الطلبة وجدوا انهم بلا مستقبل وهذا احد أهم الأسباب التي دفعتهم للتظاهر والإحتجاج، ودخول الطلبة على طريق التظاهر والإحتجاج يعطي زخماً كبيراً ودافعاً مهماً لنجاح هذه الثورة على حد وصفه.

واعتبر أن خروج الطلبة بهذا التلاحم والتناغم والروح يعطي رسالة واضحة ان لحجم التلاحم والإنسجام الإجتماعي لأن الطلبة ليسوا من مكون محدد إنما من جميع المكونات العراقية، وهذا يعتبر من عوامل القوة الإيجابية التي دفعت لأن تكون الحكومة حذرة وخائفة من إتساع حدة الإحتجاجات الطلابية.

وعن أسباب إصدار وزارة التربية ووزارة التعليم قرارات الفصل والتحقيق بحق أساتذة ومدراء مدارس أعتبر الشمري أن ذلك يأتي نتيجة لحالة الهستيريا التي تعيشها الحكومة ووزاراتها التنفيذية مع الإرباك الشديد والتخبط في إتخاذ القرارات والإتجاه إلى إصدار الأوامر والتوجيهات بضرب الطلبة والطالبات في الأماكن العامة.

التفاعل مع تظاهرات الطلبة

مغردون ومدونون على مواقع التواصل الإجتماعي تفاعلوا مع موجة الإحتجاجية الطلابية المساندة لتظاهرات بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية، والتي انطلقت في محافظات بغداد وكربلاء والنجف والبصرة والقادسية وواسط وبابل وديالى، وتضامنت معها جامعات محافظات نينوى والتأميم وصلاح الدين، فيما أتخذت وزارتي التربية والتعليم العالي إجراءات وقرارت تضمنت معاقبة الأساتذة والطلبة إلى حد الفصل، إلا ان ذلك لاقى الكثير من الإنتقادات والسخرية نتيجة لتلك القرارات.

“التحاق الطلبة بالاحتجاجات سيؤدي إلى زيادة زخمها في الأيام المقبلة، ويكرس الطابع السلمي لها”

الصحفية والناشطة “أفراح شوقي” قالت في تغريدة لها موقع التواصل الإجتماعي “فيس بوك” أن وزارة التربية لم تعترض على مدارس الطين وجلوس الطلبة على الأرض من دون كراسي أو نوافذ، ولا على تأخير المناهج وتسريب الأسئلة وتهدور التعليم وأرتفاع نسب الرسوب، ولا حتى على إنقطاع الطلبة عن الدراسة لأنهم يعملون في الشوارع بمهن صعبة، لأجل إعانة عائلاتهم، معتبرةً ان كذلك لم يحرك ضمائرهم، إنما إستفزهم تضامن الطلبة مع ثورة الشعب وقضيته.

أما الناشط البصري أحمد الرفاعي فأكد على شجاعة الطلاب والشباب بشكل عام، قائلاً في تغريدته أن شجاعة جيل ٢٠٠٠ فاجئت الجميع، من خلال إعتصاماتهم وإحتجاجاتهم في عموم العراق.

وأنتقد الرفاعي جيل السبعينات ودورهم متسائلا هل سيتحلوا بالشجاعة ويعتصمون أم أنهم يخافون على راتبهم البسيط والمستحقات والحوافز!

ويرى مراقبون أن التحاق الطلبة بالاحتجاجات سيؤدي إلى زيادة زخمها في الأيام المقبلة، ويكرس الطابع السلمي لها ويسحب البساط من أيدي بعض أذرع السلطة التي تروج لموضوع استعمال العنف من قبل المتظاهرين والاتهامات بالدعم الخارجي لجماعات الحراك الاحتجاجي.

لماذا خرج الطلبة إلى الإحتجاجات؟

بعد التفاعل الكبير من قبل كافة أطياف الشعب العراقي مع هذه الثورة الشعبية التي خرجت بشكلٍ سلمي تطالب بحياةٍ كريمة ووطن آمن خالي من المظاهر البوليسية التي أنتجتها السياسات الخاطئة عبر وسائل متعددة أهمها تسلط الميليشيات على سلطة القرار.

في اليوم الأول للإحتجاجات بدأ الطلبة يناشدون ويطالبون بالسماح لهم بالتظاهر والإحتجاج إلا أن ذلك لاقى رفضاً كبيراً من قبل الحكومة التي تدرك أن مشاركة الطلبة سيكون لها دور فاعل في إدامة زخم التظاهر والإحتجاج، لكن الطلبة عقدوا العزم وكسروا كل قيود الخوف وألتحقوا بساحات التظاهر مشكلين فرقاً ميدانية مختلفة، منها إسعافات أولية ومنها فرق تموين وأخرى لوجستية، مرددين شعارات تطالب بإسقاط الحكومة وتشكيل حكومة أنقاذ تمهيداً لتشكيل حكومة وطنية ذات إرادة وولاء عراقي.

“لا تزال الامواج البيضاء تملأ الشوارع وساحات التظاهر دعماً ومساندة للمتظاهرين المطالبين بحقوقهم المشروعة”

المتظاهر “أنس عبدالمجيد” وهو طالب جامعي تحدث لوكالة “يقين” أنهم لم ينضموا إلى التظاهرات من أجل مطالب خاصة، إنما من أجل مطالب شعب يعاني من الفقر والجوع والقهر والظلم، مؤكداً أن القضية هي قضية وطن ويجب التضحية في سبيلها.

وطالب بتغيير الدستور وحل البرلمان ومحاسبة المعتدين على المتظاهرين، معتبراً الأخيرة هي قضيتهم في الوقت الراهن، مؤكداً أنهم سلميين ومطالبين بحقوقهم الوطنية القانونية وليسوا مندسين كما تروج الحكومة وقنواتها لذلك.

أما “سهى محمد” هي الأخرى طالبة في الجامعة المستنصرية، أكدت لوكالة يقين أنها خرجت نتيجة الظلم والقتل الذي يتعرض له الشباب العراقي، وأنها الآن تعمل ضمن فريق تطوعي لإسعاف الجرحى وتقديم الماء للمتظاهرين وتحضير الخلطات البدائية من الخميرة والبيبسي لتخفيف آثار القنابل المسيلة للدموع التي تطلقها القوات الأمنية على المتظاهرين.

ومن بغداد إلى البصرة، أكد “محمد جواد” أنهم مضربون عن الدوام لحين إسقاط الحكومة وتحقيق كافة المطالب الشعبية، وعن سؤاله عن سبب التظاهر قال لوكالة “يقين” أن التعليم فاشل والمناهج التعليمية بدائية وغير واقعية، والتعامل مع المعدلات من قبل الوزراة وفق المحسوبية، بالإضافة إلى أن الشهادة لا تعتمد بسبب البطالة وعدم توفر فرص التعيين.

الطالبة “أماني حسن” أكدت أنهم كمتظاهرين ومعتصمين مستمرين في إحتجاجاتهم وإعتصاماتهم لحين تغيير هذه الوجوه وعزل الطبقة السياسية بالكامل، ومحاكمة المتسببين بهدر المال العام والقصاص من القتلة الذي سفكوا دماء العراقيين وخاصة في هذه الإحتجاجات.

القوات الأمنية تعتدي على الطلبة

على خلفية التصعيد الجماهيري وتوافد الطلبة إلى الشوارع والساحات قام عدد من عناصر الأجهزة الأمنية بالإعتداء على الطلبة، وأظهر فيديو تداوله ناشطون حارسا أمنيا في إحدى المدارس العراقية وهو يتشاجر مع إحدى المدرسات التي تطالب بالسماح للطلبة بالوقوف وقفة تضامنية مع المتظاهرين.

“تظاهرات الطلاب قُمعت بالهراوات والغاز المسيل للدموع، وعدد كبير منهم دخل إلى المستشفيات بسبب الاختناق”

فيما أضهر مقطع فيديو آخر عدد من الجنود يقومون بضرب الطالبات أثناء ممارستهن حقهن القانوني في التعتبير السلمي عن الرأي.

أما الخبير القانوني “علي التميمي” فكان له رأي آخر، موضحاً في حديثة لوكالة “يقين” ان القانون كفل حق التظاهر السلمي الذي كفله الدستور، اما بخصوص التظاهرات التي خرج بها طلاب المدارس والجامعات هي حق التظاهر فقط لطلبة الجامعات، لانهم اهم شرائح المجتمع واما عن خروج طلاب المدارس فمن الخطر على تلك الاعمار التي تخرج البعض بهم من دون علم الاهل، وهذا لايجوز زجه في المشاركة في التظاهر واذا اقتظى الامر فسيسمع صوته عن طريق وقفه داخل اسوار المدارس.

مصدر في جامعة تكريت طلب عدم ذكر اسمه تحدث لوكالة “يقين” أن الأمن الجامعي في داخل الحرم الجامعي قام بالإعتداء على بعض الطالبات والطلبة، وصلت لحد الضرب والشتم، وهذا ما أكده لوكالتنا أكثر من مصدر داخل جامعة تكريت.

وأشار المصدر أن هذا الأمر يعد إنتهاكاً للحرمة والقدسية الجامعية من جهة وإعتداءاً على حرية الرأي من جهة أخرى، بحسب قوله.

وليس ببعيد هناك في جامعة الأنبار، فأكد عدد من الطلبة الجامعيين أنهم يحاولون الخروج بوقفات مساندة للتظاهرات السلمية داخل الجامعة، او القيام بحملات تبرع بالمال لمساندة المعتصمين في ساحة التحرير، إلا ان الجامعة رفضت ذلك في أكثر من موقف، بحجة أن الوضع الأمني في المحافظة لا يسمح، والحفاظ على سلامة الطلاب من الإعتقال أو التهم الكيدية هو أهم ما تفكر به الجامعة، لأن من يتحدث أو يدعو للتضامن والإحتجاج يتم إعتقاله وفق المادة ٤ إرهاب، وهذا ما حصل مع الناشط المدني “سمير الفرج” الذي نشر عبر صفحته الشخصية في فيس بوك تغريدة طالب فيها التضامن مع الإحتجاجات السلمية، مما تسببت بإعتقاله من قبل قوة أمنية في ساعات متأخرة من الليل.

وفي تقريرها الأخير قالت مفوضية حقوق الإنسان في العراق إن تظاهرات الطلاب قُمعت بالهراوات والغاز المسيل للدموع، مشيرةً إلى أن عدداً كبيراً منهم دخل إلى المستشفيات بسبب الاختناق.

ولغاية هذا اليوم لاتزال الامواج البيضاء تملأ الشوارع وساحات التظاهر دعماً ومساندة للمتظاهرين المطالبين بحقوقهم المشروعة، مع تواصل الاعتصامات والاحتجاجات التي تستمر لليوم السادس على التوالي في بغداد والبصرة وميسان والناصرية وبابل والنجف وكربلاء و واسط ، والتي لافقتها أعمال عنف واشتباكات وحرق مقرات بعض الأحزاب، حيث أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات الأشخاص.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات