تدخل التظاهرات العراقية أسبوعها الثالث وسط تزايد الضغط على الحكومة والكتل السياسية من قبل المتظاهرين الذين دشنوا خطوات احتجاجية جديدة وجريئة، فما بين الاعتصامات والإضراب عن الدوام، عمد المتظاهرون إلى إغلاق عشرات المؤسسات الحكومية ومنع العمل فيها من خلال وضع يافطات على واجهاتها تنص على “مغلق بأمر الشعب”.

خطوات جريئة للمتظاهرين

“الغاية تتمثل بالضغط المستمر على الحكومة وإخضاعها وعدم السماح لأجهزتها الأمنية القمعية ببمارسة مهامها بحرية”

تزداد التظاهرات العراقية إصرارا على تنفيذ المطالب المتمثلة بإسقاط النظام السياسي الحالي والعملية السياسية التي أنتجت هذا النظام قبل 16 عاما، يقول أستاذ العلوم السياسية “خالد عبد الإله” في حديثه لوكالة “يقين” إن التظاهرات العراقية الحالية خلقت حالة من الصدمة للحكومة والكتل السياسية الحالية، إذ لم تتوقع هذه الأحزاب والكتل أن تواجه الشعب العراقي بكافة أطيافه متحدا على هدف واحد وهو إسقاط العملية السياسية الحالية وإخراج الأحزاب الحاكمة من سدة الحكم في البلاد.

وعن الخطوات التصعيدية التي اتخذها المتظاهرون في سبيل زيادة الضغط على الحكومة، أشار عبد الإله إلى أن المتظاهرين وبعد أكثر من شهر على بدء احتجاجاتهم لم يلحظوا أي تطور في خطاب الحكومة أو معالجتها للمشاكل الحالية مع عدم الاستجابة لأي من مطالبهم، ما حدا بالمتظاهرين إلى تصعيد كبير في الشارع يتمثل بالعصيان المدني والاعتصامات وشل حركة السير في قلب العاصمة بغداد فضلا عن إغلاق المتظاهرين العديد من الوزارات والمؤسسات والمقار الحكومية من خلال منع الوصول اليها وكتابة يافطات على واجهاتها تفيد بأنها مغلقة بأمر الشعب.

من جهته، يشير الناشط البصري “سليم الفريجي” في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن الشباب المنتفض في البصرة ومنذ أول يوم للتظاهرات حاولوا وعمدوا إلى إغلاق عدد من المؤسسات من بينها مجلس المحافظة وديوانها وعدد من المؤسسات الحكومية.

وعن أسباب إقدام المتظاهرين على مثل هذه الأفعال، يؤكد الفريجي أن الغاية تتمثل بالضغط المستمر على الحكومة وإخضاعها وعدم السماح لأجهزتها الأمنية القمعية ببمارسة مهامها بحرية.

“إقدام المتظاهرين على إغلاق المؤسسات الحكومية بأمر الشعب يعد خطوة جريئة جدا من قبل المتظاهرين”

ويختتم الفريجي حديثه بالتأكيد على أن الإغلاق باسم الشعب هو حق شرعي للمتظاهرين ضد مؤسسات حكومية ساهمت منذ 16 عاما في اذلال العراقيين ونهب خيراتهم، مؤكدا على أن العصيان المدني والاعتصامات ستزداد يوما بعد آخر، وألا تراجع عن أهداف ثورة تشرين.

ومن البصرة إلى الناصرية، حيث أول محافظة عراقية بدأت إغلاق المؤسسات باسم الشعب، الصحفي “ثائر خالد” يكشف من جانبه عن أن فكرة الإغلاق بأمر الشعب خرجت من مدينة الناصرية، إذ أن الاستخدام المفرط للقوة تجاه المتظاهرين وبسبب العدد الكبير للشهداء والجرحى، عمد المتظاهرون إلى إغلاق المؤسسات الحكومية الرئيسية باسم الشعب؛ لايصال رسالة واضحة للحكومة وجلاوزتها بأن الشعب العراقي ومع بداية انتفاضة تشرين لن يسكت عن حقه في ثروات بلده وحقوقه الشرعية الاخرى التي سلبت منه سنوات طويلة.

وعن الخطوات الأخرى التي من المرتقب أن يتجه نحوها المتظاهرون، أكد خالد على أن المتظاهرين لديهم خطوات لاحقة لتصعيد الموقف تجاه الحكومة خاصة أن الأخيرة لا تزال تتغافل عن مطالب المتظاهرين، لافتا إلى أن الاعتصامات الطلابية قد تشهد موجة اخرى أشد مع إضراب مستمر لطلاب الجامعة، إضافة إلى خطوات أخرى سيراها الشارع قريبا.

تصعيد ثوري يؤرق الحكومة

بعد دخول التظاهرات العراقية شهرها الثاني بات التصعيد الحكومي تجاه المتظاهرين هو سمة الموقف في بغداد والمحافظات المنتفضة، إذ أن الاعتصامات والاضرابات والعصيان شل عمل الحكومة والبرلمان تزامنا مع تصاعد أعمال العنف تجاه المتظاهرين السلميين.

وفي هذا الصدد، يقول الباحث في علم النفس السياسي “حسين صالح” في حديثه لوكالة “يقين” إن الثورات الشعبية وعلى مدى تاريخها اعتمدت على فئة الشباب في إيقاد شمعتها ثم تحولها وتطورها إلى ثورات عارمة تطيح بالحكومات الفاسدة.

“بات التصعيد الحكومي تجاه المتظاهرين هو سمة الموقف في بغداد والمحافظات المنتفضة”

وعن الأفعال الجريئة للمتظاهرين ومجابهتهم للقمع الحكومي، أوضح صالح أن إقدام المتظاهرين على إغلاق المؤسسات الحكومية بأمر الشعب يعد خطوة جريئة جدا من قبل المتظاهرين الذين اكتشفوا أن الحكومة تماطل في تلبية مطالبهم، وأن لا سبيل للضغط على الحكومة إلا من خلال إغلاق المؤسسات وتعطيل الدوام الرسمي.

وعن تاريخ مثل هذه الافعال، يشير صالح إلى أن ثورات عديدة حول العالم، أقدم فيها المتظاهرون على إغلاق المؤسسات الحكومية خاصة الفاسدة منها، وذلك من أجل تصعيد الموقف تجاه الحكومة، لافتا إلى أن خطوة إغلاق المؤسسات باسم الشعب أرقت الحكومة وسلطت مزيدا من الضغط على مختلف الكتل السياسية.

أما الناشط المدني من العاصمة بغداد “منتظر الربيعي” فيؤكد في حديثه لوكالة “يقين” أن المتظاهرين ومن خلال أفعالهم البطولية استطاعوا شل عمل معظم الوزارات والمؤسسات الحكومية، إذ عمد المتظاهرون أولا إلى قطع 3 جسور ثم قطع الطرق السريعة وإحراق الاطارات فيها لمنع مرور المركبات وهذا كله ساهم في تثبيت العصيان المدني في مناطق عديدة من العاصمة بغداد.

ويضيف الربيعي أن الخطوة الاخرى التي لجأ اليها المتظاهرون هي إغلاق كامل لبعض المؤسسات الحكومية من خلال محاصرتها من قبل المتظاهرين ثم وضع يافطات مكتوب عليها “مغلق باسم الشعب” مشيرا إلى أن هذه الخطوة الجريئة انتشرت في 5 محافظات.

مآلات خطيرة

أثارت موجة التظاهرات الشعبية الواسعة في العراق الرأي العام العالمي، إذ كتب الصحفي الأمريكي “جوناثان توريس” في مقال له إن العراق يعيش الآن مخاض التخلص من التبعية الإيرانية، وهي عملية صعبة للغاية قد تنجح لكن ثمنها سيكون غاليا.

ويضيف توريس أن الهيمنة الإيرانية على العراق متغلغلة في كافة مفاصله السياسية والاقتصادية وأن إيران لن تتخلى عن مكاسبها بسهولة، لافتا إلى أن الهيمنة والكهنوت الإيراني لم يعد يحظى بأي مقبولية في الشارع العراقي الذي بات رافضا لكل ما له علاقة بإيران.

“الهيمنة الإيرانية على العراق متغلغلة في كافة مفاصله السياسية والاقتصادية”

وتستمر آلة القتل والتنكيل بالمتظاهرين في بغداد والمحافظات وسط توقعات بأن الأيام القادمة قد تشهد محاولة الحكومة فض الاعتصامات والتظاهرات بالقوة.

وفي هذا الصدد يحذر عضو مفوضية حقوق الإنسان “علي البياتي” من أن تشهد ساحات التظاهر مزيدا من القمع، خاصة أن بعض القوات الأمنية عادت لاستخدام الرصاص الحي تجاه المتظاهرين.

وفي حديثه لوكالة “يقين” طالب البياتي المتظاهرين في جميع المحافظات بعدم الاحتكاك مع القوات الأمنية وتجنب الصدام معها، تجنبا لسقوط مزيد من الضحايا، بحسبه.

تستمر التظاهرات العراقية وتستمر معها الة القمع والتنكيل، وسط ابداع المتظاهرين وإغلاقهم لعدد كبير من الممؤسسات الحكومية باسم الشعب.