مع الزخم الكبير الذي لا تزال التظاهرات العراقية تشهده بعد انقضاء شهرين على بداياتها، يجمع كثير من الناشطين والمشاركين في هذه التظاهرات على أن لا مفاوضات مع الحكومة أو البرلمان، إذ أن وقت المفاوضات قد انقضى وبات رحيل الطبقة السياسية الحالية هي عنوان المطالب الذي تنادي به ساحات الاعتصام في مختلف المحافظات العراقية.

وفي الوقت الذي نفى فيه المتظاهرون نيتهم التفاوض مع الحكومة، نفوا كذلك ترشيح أي شخصية لتكون متحدثة باسم المتظاهرين بعد أن كشفت وسائل إعلام عراقية محلية عن أن المتظاهرين رشحوا شخصية معينة للقيام بهذا الدور.

إصرار المتظاهرين

“الطبقة السياسية الحالية يبدو أنها لا تريد أن تستوعب حجم الرفض الشعبي لها”

لا يزال المتظاهرون العراقيون متمسكون بمطالبهم التي خرجوا من أجلها في الأول من تشرين الأول / اكتوبر الماضي والتي لا تزال مستمرة حتى اللحظة، مطالب يكاد يكون الاجماع عليها سيد الموقف في ساحات التظاهر والاعتصام.

الناشط المدني وأحد المشاركين في التظاهرات “علي عبد الخالق” كشف في حديثه لوكالة “يقين” عن أن الطبقة السياسية الحالية يبدو أنها لا تريد أن تستوعب حجم الرفض الشعبي لها وأن جميع ما قدمته من تنازلات شكلية واستقالة حكومة عبد المهدي مؤخرا لم يكن من أولوياتها.

وعن ماهية المطالب وتحديدها، أوضح عبد الخالق أن المطالب واضحة جدا وتتمثل برحيل جميع الطبقة السياسية الحالية ومن معها من أحزاب وشخصيات تسلمت المناصب والوزارات خلال الـ 16 عاما الماضية، لافتا إلى أن ذلك يتم من خلال حل البرلمان وتعيين حكومة مؤقتة يمتد عملها لـ 6 أشهر فقط، وتكون تحت الوصاية الدولية، إذ تعمل هذه الحكومة على التمهيد لوضع دستور جديد للبلاد يبتعد كليا عن المحاصصة السياسية والطائفية ثم تشريع قانون انتخابات جديد يعتمد الدوائر المتعددة لا الأحادية، ثم إقامة انتخابات نزيهة بإشراف دولي.

“أكثر من شهرين من التظاهرات، استطاع أساتذة القانون حصر مطالب المتظاهرين التي لا تخرج عن مطالبتهم بزوال جميع الكتل السياسية والأحزاب”

وأضاف عبد الخالق أن ذلك يسبقه حل جميع الأذرع العسكرية للفصائل المسلحة خارج إطار الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية الحكومية، مع تقديم رؤوس الفساد إلى المحاكم والعمل على استرداد ما سرق من أموال وثروات، وذلك يكون من خلال معرفة الحسابات الختامية للموازنات الاتحادية للبلاد منذ عام 2003، فضلا عن كشف ما تم تهريبه من النفط، وهذه جميعها يمكن العمل عليها من خلال فريق قانوني عراقي يمكن له أن يداعي بحقوق العراقيين أمام المحافل الدولية.

مطالب واضحة

من جهته يرى الخبير القانوني “إبراهيم الجلبي” في حديثه لوكالة “يقين” أنه وبعد أكثر من شهرين من التظاهرات، استطاع أساتذة القانون حصر مطالب المتظاهرين التي لا تخرج عن مطالبتهم بزوال جميع الكتل السياسية والأحزاب التي انبثقت بعد عام 2003 ومحاكمة الفاسدين واسترداد أموال العراق المنهوبة فضلا عن محاكمة من تسبب بقتل وجرح أكثر من 18 ألف متظاهر حتى الآن.

ويؤكد أن هذه المطالب كانت واضحة للغاية، خاصة مع تقديم مبعوثة الأمم المتحدة للعراق “جينين هينيس بلاسخارت” إحاطتها إلى مجلس الامن الدولي، والتي ذكرت فيه أن الفساد أرهق العراقيين وأن الحكومة استخدمت جميع وسائل العنف للاطاحة بهذه التظاهرات.

“الكثير من ساسة المنطقة الخضراء يصرحون ويعلنون أن مطالب المتظاهرين ليست واقعية”

وأضاف الجلبي أنه وعلى الرغم من أن الكثير من ساسة المنطقة الخضراء يصرحون ويعلنون أن مطالب المتظاهرين ليست واقعية، إلا أن الأمر خلاف ذلك، إذ أن التجربة العراقية ليست الوحيدة في هذا المجال، فقد سبق لمتظاهرين في دول عدة المناداة بذات المطالب التي تصدح بها حناجر العراقيين، فالثورة البرتقالية في أوكرانيا كانت شبيهة بما يحدث في العراق رغم أنها لم تحصد أرواح مئات الضحايا كما هو الحال الذي تمر به البلاد اليوم.

وعن الخطوات التي يمكن فيها التصدي لهذه المطالب وتنفيذها من الناحية القانونية، أشار الجلبي إلى أن الدستور النافذ في العراق يمكن التعويل عليه في قيادة مرحلة انتقالية تبنى عليها الالتزامات التي يطالب بها المتظاهرون.

وأضاف الخبير القانوني أن على رئاسة الجمهورية أولا أن تتسلم ملف إدارة الحكومة من حكومة تصريف الأعمال الحالية ثم يتقدم رئيس الجمهورية بحل البرلمان، بعدها يصاغ إلى تشكيل لجان قانونية مؤقتة ترسم للبلاد خارطة الطريق للمسار الانتقالي، إذ يعمل أعضاؤها على البدء بكتابة دستور جديد للبلاد تعالج فيه جميع الثغرات التي شهدها العراق خلال الـ 16 عاما الماضية، مع ضرورة أن تكون الأمم المتحدة هي الكفيلة بحماية هذه اللجان من خلال بعثتها أو من خلال تشريع مجلس الأمن الدولي لقرار يلزم العراق ومن يحمل السلاح فيه بعدم التدخل في المجال السياسي.

ويختتم الحلبي حديثه بالتأكيد على أن لا أمل في الطبقة السياسية الحالية في الانصياع لمطالب المتظاهرين في ظل تمسكهم بالمحاصصة والفساد والطائفية، مشيرا إلى أن العراق وفي حال استمرار الوضع على ما هو عليه فإن الايام القادمة ستشهد مزيدا من التصعيد الذي لا ينذر سوى بسقوط مزيد من الضحايا، بحسبه.

نفي للتخويل

انتشرت في الايام الماضية أخبار تناقلتها العديد من وسائل الاعلام المحلية تفيد بأن المتظاهرين خولوا الناشط السياسي والباحث “أحمد الأبيض” للتحدث باسمهم، إلا أن اللجنة العليا المنظمة للتظاهرات في العراق نفت ذلك في بيان واضح على شبكات التواصل الاجتماعي.

إذ كشف بيان اللجنة أن المتظاهرون لم يخولوا أحدا للحديث باسمهم وأن كل عراقي شريف سواء كان في العراق أو في خارجه يستطيع التحدث باسم الثورة العراقية، نافيا أن يكون المتظاهرون قد خولوا “أحمد الأبيض” أو غيره للتحدث باسم الثورة، بحسب البيان.

“هذه التظاهرات شعبية بامتياز وأن لا أحدا مخولا بالحديث نيابة عنها في ظل عدم وجود أي غطاء سياسي حزبي لها”

وفي السياق، أكد ناشط سياسي وإعلامي في ساحة التحرير والذي فضل التعريف عن اسمه بـ (م. ع) أن ساحة التحرير وبعد كم الدماء التي شهدتها من المتظاهرين لا يمكن أن تختزل أصوات آلاف العراقيين في متحدث واحد.

وكشف عن أن طبيعة التظاهرات العراقية تختلف عما شهده العراق مسبقا من تظاهرات، إذ أن هذه التظاهرات شعبية بامتياز وأن لا أحدا مخولا بالحديث نيابة عنها في ظل عدم وجود أي غطاء سياسي حزبي لهذه التظاهرات، فمن يشارك فيها هم شباب من مختلف المكونات والديانات والثقافات وبقاء التظاهرات على شكلها الحالي أفضل لها، وأسلم من أن تتم اختزال منجزاتها في تخويل شخصية معينة للتفاوض باسمها مع الحكومة أو البرلمان.

ولفت الناشط إلى أنه من غير المعقول أو المنطقي أن تفوض ساحات التحرير من يتحدث مع الحكومة أو البرلمان في ظل رفض المتظاهرين للحكومة والبرلمان معا، وبالتالي فإن هذه التسريبات الاعلامية وما تناولته بعض وسائل الاعلام ما هو إلا محاولة لإختزال التظاهرات في شخصيات معينة يمكن التأثير عليها من أجل انهائها، بحسبه.

ثبات المتظاهرين

أما الباحث في الشأن السياسي العراقي “إحسان الشمري” فق أكد على أن ثبات المتظاهرين واستمرارهم في نهجهم السلمي هو استكمال لمسيرة النصر التي كان المتظاهرون العراقيون قد بدأوها في الأول من تشرين الأول/ اكتوبر الماضي.

وأضاف في حديثه لوكالة “يقين” أن جميع من يراهن على تراجع التظاهرات وهزيمة الشعب واهم جدا، لافتا إلى أن المتظاهرين العراقيين وبثورتهم كشفوا عن ثورة اسطورية قل نظيرها في العالم، إذ لم تستطع أي ثورة الصمود بوجه هذا الكم من القمع والعنف المتعمد والمخطط له مسبقا.

أما الصحفي “طه الربيعي” وفي حديثه لوكالة “يقين” فق أكد على أنه ومن خلال تواجده في ساحة التحرير في بغداد لأجل تغطية التظاهرات خلال الشهرين الماضيين، فإنه لم يجد أن هناك متحدثين رسميين أو ناطقين باسم الثورة أو الشباب المتظاهرين.

وأضاف الربيعي أن من يعايش التظاهرات ليومين أو ثلاثة، فإنه سيدرك بعدها أن ما يحصل هو انتفاضة شعبية غير مؤدلجة وغير سياسية، إذ أنها شعبية خدماتية توعوية ترمي إلى خلاص البلاد مما تعيشه من أزمات متراكمة ومتصاعدة منذ أكثر من عقد ونصف من الزمان.

واختتم الربيعي حديثه بالكشف عن أن المتظاهرين يعدون العدة للانطلاق بموجة ثالثة من التظاهرات تبدأ يوم الـ 10 من كانون الأول/ ديسمبر الجاري وسط توقعات بأنها ستكون مفصلية، بحسبه.

وتستمر التظاهرات العراقية إذن في مختلف المحافظات العراقية ومن ضمنها بغداد، وسط تأكيد على استمرار ذات المطالب مع نفي صريح وواضح من المتظاهرين بأنهم لم يخولوا أحدا للحديث باسمهم أو بالتفاوض نيابة عنهم.