بعد شد وجذب طويلين وبعد أسابيع ماراثونية بين الكتل السياسية، أقر مجلس النواب الثلاثاء 24 من كانون الأول/ ديسمبر الجاري قانون انتخابات جديد في البلاد، إذ جاء تشريع هذا القانون بعد تظاهرات شعبية واسعة عمت غالبية المحافظات العراقية وأدت إلى مقتل وإصابة ما يقرب من 20 ألف عراقي.

فما هي مواد القانون الجديد، وما حيثياته، خاصة أن العديد من النواب أشاروا إلى العديد من الثغرات والألغام التي وصفت بانها مطبات ستستغلها الكتل السياسية في اي انتخابات قادمة؟

أهم ما جاء في القانون

صوت مجلس النواب الأسبوع الماضي على قانون الانتخابات الجديد باستثناء المادتين الـ 15 والـ 16، إذ يقول النائب عن سائرون “برهان المعموري” في حديثه لوكالة “يقين” إن أهم ما نص عليه قانون الانتخابات الجديد هو التحول من نظام التمثيل النسبي الذي يعد كل محافظة عراقية دائرة انتخابية واحدة تشترط الانضواء داخل قائمة انتخابية، إلى نظام الترشيح الفردي، فضلا عن أن القانون اعتبر كل قضاء عراقي دائرة انتخابية واحدة.

“القانون الجديد لن يزيح الطبقة السياسية الحاكمة بل سيعمل على تكريسها”

ويضيف أن هذا القانون سيقلص كثيرا من نفوذ الأحزاب السياسية التي دائما ما وصلت إلى البرلمان عن طريق قوائمها الانتخابية القوية، لافتا إلى أن اعتماد عدد الأصوات للفائزين يعد ضربة قوية للنظام القديم الذي كان يستخدم نظام (سانت ليغو) الذي أضر بالعراق وبالانتخابات كثيرا.

وأشار إلى أن القانون الجديد سيمكن فئة الشباب والكفاءات من الفوز في حال ترشحهم، إذ أن الشعب سيختار بوضوح من يراه مناسبا دون أن يكون للأحزاب رأي في ترجيح كفة أحد المرشحين على الآخر.

من جانبه أكد المحلل السياسي “رياض الزبيدي” في حديثه لوكالة “يقين” على أن تمرير البرلمان للقانون الجديد جاء بعد محاولات كتل كثيرة التعديل عليه، إلا أن البرلمان نجح في تمريره.

وأشار الزبيدي إلى أن أهم ما يميز القانون الجديد أنه خلص العراقيين من نظام سانت ليغو الذي كان يعتمد معادلة معقدة للغاية وغير مريحة، كما أنها كانت تمكن رؤساء الكتل من التحكم بالمرشحين وفق الأرقام والحصص وتوزيع الأصوات الفائضة.

وعلى الرغم من التخلص من نظام سانت ليغو، إلا أن الزبيدي يرى أن القانون ورغم تمريره، غير أنه يضم الكثير من الثغرات والعثرات والعناوين التي لها أكثر من تفسير، لافتا إلى أن القانون الجديد اعتمد على البطاقة الالكترونية في التصويت ولم يلزم المفوضية باستخدام بطاقة البايومتري التي لا يمكن استخدامها إلا لمرة واحدة فقط، على عكس البطاقة الالكترونية التي يمكن استخدامها بتكرار غير محدود وغير مسيطر عليه.

ثغرات وألغام في القانون الجديد

على الرغم من تمرير قانون الانتخابات الجديد في العراق، إلا أن العديد من النواب والمحللين اعتبروا أن القانون الجديد لن يزيح الطبقة السياسية الحاكمة بل سيعمل على تكريسها، فضلا عن أن القانون الجديد سيؤدي إلى ازدياد المشاكل السياسية.

“اعتماد كل قضاء في العراق دائرة انتخابية واحدة أغفل أن هناك الكثير من المحافظات استحدثت أقضية لم تعتمدها الحكومة حتى الان”

إذ يقول النائب “أحمد الجربا” إن قانون الانتخابات الجديد سيؤدي إلى تقسيم البلاد، مشيرا إلى أن القانون الجديد لم يراعي وضع العراق وكم المشاكل التي لا تزال قائمة حتى الان ومنذ 16 عاما.

وأشار في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن اعتماد كل قضاء في العراق دائرة انتخابية واحدة أغفل أن هناك الكثير من المحافظات استحدثت أقضية لم تعتمدها الحكومة حتى الان، إضافة إلى أن هناك الكثير من الأقضية التي لا تزال محل صراع بين حكومة كردستان والحكومة الاتحادية ضمن ما يعرف بالمناطق المتنازع عليها، ومنها قضاء الشيخان والحمدانية وسنجار وغيرها الكثير.

وأضاف الجربا أن مشكلة أخرى سيؤدي إليها القانون الجديد وتتمثل بأن هناك أقضية يقل عدد سكانها عن 100 ألف نسمة وهو الرقم الذي اعتمد أنه يمثل مقعدا نيابيا، وبالتالي لجأ القانون الجديد إلى حل مفاده أن القضاء (الوحدة الإدارية) الذي يقل عدد سكانه عن 100 ألف يدمج مع قضاء آخر، وهذا ما سيؤدي بحسب الجربا إلى خلافات كبيرة خاصة في محافظات وسط وجنوب البلاد التي تعرف بخلافاتها العشائرية الكبيرة.

“ثغرة وضعتها الكتل السياسية عند تمرير القانون وتتمثل باعتماد البطاقة الالكترونية والعد الالكتروني دون اليدوي”

في الشأن ذاته، يقول النائب “باسم خشان” في حديثه لوكالة “يقين” إن القانون الجديد وعلى الرغم من اعتماده على الترشيح الفردي، إلا أنه لن ينهي سطوة الكتل السياسية الكبيرة.

وأضاف أن نظام الدوائر المتعددة سيمنح أصحاب المال من الكتل السياسية فرصة كبيرة ومريحة لشراء أصوات الناخبين، خاصة في الأقضية النائية، إذ أن جميع الكتل السياسية ستعمد إلى ترشيح شخصياتها وفق الدوائر المتعددة وستمدهم بالاموال اللازمة، وبالتالي يمكن لهم الفوز من خلال المال، إضافة إلى التزوير من خلال اعتماد البطاقة الالكترونية الانتخابية وعدم اعتماد العد اليدوي.

ويختتم خشان حديثه بالإشارة إلى أن البرلمان وبتمريره لقانون الانتخابات الجديد، فإنه أغفل أن تنفيذ القانون من خلال الانتخابات النيابية التي يفترض أن تكون مبكرة لن يكون في متناول اليد، إذ أن القانون الجديد يتطلب تحضيرات لوجستية كبيرة جدا فضلا عن تعداد سكاني شامل، وهذا غير متوفر حتى الآن.

هفوات وانتكاسة جديدة

من جانبه، يرى أستاذ القانون الدستوري “محمد خالد” أن القانون الجديد وعلى الرغم من بعض ميزاته التي تبدو للوهلة الأولى أنها ستحد من نفوذ الكتل السياسية، إلا أن هناك ألغام كثيرة وهفوات قد تؤدي إلى بقاء الوضع الحالي على ما هو عليه.

وأشار في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن أولى هفوات القانون الجديد سماحه لكل من يحمل شهادة الاعدادية في الترشيح للانتخابات ما يعد انتكاسة جديدة، إذ كيف يمكن لشخص أن يمثل الشعب في البرلمان ولم يحصل على تعليم عالي.

ولفت خالد إلى أن ثغرة أخرى وضعتها الكتل السياسية عند تمرير القانون وتتمثل باعتماد البطاقة الالكترونية والعد الالكتروني دون اليدوي، ما سيمهد الطريق للكتل السياسية في تزوير منقطع النظير في أي انتخابات قادمة، إذ أن البطاقة الالكترونية والأجهزة المستخدمة في قراءتها لا تعطي أي امكانية للوصول إلى عدد المرات التي استخدمت فيها البطاقة الواحدة.

واختتم خالد حديثه بالإشارة إلى أن كان يجب على البرلمان أن يحدد أطرا واضحة للقانون وأن يضمن القانون العد اليدوي في الانتخابات القادمة حتى استكمال البطاقات البايومترية التي يصعب الانتخاب فيها لأكثر من مرة واحدة، مؤكدا على أن القانون لم يوضح مصير النازحين الذين لا يزالون ممنوعين من العودة إلى مناطقهم، إضافة إلى أن القانون عرّف النازح والمهجر بأنه ذلك المسجل في وزارة الهجرة، وهذا غير منطقي إذ أن هناك عشرات آلاف النازحين والمهجرين غير مسجلين لدى وزارة الهجرة أساسا.

“كان يجب على البرلمان أن يحدد أطرا واضحة للقانون وأن يضمن القانون العد اليدوي في الانتخابات القادمة”

أما الصحفي “أنس العبيدي” فيعتقد في حديثه لوكالة “يقين” أن تشريع قانون انتخابات جديد لا قيمة له من الناحية العملية، إذ أن المادة الـ 15 من القانون نصت على أن تزود وزارة التخطيط مفوضية الانتخابات بعدد نفوس كل قضاء، وهنا تكمن المشكلة.

ويتساءل العبيدي قائلا: “كيف يمكن لوزارة التخطيط مثلا أن تزود المفوضية بعدد نفوس قضاء الشيخان في محافظة نينوى مع أن هذا القضاء ومن الناحية العملية يتبع سلطة كردستان منذ 16 عاما، فضلا عن قضاء النخيب المترامي الأطراف ومدينة كركوك التي لا تعرف لها أي إحصائيات دقيقة في ظل تبادل السيطرة عليها بين الاقليم والحكومة الاتحادية، فضلا عن غياب أي احصاء سكاني معتمد”.

هي ألغام كثيرة وثغرات قانونية وعملية شملها قانون الانتخابات الجديد في العراق، في ظل تساؤلات شعبية عن إمكانية تنفيذ انتخابات مبكرة مع التظاهرات الشعبية الواسعة التي ترفض ترشيح أي شخصية لتبوأ منصب رئيس الوزراء الذي سيكون مشرفا على أي انتخابات قادمة.