مطالبة هنا ورفض هناك، بهذه العبارة يمكن اختصار الواقع السياسي العراقي المتعلق بمطالبة بعض القوى السياسية في العراق بخروج القوات الأمريكية.

قصة المطالبة بالخروج الأمريكي من العراق جاءت بعد أن استهدفت مقاتلات أمريكية معسكرات لميليشيا حزب الله العراقي في محافظة الانبار غربي العراق في نهاية شهر كانون الأول/ ديسمبر 2019، إذ جاء الرد الأمريكي عقب قصف ميليشيات الحشد قاعدة k1  العراقية في كركوك والتي تتواجد فيها قوات أمريكية ما أدى إلى مقتل متعاقد أمريكي.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ وفي الساعة الاولى ليوم الجمعة الـ 3 من كانون الثاني/ يناير الجاري جاء الرد الأمريكي المدوّي على محاصرة واقتحام السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء، لتغتال واشنطن بهذه الغارة قائد فيلق القدس الإيراني “قاسم سليماني” ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي “أبو مهدي المهندس” ليصوت البرلمان بعدها بثلاثة أيام على قرار يطالب القوات الأمريكية بالخروج من العراق.

 

قصة الوجود الأمريكي

دخلت الولايات المتحدة العراق غازية في شهر نيسان/ ابريل 2003 لتصبح الولايات المتحدة رسميا قوات احتلال في العراق، استمر الوجود العسكري في البلاد حتى عام 2011، عندما خرجت من البلاد وفق اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين واشنطن وبغداد الموقعة في بداية عام 2009.

وفي هذا الصدد، يقول الأكاديمي والخبير في القانون الدولي “ياسر العادلي” في حديثه لوكالة “يقين” إن اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين واشنطن وبغداد كانت تنص في أهم بنودها على أن واشنطن ستقدم الدعم الكامل للعراق في حال تعرضه لأي نكبة أمنية، وهذا ما حدث بالفعل في عام 2014، عندما اجتاح مقاتلو تنظيم الدولة (داعش) مساحات واسعة من العراق، ما دعا حكومة المنطقة الخضراء إلى أن تستدعي القوات الأمريكية لتشكل الأخيرة تحالفا دوليا لمحاربة التنظيم.

” الاتفاقية الأمنية بين البلدين تنص على أن رحيل القوات الأمريكية يتم بطلب من الحكومة العراقية “

وعن مطالبة البرلمان برحيل القوات الأمريكية في الـ 5 من كانون الثاني/ يناير الجاري، يؤكد العادلي أن البرلمان صوت على قرار وليس قانون، وبالتالي فإن هذا القرار ووفق ما هو متعارف عليه بين المشرعين، فإنه يؤخذ من باب الاستئناس وليس الالزام.

ويضيف أن الاتفاقية الأمنية بين البلدين تنص على أن رحيل القوات الأمريكية يتم بطلب من الحكومة العراقية حصرا، بعدها يتم منح جيش الولايات المتحدة مدة عام كامل للانسحاب من البلاد، إلا أن ما يبطل هذا القرار جملة وتفصيلا أنه لا حكومة في العراق، إذ أن حكومة عبد المهدي مستقيلة وهي لتصريف الاعمال ليس الا، فضلا عن أن البرلمان طالب برحيل فوري، وهذا خلاف ما تنص عليه الاتفاقية، بحسب العادلي.

 

مطالبات الرحيل

يبلغ تعداد القوات الأمريكية في العراق أكثر من 5 آلاف جندي موزعين على عدة قواعد عسكرية في شمال وغرب البلاد، إذ تتواجد القوات الأمريكية بصورة رئيسة في قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار إضافة إلى قاعدة الحبانية في الأنبار أيضا، كما تنتشر قوات أمريكية في قاعدة القيارة وفي قيادة العمليات في محافظة نينوى، إضافة إلى تواجد أمريكي في قاعدتي بلد الجوية و k1 في محافظتي صلاح الدين وكركوك، وتواجد آخر في مطار بغداد الدولي.

يقول النائب في البرلمان عن تحالف الفتح “حسين سالم” في حديثه لوكالة “يقين” إن القوات الأمريكية باتت قوات احتلال رسميا بعد قرار البرلمان بإخراجها، لافتا إلى أن الولايات المتحدة خرقت السيادة العراقية في أكثر من موضع وأهمها اغتيال “قاسم سليماني” و”أبو مهدي المهندس” بعد خرق سابق لهذه الحادثة تمثل باستهداف معسكرات الحشد الشعبي في الأنبار الذي أسفر عن مقتل 25 عنصرا من الحشد.

وفي حديثه لوكالتنا أشار إلى أن التواجد الأمريكي في البلاد بات غير شرعي بعد أن قرر ذلك ممثلو الشعب في البرلمان، عادا التلاعب الأمريكي بالتصريحات مماطلة لكسب الوقت ليس إلا، بحسب سالم.

أما المحلل السياسي “رياض الزبيدي” أوضح في حديثه لوكالة “يقين” أن مطالبة الكتل السياسية بخروج القوات الأمريكية من البلاد جاء ردا على اغتيال سليماني والمهندس، لافتا إلى أن أي ادعاءات بالوطنية في هذا القرار هو “محض كذبة”، مشيرا إلى أنه لولا الغزو الأمريكي لما وصلت هذه الكتل إلى سدة الحكم في العراق منذ ما يقرب من 17 عاما، بحسبه.

“الكتل الكردية وغالبية النواب السنة لم يصوتوا على قرار خروج القوات الأمريكية”

وأضاف الزبيدي أن اللافت فيما اتخذه البرلمان من قرار في الـ 5 من كانون الثاني/ يناير الجاري أن الكتل الكردية وغالبية النواب السنة لم يصوتوا على قرار خروج القوات الأمريكية، ما يعكس بونا كبيرا في وجهات النظر وخلافا سياسيا كبيرا يزيد من حدة الانقسامات داخل قبة البرلمان.

رئيس البرلمان الأسبق وزعيم تحالف القرار في البرلمان النائب “أسامة النجيفي” يقول إن “أي استئثار بقرار سيادي من طرف واحد يؤثر على الجميع، وأسلوب فرض الأمر الواقع، هو ضرب للوحدة الوطنية”، في إشارة واضحة للكتل الشيعية.

وأضاف النجيفي الذي يمتلك 11 نائبا في البرلمان في بيان صحفي اطلعت عليه وكالة “يقين” أنه لا يمكن لمجموعة تدعي تمثيل مكون واحد، أن ترسم سياسة البلاد وحدها وتدعي شرعية قرارها دون الرجوع إلى بقية المكونات، مشيرا إلى أن ما جرى في البرلمان يمكن وصفه بدكتاتورية الأغلبية ونقض لشراكة الوطن والمصير، بحسب نص البيان.

وتابع النجيفي قائلا: “إننا نسجل رفضنا لهذه القرارات ولسياسة الإملاء، فلسنا تبعا لأحد، بل أسياد وطننا، ولا نقبل بغير مصلحة العراق وشعبه الكريم”.

 

مواقف حكومية متناقضة

الخبير العسكري والضابط في الجيش العراقي السابق “خليل إبراهيم” وفي حديثه لوكالة “يقين” يؤكد على أن الولايات المتحدة لن تخرج من العراق، إذ أنها تعد العدة لتحويل قاعدة عين الأسد إلى قاعدة شبيهة بقاعدة أنجرليك الأمريكية في تركيا، وبالتالي لا يمكن لواشنطن التضحية بنفوذها وتواجدها في العراق.

ويضيف إبراهيم أن ترمب ليس أوباما، إذ يمثل الرئيس الأمريكي الحالي اللوبي الاقتصادي في واشنطن، وهذا اللوبي يتعامل وفق المصالح الاقتصادية بالدرجة الأولى، وبالتالي فقواعد واشنطن في العراق والتي انفقت عليها عشرات المليارات، لن يترها ترمب لميليشيات الحشد، بحسب تعبيره.

وكان الرئيس الأمريكي “دونالد ترمب” قد قال في تغريدة له على تويتر إن كلام المسؤولين العراقيين يختلف بين حديثهم لوسائل الاعلام عنه في الاجتماعات المغلقة، في إشارة إلى تناقض المواقف الرسمية المعلنة في البيانات الحكومية عنه في الاجتماعات التي تدور في الأروقة المغلقة.

“تستمر معارك كسر العظم بين واشنطن وطهران، لكنها هذه المرة تجري على الاراضي العراقية”

هي مواقف متناقضة عراقيا وأمريكيا، إذ أن المسؤول في الخارجية الأميركية “ماثيو كورنيل” قال الاثنين الـ 13 من كانون الثاني/ يناير الجاري إن حكومته تخوض مباحثات شاملة مع بغداد، مشيرا إلى أن تصويت البرلمان لإخراج قوات بلاده من العراق كان قرارا وليس قانونا، بحسبه.

من جانبه يرى الصحفي “وليد الجبوري” وفي حديثه لوكالة “يقين” أن مطالبة الكتل الشيعية بإخراج القوات الأمريكية “ما هي إلا زوبعة” قد تنتهي بانتهاء الأزمة المستفحلة بين طهران وواشنطن، لافتا إلى أن الكتل وبتصرفاتها غير المدروسة باتت إيرانية أكثر من الإيرانيين أنفسهم.

ولفت الجبوري إلى أنه فيما لو جلس الفرقاء في واشنطن وطهران على طاولة واحدة، فإن هذه المطالبات ستخف تدريجيا ولن يعود لقرار البرلمان في بغداد أي صدى حتى داخل الكتل الشيعية التي صوتت عليه.

تستمر معارك كسر العظم بين واشنطن وطهران، لكنها هذه المرة تجري على الاراضي العراقية التي باتت مسرحا لتصفية الحسابات الاقليمية والدولية في ظل غياب أي إرادة وطنية يمكنها أن تنتشل العراق من واقعه المر أو تجعله على الحياد على أقل تقدير.