لا تزال انتفاضة تشرين مستمرة على الرغم من كل العراقيل التي واجهتها، إذ ومنذ الأول من تشرين الأول/ اكتوبر الماضي خرج مئات آلاف العراقيين في تظاهرات واسعة بمختلف المحافظات الوسطى والجنوبية، وعدت الأكبر على الإطلاق.

تظاهرات خرجت للمطالبة بالحقوق واستعادة البلاد التي فقدت مئات مليارات الدولارات نتيجة الفساد وسوء الإدارة الذين كانا عنوان الـ 17 عاما الماضية، بحسب العراقيين.

وفي ظل القمع الذي مورس تجاه التظاهرات، جاءت جائحة كورونا لتشكل معضلة أخرى أمام المتظاهرين، إلا أن الإصرار على المطالب لم يجعل المتظاهرون يتراجعون عن أهدافهم طيلة الفترة الماضية، فهل سيتراجعون هذه المرة بسبب كورونا؟

إصرار بلا حدود

“المئات وفي بعض الأحيان الآلاف من المتظاهرين لا يزالون مرابطين في التحرير والوثبة وغيرها من أماكن الاحتجاجات”

يصف الناشط من العاصمة بغداد “عمار قاسم” الوضع في ساحة التحرير أشبه بالمعركة غير متناظرة القوى، إذ يقول إنه وعلى الرغم من كم القوات التي تحيط بساحة التحرير والوعيد الذي يصل المتظاهرين كل يوم، وعلى الرغم من مخاطر فيروس كورونا وخطورة تفشيه بين المتظاهرين، إلا أن ذلك كله لم يمنع المتظاهرين من الاستمرار في نشاطهم الاحتجاجي للشهر الخامس على التوالي، في سابقة لم تسجل في أي دولة حول العالم.

ويؤكد قاسم على أن المئات وفي بعض الأحيان الآلاف من المتظاهرين لا يزالون مرابطين في التحرير والوثبة وغيرها من أماكن الاحتجاجات في العاصمة بغداد، مشيرا إلى أن أزمة فيروس كورونا وما إن تنتهي فإنها ستعطي مزيدا من الزخم للتظاهرات على اعتبار أن الجميع تأكد من فشل الطبقة السياسية الحاكمة التي لم تستطع إدارة الأزمة منذ يومها الأول.

على بعد 600 كيلومترا إلى الجنوب من بغداد، وتحديدا إلى البصرة، حيث تستمر التظاهرات كذلك ولو بحدة أقل، إذ وعلى الرغم من بعض التراجع في أعداد المتظاهرين بسبب أزمة فيروس كورونا وتسجيل البصرة عشرات الإصابات، إلا أن الناشط “مصطفى الحزرجي” وفي حديثه لوكالة “يقين” أكد على استمرار التظاهرات رغم قساوة الأوضاع التي تعيشها البصرة.

وأضاف الخزرجي أن كل من كان يشكك في التظاهرات من أهل البصرة، باتت الصورة أمامه واضحة في أوجه الفساد والتقصير الذي يعتري جميع المؤسسات الحكومية مع انكشاف عجزها الكبير عن معالجة بضعة مئات من المصابين بكورونا رغم الموازنات المليارية التي سجلها العراق كل عام ومنذ 2003.

“المتظاهرون والناشطين وجدوا في منصات التواصل الاجتماعي وسيلة لإيصال صوتهم”

هو استمرار للتظاهرات رغم كل شيء، إذ يقول الباحث في الشأن السياسي العراقي “فارس القزاز” في حديثه لوكالة “يقين” إن التظاهرات والاحتجاجات الشعبية التي بدأت مطلع تشرين الأول/ الماضي مستمرة رغم جميع المعوقات.

ويضيف القزاز أنه وعلى الرغم من أن الجميع لاحظ أن أعداد المتظاهرين لم تعد كما كانت، إلا أن تلك الحالة طبيعية نظرا للظروف بالغة الخطورة التي تعيشها مدن العراق بسبب انتشار فيروس كورونا، مشيرا إلى أن استمرار التظاهرات بحد ذاته يعد أمرا لافتا لم يحدث في دولة مسبقا، إذ ومع كل التهديدات من قوات مكافحة الشغب والشرطة والميليشيات وفيروس كورونا إلا أن المتظاهرين مصرون على موقفهم حتى تحقيق المطالب.

تراجع الأعداد والتظاهر الرقمي

تختلف التظاهرات العراقية التي خرجت في مطلع تشرين الأول/ اكتوبر الماضي عن سابقاتها من التظاهرات، إذ يقول الكاتب الصحفي “أزهر الربيعي” في مقال له نشر في موقع معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: “حتى إذا غادر المتظاهرون الشوارع بالكامل، فمن المرجح أن تستمر الدعوات للتغيير بالحماس على الإنترنت، إذ لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دورًا بارزًا في استمرار ثورة تشرين، من خلال إطلاق الدعوات للتظاهر والاعتصام، والمطالبة بالحقوق”.

“المتظاهرون في بغداد عمدوا إلى تعقيم وتعفير الساحات وتوزيع المعقمات والأقنعة والكمامات على المتظاهرين والمواطنين”

ويضيف الربيعي أن المتظاهرين والناشطين وجدوا في منصات التواصل الاجتماعي وسيلة لإيصال صوتهم بعد أن تعمدت وسائل الإعلام الحكومي الامتناع عن تغطية الحراك، ويضيف قائلا: “بعد كل لحظة يتعرض فيها المتظاهرون للعنف، يطلقون وسما عبر مواقع التواصل الاجتماعي يدعون فيه لوقف العنف ضدهم، مطالبين الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان الضغط على الحكومة ودعوتها للالتزام باحترام مواثيق حقوق الإنسان التي وافق عليها العراق وتعهد بصيانتها”.

من جهته، يعتقد الصحفي “سلوان المنذري” في حديثه لوكالة “يقين” أنه وعلى الرغم من خطورة الأوضاع في بغداد وبقية الأوضاع فيما يتعلق بجائحة كورونا، إلا أن المتظاهرين في بغداد عمدوا إلى تعقيم وتعفير الساحات وتوزيع المعقمات والأقنعة والكمامات على المتظاهرين والمواطنين، في خطوة سبقوا فيها الحكومة وأجهزتها الصحية، بحسبه.

ويؤكد المنذري على أنه ومع نشوء جيل جديد لا يؤمن بجميع المبادئ الطائفية التي ينادي بها سياسيو المنطقة الخضراء، فإن هؤلاء المتظاهرين باتوا يستثمرون جميع منصات التواصل الاجتماعي بطريقة أرقت الحكومة وميليشياتها وفضحت الفساد وعرّت الوزارات وكل ما يعتري عملها من صفقات مشبوهة حتى خلال الأزمة التي لا تزال على أشدها والمتعلقة بانتشار فيروس كورونا.

وعن احتمالية استمرار التظاهرات أو استئناف ما توقف منها بعد انحسار فيروس كورونا، يعتقد المحلل السياسي والأكاديمي “محمد عزيز” في حديثه لوكالة “يقين” أن الذين نجحوا في الاستمرار باحتجاجاتهم مدة 4 أشهر من دون كلل أو ملل رغم القمع وسقوط 700 قتيل و20 ألف جريح، لن يتركوا ما خرجوا من أجله بتاتا.

“تراجع مثل هذا الحراك أو الحد منه من قبل الحكومة لن يكون ممكنا في ظل وجود طبقة شبابية لم ترى الأفضل في حياتها”

ويرى عزيز أن أزمة فيروس كورونا وفشل الحكومة ووزاراتها والبرلمان في التعامل الصحيح معها سيزيد من وهج الانتفاضة ويصعد من وتيرتها، إذ كشفت الأزمة أن البلاد ليست لديها القدرة على التعامل مع فيروس كورونا في الأيام الخمسة الأولى التي كانت الاصابات فيها لا تتجاوز الـ  100، إذ كانت المعاملة غير انسانية ولم توفر فيه الحكومة ما يحتاجه الأطباء من مستلزمات، وبالتالي فإن الانتفاضة لن تتراجع ما دامت الأسباب التي أدت إليها مستمرة من دون حل.

أما أستاذ العلاقات الدولية “علي البيلاوي” فيرى أن المجتمع العراقي هذه المرة وبدعمه للتظاهرات الشعبية التي خرجت في العراق من دون أي وجه طائفي جعلت من الطبقة السياسية تستشعر الخطر المحدق بها في خضم عدم رفع المتظاهرين أي شعارات طائفية.

وبالتالي، فإن تراجع مثل هذا الحراك أو الحد منه من قبل الحكومة لن يكون ممكنا في ظل وجود طبقة شبابية لم ترى الأفضل في حياتها، وبالتالي ليس لديها ما تخسره من أجل تحقيق أحلامها.

هو استمرار للتظاهرات الشعبية في العراق وفي مختلف المحافظات، فبعض المدن لا تزال تشهد حراكا ميدانيا وبعضها الآخر حوّل التظاهرات إلى رقمية تستخدم فيها وسائل التواصل الاجتماعي لفضح الحكومة ووزاراتها وكم الفساد الذي يعتريها، في ظل انتشار فيروس كورونا الذي عجزت الحكومة فيه عن توفير أبسط أنواع المستلزمات الطبية والتي كانت تصنع محليا قبل الغزو.