تستمر جائحة فيروس كورونا في العالم لتحصد مزيدا من الأرواح بعد تسجيل قرابة الـ 900 ألف إصابة ووفاة ما لا يقل عن 33 ألفا بمختلف دول العالم، وسط نقص حاد في المعدات الطبية ومستلزمات الوقاية من الفيروس عالميا.

في العراق بلغ مجموع الإصابات قرابة الـ 704 فيما ارتفع عدد الوفيات جراء الفيروس إلى 50 وفاة، وسط ارتفاع نسبة الوفيات في العراق كأعلى نسبة عالميا بما يزيد على الـ 7% مع تزايد المعاناة التي تواجهها الكوادر الطبية والمتمثلة بالزخم الكبير في المستشفيات والنقص الحاد في مستلزمات الوقاية من الفيروس.

إحصائيات أليمة

“لكل 100 ألف نسمة 0.7 مستشفى بعموم محافظات العراق”

يعاني العراق من تدهور قطاع الصحة العامة فيه، إذ يعزو الخبير الاقتصادي “أنمار العبيدي” تدهور قطاع الصحة العامة في البلاد إلى الفساد الكبير الذي ساد عمل الوزارة منذ عام 2003، إذ لم يصل أي وزير للصحة إلى منصبه ما لم يعمل على إبرام العقود والصفقات لصالح جهات متنفذة، ومن لم ينصاع لمافيات الوزارة فإما يقال أو يستقيل، بحسبه.

ويضيف العبيدي أنه ومن الناحية العلمية فإن الإحصائيات الخاصة بقطاع الصحة مرعبة، لافتا إلى أن لكل 100 ألف نسمة 0.7 مستشفى بعموم محافظات العراق، ويؤكد العبيدي على أن عدد المستشفيات في العراق يبلغ 257 مستشفى حكومي فقط، 79 منها في محافظات “أربيل والسليمانية ودهوك”.

من جهته يقول أستاذ الجراحات العامة الدكتور “نعمان السامرائي” في حديثه لوكالة “يقين” إن واقع المشتشفيات متردي للغاية، إذ أن قطاع الصحة لم يشهد انتكاسة في العراق على مر تاريخه كما هو الحال اليوم.

ويشير السامرائي إلى أن العراق الذي لم تصل فيه الإصابات بفيروس كورونا إلى ألف حالة بعد، لم يستطع توفير أبسط أنواع المعدات الطبية والمستلزمات الأولية لوقاية الكوادر الطبية من الإصابة بالفيروس، موضحا أن الكوادر الطبية تتولى شراء الكمامات الطبية والمعقمات على نفقتها الخاصة، إذ لا تستطيع المستشفيات تزويد الكوادر بالأعداد اللازمة من هذه الوسائل.

“عدد المستشفيات في العراق يبلغ 257 مستشفى حكومي فقط، 79 منها في محافظات “أربيل والسليمانية ودهوك””

أما أخصائي الأمراض التنفسية “جميل النوري” فيؤكد في حديثه لوكالة “يقين” على أن العراق أبعد ما يكون عن قدرته في مواجهة فيروس كورونا، لافتا إلى أن جميع المحافظات العراقية تضم 400 وحدة رعاية تنفسية فائقة فقط، وهو رقم ضئيل جدا، إذا ما قورن بأعداد سكان العراق.

ويشير النوري إلى أن الوضع الحالي لوزارة الصحة سيء للغاية، إذ أن الأطباء والممرضون عرضة في كل لحظة لالتقاط العدوى بسبب عدم وجود مسلتزمات الوقاية من الفيروس، فضلا عن اتساخ المستشفيات والفوضى التي تواجه إدارة المستشفيات بسبب سوء الإدارة المزمنة لوزارة الصحة.

ويعتقد النوري أن العراق مقبل على مرحلة مجهولة المصير في حال تفشي الفيروس على نطاق أوسع، لافتا إلى أن المحافظات الوسطى والحنوبية ستشهد الجزء الأعظم من الإصابات بسبب عدم الالتزام بتعليمات حظر التجوال فضلا عن إصرار البعض على الذهاب للزيارات الدينية.

فشل في إدارة الأزمة

تتزايد الضغوطات التي يواجهها العراقيون جراء تفشي فيروس كورونا، ومع الزخم الحاصل على المستشفيات تراجعت الخدمات الطبية المقدمة للمرضى العاديين مقابل تخصيص جميع موارد وزارة الصحة لمواجهة فيروس كورونا.

في حديثه لإحدى وسائل الإعلام، طالب النائب الثاني لمحافظ البصرة “ضرغام الأجودي” البصريين بعدم التجول والخروج من المنازل إلا للضرورة القصوى، مشيرا إلى أن الإمكانيات المتوفرة لدى دائرة صحة البصرة محدودة للغاية ولا يمكن لمستشفيات المدينة  استيعاب أعداد كبيرة.

وأشار الأجودي إلى أن إغلاق مستشفى البصرة التعليمي “الجمهوري” وحصره لعلاج المصابين بكورونا، تسبب بزيادة الزخم على مستشفيات المدينة الأخرى وتسبب بنقص كبير في عدد الأسرة، فضلا عن النقص الكبير في مستلزمات وتجهيزات الحماية والوقاية للكوادر الطبية والصحية، لافتا إلى أن ذلك قد يعرض الأطباء والكوادر الصحية لخطر الإصابة بالفيروس.

“إغلاق مستشفى البصرة التعليمي “الجمهوري” وحصره لعلاج المصابين بكورونا، تسبب بزيادة الزخم على مستشفيات المدينة”

كبير مستشاري مركز المشاركة الصحية العالمية الأمريكي (The Center for Global Health Engagement) الدكتور “شاكر جواد” قال في منشور  على صفحته الشخصية في الفيسبوك: “بعد أن  ثبت أن أهم عامل في شفاء الحالات الحرجة بفيروس كورونا هو دعم الجهاز التنفسي من خلال أجهزة التنفس الاصطناعي  Ventilators، فإن إيطاليا التي تعد من الدول المتقدمة طبيا والتي يبلغ عدد نفوسها 60 مليون نسمة عجزت طاقة وحدات العناية المركزة فيها عن استيعاب المرضى رغم أن لديها 5200 جهاز للعناية التنفسية الفائقة”.

ويضيف جواد أن العراق الذي يقترب عدد سكانه من الـ 40 مليون نسمة لا يمتلك أكثر من 350 – 400 جهاز عناية تنفسية، لافتا إلى أن العراق بحاجة إلى 3500 وحدة تنفسية حتى تصل نسبة هذه الأجهزة في العراق إلى ما لدى إيطاليا.

من جانبها، يقول أستاذ الدراسات الاقتصادية “محسن قاسم” في حديثه لوكالة “يقين” إن العراق يعد من أبخل دول العالم في رفد موازنة وزارة الصحة، إذ يؤكد على أنه وفي عام 2019 خصصت الحكومة الاتحادية للعراق 2.5% فقط من موازنة الدولة البالغة 105 مليار دولار، في الوقت الذي تعد هذه النسبة ضئيلة جدا مقارنة مع بقية دول منطقة الشرق الأوسط.

ويضيف قاسم أنه وبعد أن بدأ انتشار فيروس كورونا في العراق، فإن مجموعة من الاقتصاديين العراقيين عمدوا إلى إجراء مقارنات لأجل التعرف على أسباب إخفاق وزارة الصحة.

“العراق الذي يقترب عدد سكانه من الـ 40 مليون نسمة لا يمتلك أكثر من 350 – 400 جهاز عناية تنفسية”

ولفت قاسم إلى أن العراق كان بإمكانه توفير جميع ما يحتاجه من مواد طبية وتعقيمية لو استخدم الصناعة المحلية، منوها إلى أن العراق يعد من البلاد المصدرة للمواد الخام لهذه الصناعات، فالمواد البتروكيمياوية متوفرة، إلا أن الفساد والسرقات والسعي للحصول على العمولات الحرام من الشركات الأجنبية، تسبب بجعل العراق يتأخر سنوات ضوئية عن دول العالم، بحسب تعبيره.

في السياق ذاته أيضا، تظهر بيانات منظمة الصحة العالمية WHO أن الحكومة الاتحادية أنفقت خلال السنوات الـ 10 الماضية أقل من معدل ما تنفقه دول الجوار العراقي والتي تعد أفقر بكثير من العراق ولا تقارن موازناتها مع موازنة العراق.

وبحسب تقارير صحفية، فإن نصيب الفرد العراقي من موازنة بلاده الصحية تبلغ 161 دولارا في المتوسط مقارنة مع 304 دولارات في الأردن و649 دولارا في لبنان، ما يعد سابقة خطيرة في العراق لم تتحدث عنها التقارير الإعلامية إلا مؤخرا.

لا تتوقف مشاكل العراق الصحية على المستلزمات المتعلقة بفيروس كورونا، إذ يقول مصدر مسؤول في وزارة الصناعة العراقية قبل عام 2003، إن الشركات العامة للوزارة كانت تنتج كميات كبيرة من المواد التي حُظر على العراق استيرادها خلال الحصار الدولي على العراق بين عام 1991 و2003.

“العراق كان بإمكانه توفير جميع ما يحتاجه من مواد طبية وتعقيمية لو استخدم الصناعة المحلية”

ويشير المصدر الذي فضل عدم الكشف عن هويته أن العراق كان يستخدم المعقمات والمطهرات التي تصنع محليا وبجودة عالية عالمية، إضافة إلى إنتاج الأسرة الخاصة بالمرضى والمستلزمات الطبية كالمحاليل الوريدية والحقن الطبية إضافة إلى كميات كبيرة من الأدوية ومن أنواع مختلفة، لافتا إلى أن العراق كان ينتج أقنعة طبية واقية، حتى وصل العراق إلى إنتاج الأقنعة الواقية من الغازات والتي استخدمت في مديريات الدفاع المدني بعد أن منع العراق من استيرادها.

صعوبات كبيرة يواجهها قطاع الصحة العامة في العراق، ويبدو أن أزمة فيروس كورونا كشفت المزيد من أوجه الفساد في الحكومة ووزارة الصحة والتي كانت غائبة طيلة الفترة الماضية.