تواجه الكوادر الطبية مخاطر الموت بالدرجة الأولى بعد أن توقفت سبل العالم كلها بتكنولوجياتها المتقدمة واقتصاداتها الضخمة بالحد من تفشي فيروس كورونا.

وفي ظل عدم توفر لقاح للفيروس يسعى العالم بكل طاقاته لدعم الكوادر الطبية بتهيئة سقف عملٍ مناسب من خلال مستشفيات وأجهزة متطورة وتوفير مستلزمات الوقاية وتسهيل حركتهم.

وبالرغم من أن العراق لا يمتلك أي من حلول العالم المتقدم سوى كوادره الطبية، لكن على ما يبدو أن البلد الذي ينتج 4.5 مليون برميل نفط باليوم ويحتل خامس احتياطي في العالم يعجز عن الحفاظ على كوادره.

وفي هذا الصدد، يقول الطبيب مصطفى الإبراهيمي في حديثٍ لـ (وكالة يقين) إن “الإجراءات الحكومية التي تخص دعم الكوادر الطبية لا ترتقي لمستوى الأزمة ويمكن أن يعود ذلك لسبب الصراع السياسي“، لافتاً إلى أن “الحكومة تنتظر الدعم من الكوادر الطبية أكثر مما تنتظره الكوادر الطبية منها”.

“لجنة الصحة في البرلمان، أعلنت “حاجة العراق إلى 100 مليون دولار دفعة طوارئ للمؤسسات الصحية لمواجهة أزمة كورونا””

ويضيف أن “العاملين في المحاجر الصحية يستبسلون بتقديم واجباتهم إذ لا يتوفر الدعم الكافي، كما أن البنى التحتية التي خصصت كمحاجر، لم تكن مهيأة، لينعكس ذلك على الكوادر الطبية والمرضى الذين أبدوا سخطا كبيرا”.

ويرى الإبراهيمي البالغ ٢٦ عاما من عمره أن “مشاكل التباين بمستويات الدعم بين العراق والعالم المتقدم، يتبع الإمكانيات المادية للدول، ومدى تهيؤها من خلال بناء أنظمة صحية على مستوى عالي”.

واحتل العراق المركز 87 من بين 89 دولة لعام 2019 بعد بنغلادش وأذربيجان في مستوى النظام الصحي بحسب منظمة الصحة العالمية.

موت اقتصادي

وفي السياق يقول الصحافي علي الكرملي، إن “ما يعزّز الخطر، هو استجداء الحكومة للأموال، لعدم وجود المال الكافي نتيجة سياسات الفساد المتراكمة التي قضت على الاقتصاد كُليّاً”.

الكرملي أضاف أن “خلية الأزمة فعلت ما عليها، لكن هذا لا يكفي، فهي تحتاج إلى مستلزمات وأجهزة طبية، وأهمها أجهزة الإنعاش الرئوي التي لم تتعدى الـ ٥٠٠ جهاز فقط بعموم العراق”.

وفي وقتٍ سابق طالب وزير الصحة جعفر علاوي رئيس خلية الأزمة، تخصيص أكثر من 150 مليون دولار شهرياً، مشيراً إلى أن الدفع يكون حسب طلبات الوزارة، وتوفير الاحتياجات لجميع المحافظات.

“الوزارة حصلت من عام 2006 إلى العام الماضي، على مبلغ يفوق الـ 50 تريليون دينار، ضمن الموازنات السنوية”

وقال إنه وفي الوضع الحالي يصعب الحصول على الأموال مبيناً أنه طلب ٥ ملايين دولار لكنها تأخرت شهر، فضلاً عن أنه لم يحصل على أموال النفقات الخاصة بالطوارئ، وذلك بسبب تحول الحكومة إلى تصريف أعمال.

وكانت لجنة الصحة في البرلمان، أعلنت “حاجة العراق إلى 100 مليون دولار دفعة طوارئ للمؤسسات الصحية لمواجهة أزمة كورونا”، بينما يمر العراق في شهره الرابع من العام الجديد ولم تقر الموازنة والتي يتوقع لها عجز كبير بسبب تراجع أسعار النفط.

كورونا والمشتبه بهم

وفي الشأن ذاته يقول مصدر طبي في حديث لـ(وكالة يقين): “لا توجد خطة محكمة إذ لا يتوفر مكان مخصص لمراجعي الفحص عن كورونا وإن المشتبه به يأتي يتجول بكل أريحية داخل المستشفى وربما يقبّل كل من يعرفهم بطريقه ويجلس في صالة الانتظار مع بقية العالم ليجري التحليل!”.

واستدرك المصدر البالغ العقد الثالث من عمره والذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أن “هناك مشتبه بهم يتركون المستشفى ويخرجون لبيوتهم ويختلطون مع عائلاتهم وأصدقائهم حتى تظهر نتائج التحليل”.

وأردف أن “الكوادر تعاني من قلة المستلزمات الوقائية وهناك شحة كبيرة فيها”، مؤكداً على أن “مدير المستشفى التي يعمل بها قد طلب منهم شراء المستلزمات من حساباتهم الخاصة لعدم توفيرها”.

“خلال عام ٢٠١٧-٢٠١٨ اتهمت الوزيرة حينها “عديلة حمود” بتبديد ٢١٢ مليون دولار، بصفقات فاسدة”

ووفق إحصائية لـصحيفة محلية اعتمدت على بيانات وزارة المالية ومنشورات جريدة عراقية، فإن الوزارة حصلت من عام 2006 إلى العام الماضي، على مبلغ يفوق الـ 50 تريليون دينار، ضمن الموازنات السنوية.

ويقول الناشط المدني أمير الشمري أن “مشكلة الفساد المتراكم بالصحة باتت خطيرة جداً وربما تكون سبب بالقضاء على الكوادر الطبية فيما إذا تطور انتشار كورونا لا سامح الله”.

الشمري أضاف أن “إيطاليا ورغم تمتعها بأعلى مستوى نظام صحي في أوروبا إلا أن الفيروس قد هدم خط الصد المتمثل بهم، لذا لابد من توفير مستلزمات وقائية وأجهزة فحص وبناء مستشفيات متخصصة بأسرع وقت للحفاظ على خط الصد في العراق”.

فيروس الفساد

ويعاني العراق من نقص بعدد المستشفيات وتأخر كبير بإنجاز المشاريع فضلاً عن فساد كبير بوزارة الصحة، إذ كشف وزير الصحة الحالي، في وقت سابق، بأنه مارس ضغوطاً من أجل إكمال بناء 10 مستشفيات”.

“يتخوف العراقيون من تحول البلاد إلى بؤرة موبوءة، في ظل التدهور الصحي الذي يعاني منه البلاد”

وخلال عام ٢٠١٧-٢٠١٨ اتهمت الوزيرة حينها “عديلة حمود” بتبديد ٢١٢ مليون دولار، بصفقات فاسدة، قبل أن يعد رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي بإنشاء 7 آلاف مشروع، من بينها 11 مستشفى ومؤسسة صحية، في العام الأخير 2019، ليكشف بعدها بأشهر عضو الصحة جواد الموسوي عن رصد صفقة فساد تقدر بـ 222 مليون دولار بعملية إنجاز المستشفيات.

كما يذكر أن في ذلك العام قدم وزير الصحة علاء العلواني، استقالته عازيا السبب لـ “ضغوط سياسية” تعرض لها أثناء عمله.

ويتخوف العراقيون من تحول البلاد إلى بؤرة موبوءة، في ظل التدهور الصحي الذي يعاني منه البلاد، والصراع السياسي الذي انشغل به أصحاب القرار بغياب الرؤية الوطنية التي من شأنها أن تكافح الفيروس وتحمي العراقيين من الجائحة العالمية.