وكالة يقين

أزمة علاج مرضى اللوكيميا تعصف بالعراق

يشهد القطاع الصحي في العراق تراجعا متزايدا منذ عام 2003، إذ وبعد 17 عاما على الغزو الأمريكي وإنفاق مئات مليارات الدولارات، لا يزال القطاع الطبي يفتقر لكثير من أنواع الأدوية الضرورية لإنقاذ الحياة.

منظمة الصحة العالمية WHO وفي تقرير لها صدر منتصف العام الماضي كشف النقاب عن عدم توفر 50% من الأدوية الرئيسة في العراق، إذ دعت المنظمة الحكومة إلى تخصيص 10% من الموازنة العامة للقطاع الصحي.

ويعد مرضى السرطان أكثر الفئات في المجتمع العراقي التي تحتاج لرعاية طبية خاصة في ظل نقص مزمن في العلاجات.

مرضى اللوكيميا يستغيثون

“يعد مرضى السرطان أكثر الفئات في المجتمع العراقي التي تحتاج لرعاية طبية خاصة في ظل نقص مزمن في العلاجات”

يواجه مرضى سرطان الدم (اللوكيميا) نقصا حادا في الأدوية المعالجة، إذ وجهت جمعية مرضى اللوكيميا في العراق الأربعاء الـ 8 من نيسان/ أبريل الجاري، نداء استغاثة إلى وزارة الصحة وخلية الأزمة للإسراع في توفير الأدوية المنقذة للحياة.

وأكد رئيس الجمعية “محمد كاظم” في حديثه لإحدى وسائل الإعلام على أن عدد المصابين بمرض اللوكيميا في العراق يصل إلى 2250 مريضا ويواجهون الموت البطيء في ظل نقص الأدوية، لافتا إلى أن المرضى لم يستلموا علاجاتهم منذ ما يقارب الـ 8 أشهر.

وأكد جعفر على أن الجهات المعنية لم تستجب للمناشدات التي أطلقها ذوو المرضى، مشيرا إلى أن أكثر من 700 مريض متوقفة حياتهم على علاج (التسكما) الذي يعد من أهم العلاجات المنقذة للحياة للمصابين بسرطان الدم.

من جهته، يقول عضو لجنة الصحة والبيئة النيابية “فالح الزيادي” في حديثه لوكالة “يقين” إن الواقع الصحي يشهد تراجعا كبيرا حتى قبل تفشي فيروس كورونا المستجد، لافتا إلى أن القطاع الصحي لن يصمد كثيرا في ظل المخصصات المالية القليلة المخصصة لوزارة الصحة.

وكشف الزيادي عن أن مخصصات الوزارة عام 2019 بلغت 1.3 تريليون دينار، في الوقت الذي يجب أن لا تقل عن 3.5 تريليون دينار، لافتا إلى أن البنى التحتية للوزارة من مستشفيات ومستوصفات وغيرها غير جاهزة،

فضلا عن قصور كبير في الأدوية الضرورية العلاجية منها والوقائية، بحسبه.

وكشف تقرير لوكالة “رويترز” نشر في الـ 2 من آذار/ مارس الماضي عن جملة من المشكلات التي تواجه قطاع الصحة في العراق، إذ تنبه رويترز إلى أنه خلال عام 2019 خصصت الحكومة الاتحادية لوزارة الصحة 2.5% فقط من موازنة الدولة البالغة 106.5 مليار دولار، مشيرة إلى أن هذه الموازنة لوزارة الصحة تعد زهيدة جدا إذا ما قورنت بما يتم إنفاقه في دول أخرى في منطقة الشرق الأوسط.

“عدد المصابين بمرض اللوكيميا في العراق يصل إلى 2250 مريضا ويواجهون الموت البطيء”

في المقابل، تؤكد رويترز على أن القوات الأمنية والتي تضم وزارات الدفاع والداخلية والأمن الوطني حظيت بـ 18% من إجمالي الموازنة العامة للبلاد.

كذلك تظهر بيانات منظمة الصحة العالمية WHO أن الحكومة الاتحادية أنفقت خلال السنوات الـ 10 الماضية مبالغ مالية على الرعاية الصحية للفرد أقل بكثير مما أنفقته دول أفقر كثيرا مجاورة للعراق، إذ وصل نصيب الفرد من هذا الانفاق 161 دولارا في المتوسط بالعراق بينما وصل إلى 304 دولارا في الأردن و649 دولارا في لبنان واللتين تعدان من أفقر بلدان منطقة الشرق الأوسط والأقل ميزانية.

ما أسباب نقص الأدوية؟

أسباب عديدة تكمن وراء النقص الكبير في الأدوية في العراق، إذ يعزو الخبراء ذلك إلى جملة من الأسباب أهمها الفساد في وزارة الصحة، إضافة إلى ضعف قطاع صناعة الأدوية في العراق والأدوية الفاسدة.

“بسبب الفساد فإن مافيات وزارة الصحة تعمد إلى شراء الأدوية من شركات ودول غير رصينة”

ويشير عضو نقابة الصيادلة “علي جاسم” في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن السبب الرئيس في نقص الأدوية في العراق يرجع إلى الفساد المستشري في وزارة الصحة والذي أدى إلى سابقة سياسية تمثلت باستقالة وزير الصحة السابق “علاء العلوان” على خلفية رفضه إعطاء كوميسونات لبعض مافيات استيراد الأدوية داخل الوزارة.

ويضيف جاسم أن قطاع صناعة الأدوية في العراق تراجع إلى مستويات قياسية، إذ لم تعد مصانع الأدوية نشطة بالدرجة التي كانت عليها قبل عام 2003، فضلا عن أن هذه المصانع أو شركات الأدوية لم تستمثر أرباحها في شراء الوصفات الدوائية الانتاجية الخاصة بأجيال الدواء الحديثة، إذ لا تزال هذه المصانع تنتج ذات الأدوية من الأجيال القديمة والتي لم تعد تجدي نفعا على النحو الذي كانت عليه قبل عقود من الزمن.

وعن الأدوية الفاسدة، يشير جاسم إلى أنه وبسبب الفساد فإن مافيات وزارة الصحة تعمد إلى شراء الأدوية من شركات ودول غير رصينة وبثمن يزيد على ثمن تلك الأدوية من الدول المتقدمة، وبالتالي فإن هذه المافيات عمدت ومنذ أكثر من 5 سنوات إلى شراء الأدوية من دولة مجاورة غير رصينة في صناعة الأدوية، بل إن بعضها مضر وثبت فشله سريريا، بحسبه.

فيما يختتم جاسم حديثه لوكالتنا بالإشارة إلى سوء الإدارة في مؤسسات وزارة الصحة، إذ تهرب كميات كبيرة من الأدوية من مراكز الرعاية الأولية ومن المستشفيات والمراكز التخصصية بوصفات مزورة، ليعاد بيع هذه الأدوية في السوق السوداء.

ويقول أحد تجار الأدوية في العاصمة العراقية بغداد “سهيل كاظم” في حديثه لوكالة “يقين” إن تجار الأدوية يفاجؤون من ثمن الأدوية التي تقدم وزارة الصحة على شراءها، مشيرا إلى أن هناك فسادا كبيرا في صفقات وتعاقدات وزارة الصحة بملف شراء الأدوية.

ولفت كاظم إلى أن ثمن الأدوية التي تستوردها الوزارة تزيد بنحو 10% عن أسعارها الحقيقية، وبالتالي ونتيجة للوائح وزارة الصحة، فإن هناك أنواعا كثيرة من الأدوية يمنع على القطاع الخاص استيرادها، وبالتالي تتحكم الوزارة والمافيات المستشرية فيها بثمن الأدوية وتوزيعها، ما يمنع كثيرا من المرضى من الوصول إليها، مؤكدا على أن سبب منع الوزارة لاستيراد أنواع محددة من الأدوية مرده الفساد لا غير، بحسبه.

“من الغريب والمثير للشك أن وزارة الصحة لا تزال تحتكر استيراد أنواع معينة من الأدوية”

ويقول أخصائي أمراض الدم الدكتور “محي الدين أحمد” في حديثه لوكالة “يقين” إن وزارة الصحة وفي حال لم تستطع توفير الأدوية المعالجة لأمراض السرطان وخاصة سرطان الدم المعروف طبيا بمرض “اللوكيميا”، فإن عليها أن تصدر لائحة جديدة تسهل على القطاع الخاص شراء هذه الأدوية وبيعها في الصيدليات.

وأشار أحمد إلى أنه من الغريب والمثير للشك أن وزارة الصحة لا تزال تحتكر استيراد أنواع معينة من الأدوية، لافتا إلى أن هذه الأدوية ضرورية للغاية في علاج المصابين بالسرطان، خاصة أن هذا الحجب من قبل وزارة الصحة لا يشمل العقاقير التي تدخل في ظاهرة الإدمان على المخدرات، وبالتالي فإن هذا الحجب يثير شبهات فساد كبيرة في وزارة الصحة، بحسبه.

لم تفلح الحكومات المتعاقبة في العراق بتوفير أبسط مستلزمات الرعاية الطبية لمرضى السرطان، في ظل وجود كتل سياسية وطبقة حاكمة وميليشيات يبدو أن الشعب العراقي يأتي في آخر اهتماماتها.