وكالة يقين

لماذا انسحبت أمريكا من جل قواعدها في العراق؟

خلال أقل من شهرين، انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من جل قواعدها في العراق باستثناء قاعدتي عين الأسد في محافظة الأنبار وقاعدة حرير في محافظة أربيل، مع تسليم جميع معسكراتها وقواعدها الأخرى للقوات الأمنية المحلية.

الانسحاب الأمريكي أو كما سمته واشنطن بإعادة الإنتشار يطرح الكثير من التساؤلات عن الأسباب التي أدت إلى مثل هكذا خطوة وفي هذا التوقيت تحديدا.

انسحاب أم إعادة تموضع

“واشنطن تعتمد في وجودها في العراق على قاعدتي عين الأسد وحرير في إطلاق المقاتلات الحربية والمسيرة”

اختلف المحللون بوصفه فيما إذا كان انسحابا أم إعادة تموضع، لكن الباحث في الشأن الأمني “خليل إبراهيم” يرى أن الولايات المتحدة أقدمت على إعادة تموضع قواتها وليس انسحابا، إذ أن الانسحاب يعني سحب القوات من جميع القواعد وترك ذلك البلد وهو ما لم يحدث في العراق.

ويضيف إبراهيم أن الولايات المتحدة انسحبت من جميع المعسكرات والقواعد العسكرية التي كانت تشغلها والتي كانت تعد هشة أمنيا من حيث التحصينات والوسائل الدفاعية، مشيرا إلى أن واشنطن انسحبت من 9 معسكرات وقواعد وهي القائم والحبانية والتاجي وبسماية وكي وان وعمليات نينوى وقاعدة سبايكر وجنوب بغداد ومطار بغداد الدولي وأن جميع هذه القواعد والمعسكرات كانت صغيرة وغير استراتيجية بالنسبة لواشنطن.

ويؤكد إبراهيم على أن ما يعزز من نظرية إعادة التموضع هو تزويد واشنطن لقاعدتي عين الأسد وحرير بأنظمة دفاع جوي متطورة وتفعيل منظومتي الباتريوت المضادة للصواريخ البالستية ونظام الدفاع الجوي RAM المضاد للصواريخ قصيرة المدى كالكاتيوشا وكراد، وبالتالي فإن واشنطن تهدف من إعادة التموضع هذا إلى توفير حماية استراتيجية لقواتها من أي هجمات جديدة قد تشنها الفصائل المسحلة الموالية لإيران أو استهداف هذه القواعد بصواريخ بالستية كما حدث عقب اغتيال سليماني واستهداف قاعدة عين الأسد بصواريخ بالستية إيرانية.

ويختتم إبراهيم حديثه لوكالتنا بالتأكيد على أن واشنطن تعتمد في وجودها في العراق على قاعدتي عين الأسد وحرير في إطلاق المقاتلات الحربية والمسيرة والتي يمكنها أن تصل إلى جميع المحافظات العراقية، بحسبه.

“واشنطن تعتقد أنه لا طائل من وجود كم كبير من القواعد العسكرية في العراق في ظل عدم استراتيجية وجود هذه القواعد”

من جانبه، يشير مصدر أمني رفيع المستوى في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن الولايات المتحدة كانت قد أبلغت العراق منذ كانون الثاني/ يناير الماضي بخطتها في انسحابها من بعض قواعدها في العراق مع الإبقاء على قاعدتي عين الأسد وحرير.

ويضيف المصدر الذي اشترط عدم الكشف عن هويته مقابل الحديث لوكالتنا أن واشنطن سلمت جميع المعدات العسكرية التي كانت في هذه القواعد للجيش والقوات الأمنية وأن ما سحب من القواعد يتمثل بالأجهزة الدقيقة والمعدات العسكرية الخاصة بالجيش الأمريكي.

من جانبه يرى أستاذ العلوم السياسية “مازن الكلاك” في حديثه لوكالة “يقين” أن واشنطن انسحبت من قواعدها في العراق لأسباب عدة، فالإدارة الأمريكية باتت في موقف سياسي حرج من تكرار الهجمات التي تتعرض لها، والتي وصلت إلى نحو 53 هجوما بصواريخ الكاتيوشا، وبالتالي استشعرت واشنطن أن الفصائل الموالية لإيران تحاول جرها إلى حرب الكر والفر والتي قد تعيد التأييد الشعبي لهذه الفصائل بعد أن كانت قد خسرته جراء قمع هذه الفصائل للمظاهرات الشعبية التي انطلقت في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، لذلك فضلت واشنطن عدم إعطاء الفصائل الموالية لإيران مثل هكذا فرصة.

“الجيش الحالي يفتقد لعناصر التفوق الأرضية والجوية، فضلا عن افتقاره للتعبئة والانتشار والجاهزية العسكرية”

ويضيف الكلاك أن أحد الأسباب أيضا أن واشنطن تعتقد أنه لا طائل من وجود كم كبير من القواعد العسكرية في العراق في ظل عدم استراتيجية وجود هذه القواعد التي لا يزيد عدد القوات الأمريكية فيها في أفضل الأحوال عن 200 جندي، وبالتالي ومن باب اقتصادي، فإن واشنطن فضلت تركيز وجودها في قاعدتين استراتيجيتين فقط مع توفير الحماية لهما.

ويختتم الكلاك حديثه لوكالتنا بالتأكيد على أن واشنطن حققت مآربها السياسية العسكرية التي كانت تبغيها في العراق، إذ أنها ترى أنه لا مفر من الانسحاب التكتيكي من هذه القواعد وجعل الحكومة في بغداد تعتمد على قواتها في حماية البلاد من هجمات تنظيم الدولة (داعش) وبالتالي، ومع الانسحاب الأمريكي من هذه القواعد، فإن الرسالة الأمريكية لبغداد وصلت من خلال قدرة خلايا تنظيم الدولة على شن عشرات الهجمات خلال الشهر الماضي، وهو ما يؤشر إلى تكتيك عسكري بطعم سياسي، بحسبه.

قدرة بغداد على حفظ الأمن

تطرح الكثير من الأسئلة عن إمكانية قوات الجيش والقوات الأمنية التابعة للحكومة في القيام بمهام حماية الأمن داخل البلاد ومن هجمات تنظيم الدولة (داعش)، ففي الوقت الذي يرى فيه خبراء أن القوات الأمنية غير جاهزة وغير مجهزة للقيام بهذه المهمات، يؤكد الضابط في الجيش العراقي السابق “زهير محمود”، على أن القوات الأمنية في العراق بعد عام 2003 تفتقد للعقيدة القتالية، والتي تعد أولى عناصر النصر لأي جيش في العالم.

ويضيف محمود أن قدرات الجيش الحالي لا تقارن بقوة الجيوش، إذ أن الجيش الحالي يفتقد لعناصر التفوق الأرضية والجوية، فضلا عن افتقاره للتعبئة والانتشار والجاهزية العسكرية واعتماده في الحصول على الذخائر عن طريق الاستيراد فقط، من دون أن تكون للبلاد أية مصانع قادرة على انتاج رصاصة واحدة.

“سلاح الجو العراقي الحالي يعتمد على الولايات المتحدة بنسبة 100%”

ويؤكد محمود على أن الجيش الحالي وعلى الرغم من الخبرات التي استطاع اكتسابها خلال الحرب على تنظيم الدولة، إلا أنه منهك وفاقد للروح المعنوية، إذ أنه من غير الطبيعي أن تنتشر قطعات الجيش داخل المدن وعلى الطرق السريعة وأن تقوم بعمليات عسكرية داخلية والتي هي في العادة تقع على مسؤولية قوات الأمن الداخلي والشرطة، وبالتالي فإن الجيش منهك ولا يكتسب أي خبرات إضافية، خاصة أن جميع وحدات الجيش منهمكة بالعمل ضمن قيادات العمليات في المحافظات.

ويختتم محمود حديثه لوكالتنا بالتأكيد على أن سلاح الجو العراقي الحالي يعتمد على الولايات المتحدة بنسبة 100% إذ أن جميع المقاتلات الحديثة هي من طراز F-16 والتي ووفق اتفاقية شراءها، فإن تشغيلها سيظل معتمدا على خبراء الولايات المتحدة حتى عام 2022، وهو ما يعد خللا كبيرا في الطيران الحربي، لافتا إلى أن طيران الجيش المروحي كذلك متهالك ولا يتمتع بالأسلحة الذكية، وأن أغلب الطائرات سوفيتية الصنع وخرجت من الخدمة في كثير من الدول منذ سنوات، وبالتالي فإن الهجمات الجديدة التي بات يشنها مقاتلو تنظيم الدولة كشفت عن مدى ضعف الجيش بعد تراجع الدعم الأمريكي ووصوله إلى أدنى مراحله منذ عام 2014، بحسبه.

“الانسحاب الأمريكي من 9 قواعد في العراق يأتي من أجل حماية القوات الأمريكية من احتمالية الرد الإيراني

وعن مدى احتمالية التصعيد العسكري بين واشنطن والفصائل المسلحة الموالية لإيران بعد انسحاب واشنطن من 9 قواعد في البلاد، يرى الخبير العسكري ” مهند الجبوري” في حديثه لوكالة “يقين” أن خطوة واشنطن الأخيرة المتمثلة بوضع جائزة مالية قدرها 10 ملايين دولار لكل من يساعد في تقديم معلومات عن مكان تواجد “محمد كوثراني” المنسق بين ميليشيا حزب الله اللبناني والفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق، تعني أن واشنطن مصممة على التعامل العسكري مع الفصائل الموالية لإيران.

ويضيف الجبوري أن الانسحاب الأمريكي من 9 قواعد في العراق يأتي من أجل حماية القوات الأمريكية من احتمالية الرد الإيراني الذي قد يأتي بعد أي هجوم أمريكي، مشيرا إلى أن واشنطن كذلك عززت من دفاعاتها الجوية في قاعدتي عين الأسد وحرير لأجل الهدف ذاته.

هو إعادة تموضع للقوات الأمريكية في العراق بحسب الكثير من المحللين ويأتي في غمرة تصاعد تهديد الفصائل الموالية لإيران ومحاولة هذه الفصائل مد مزيد من أذرعها داخل الحكومة المستقيلة والقادمة.