أطفال العراقالتعليم في العراقتقاريركورونا

التأثير النفسي والعنف ضد الأطفال في العراق 


على الرغم من العقوبات الجزائية التي فرضتها القوانين النافذة والتي تصل إلى حد أخذ الأطفال من ‏ذويهم وايداعهم دور الرعاية، مازالت ظاهرة العنف ضد الطفل تتفاقم، فقد سجلت المحاكم العراقية 1606 دعوى ‏بهذا الشأن خلال العام الماضي، طبقا لإحصائية رسمية اعلن عنها مجلس القضاء الأعلى، بغض النظر ‏عن تلك التي بقيت خلف الأبواب الموصدة ولم تسجلها المحاكم بسبب قلة الوعي القانوني ‏والأعراف الاجتماعية. ‏
هناك ممارسات تتم من خلال اجبار الاطفال على الاعمال وهم دون ‏السن القانونية وهناك تطبيقد ات كثيرة تشهدتها المحاكم العراقية تخضع ‏لرقابة جهات الطعن

ويرى متخصصون بالعنف الأسري أن العقوبات الواردة في القوانين كافية لردع هذه ‏الظاهرة، حيث قال “علي كمال” وهو قاضي محكمة العنف الاسري في الرصافة إن تعنيف ‏الأطفال يأخذ صورا متعددة منها الاهمال والضرب فضلا عن الاعتداءات الجسدية والنفسية ‏والجنسية المختلفة التي تمارس ضد الأطفال من قبل ذويهم او ممن هم على رعايتهم سواء ‏كان الاب او غيره.‏
وتابع كمال أن الآونة الاخيرة شهدت انتشارا لهذه الظاهرة وتناقلت وسائل التواصل ‏الاجتماعي وكافة وسائل الاعلام صورا وفيديوهات لاعتداءات على الاطفال في مناطق مختلفة ‏من البلاد، وعن الموقف القانوني والتشريعي يذكر القاضي ان “قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 ‏المعدل وكذلك قانون رعاية الاحداث العراقي قد تناولا اهم العقوبات بهذا الخصوص، اذ أكد ‏قانون رعاية الاحداث على عقوبة سلب الولاية من الاب او الام في حال تعرض الطفل للاساءة ‏او الاعتداءات فضلا عن كون القانون ترك للمحكمة المختصة السلطة الواسعة في تقدير متى ‏وكيف يتم ذلك”.‏
وأضاف ان “جميع العقوبات المشار إليها في القوانين النافذة هي كافية وملائمة وكفيلة للحد ‏من انتشار حالات العنف ضد الاطفال“، مشيراً إلى ان هناك ممارسات تتم من خلال اجبار الاطفال على الاعمال وهم دون ‏السن القانونية وهناك تطبيقات كثيرة تشهدتها المحاكم العراقية تخضع ‏لرقابة جهات الطعن.‏
ولفت كمال الى ان هذه الظاهرة تترك على الطفل المعنف آثارا سيئة سواء كانت على سلوكه او ‏نفسيته جراء الخوف والقلق الذي يتعرض له.‏
أطفال العراق يعذّبون !
كشفت منظمة “الأمم المتحدة” في وقتٍ سابق، عن انتهاكات جسيمة يتعرض لها أطفال العراق، حيث اعتبر تقرير قدمه الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن، بأن تنظيم “داعش والحشد الشعبي، والجيش العراقي، وقوات الشرطة، والتحالف الدولي” كلها قامت بانتهاكات ضد الأطفال في العراق.
وأشار التقرير إلى إن “أكثر من 2114 طفلا تعرضوا إلى انتهاكات جسيمة ومؤكدة في العراق، من بينهم أطفال تعرضوا إلى القتل، والتشويه، والاغتصاب” مؤكدا إن “هذه الأرقام هي جزئية وتمثل الأرقام التي تم الإبلاغ عنها والتأكد منها فقط، مشيرا إلى أن الأعداد الحقيقية قد تكون أكبر بكثير، خاصة وإن ظروفا مثل الوفاة، أو الوصمة الاجتماعية، قد تعيق الإبلاغ عن حالات الانتهاك”.
يجب تشريع قانون (حماية الأسرة من العنف) وصياغته صياغة ‏حديثة تنسجم مع الأعراف العراقية والشريعة الإسلامية وبعيدة عن الاقتباسات المأخوذة من ‏القوانين الاجنبية
فيما أقرت القوانين والأعراف الاجتماعية والاتفاقيات الدولية على حماية الأطفال وضمان حقوقهم ورسم مستقبلهم وحمايتهم والحفاظ على حياتهم، وهذا ما أكده الخبير القانوني “علي التميمي” في حديثه لوكالة “يقين”: ان هناك ضمانات ‏لحقوق الأطفال موجودة ضمن الاتفاقيات الدولية، والعراق أحد البلدان الموقعة على تلك الاتفاقيات ‏فضلا عن كون الدستور العراقي اقتبس في بعض مواده ما يخص حماية الطفولة لاسيما ‏المادتين 29 و30 من تلك الاتفاقيات.‏
وأضاف التميمي ان “هناك قوانين متعددة لحماية الطفولة مثل قانون رعاية الاحداث والذي ‏قسمهم الى أطفال وصبية دون 18 عاما واوجب عقوبات على الولي او اي شخص يقوم ‏بتعذيب الاطفال، اضافة الى ان قانون رعاية القاصرين رقم 97 لسنة 1980 الذي تطرق في ‏بعض مواده الى حماية حقوق الطفل وكذلك الحال بالنسبة لقانون العمل رقم 35 لسنة 2015 ‏حيث اشارت بعض فقراته الى مسألة حماية حق الطفولة”.‏
واوضح التميمي ان “قوانين أخرى أوجبت تواجد محكمة متخصصة لمحاكمة الأحداث بحيث لا ‏يجوز توقيف الحدث بالمخالفات وان تكون الجلسة سرية حفاظا على حق الحدث، إضافة الى ‏تدابير واحكام الضم وحقه بالميراث.‏
وانتقد التميمي تبعثر التشريعات والمواد الخاصة بحماية الطفولة اضافة إلى أن بعض ‏القوانين صدرت منذ فترات طويلة ولا تنسجم مع تعقيدات الحياة والتطور في مجالات ‏التكنولوجيا والوضع الاقتصادي وتشعبات الحياة وصعوبتها.‏
وأكد الخبير القانوني “ضرورة تشريع قانون (حماية الأسرة من العنف) وصياغته صياغة ‏حديثة تنسجم مع الأعراف العراقية والشريعة الإسلامية وبعيدة عن الاقتباسات المأخوذة من ‏القوانين الاجنبية لانه كلما كان القانون عراقيا كان سهل التطبيق ويضمن حقوق الطفولة وفقا ‏للقيم العراقية”.‏

الاضرار النفسية ‏

ذكرت الباحثة الاجتماعية الدكتورة “نضال العبادي” في تصريح صحفي أن “العنف ‏يعرف اصطلاحاً بأنّه استخدام القوة بطريقة غير قانونية، أو التهديد باستخدامها من أجل ‏التسبّب بالضرر والأذى للآخرين، ويُعرّف العنف في علم الاجتماع على أنّه اللجوء إلى الأذى ‏من أجل تفكيك العلاقات الأسرية”.‏
واضافت ان “للعنف تأثيرا على الحالة النفسية والعصبية للطفل المعنف وقد يؤدي الى ‏انخفاضً في سُمك غلاف “المايلين” للألياف العصبية عن الانسان الطبيعي عن أدمغة مَن ‏تعرضوا لمعاملة حادة في طفولتهم”.‏
ورجحت أن “استمرار التعرض للعنف لمدة طويلة، في فترة الطفولة، يُحدث خللًا دائمًا في ‏الألياف العصبية بالمخ، التي تتشكل في أثناء العقدين الأولين من حياة الإنسان، وهو ما يُحتمل ‏أن يدفع الشخص إلى الانتحار”.‏
واضحت العبادي انه “يمكن توضيح الأمر على نحوٍ علمي مبسط، فلو تخيلنا أن الشكل الأمثل ‏لعمل الدماغ يعتمد على إطلاق إشارات كهربائية تُعَدُّ بمنزلة رسائل لأعضاء الجسم، حينها ‏ستكون الخلايا العصبية هي ساعي البريد الذي يسافر مسافاتٍ طويلة لنقل الرسالة، ويقوم في ‏هذه الحالة بتسليمها لساعٍ آخر (خلية عصبية أخرى)، وهكذا حتى تصل إلى مناطق الجسم”.‏
العنف الأسري قد يكون لفظياً فيه الصراخ والعويل والشتائم بين أفراد الأسرة ‏وبكل الاتجاهات، وقد يكون عنفاً بدنياً فالطفل الذي يشاهد عنفاً بين والديه ستنمو لديه مشكلة ‏او عقدة تتلخّص بأن إثبات الذات في المجتمع يتم عبر استعمال القوة، وسينمو عنده الجانب ‏الانفعالي على حساب الجانب العقلاني

وتابعت العبادي حديثها لوكالة “يقين” ان الطريق الذي يصل بين الخلايا العصبية يسمى “محورًا عصبيًّا”، وللحفاظ على ‏سلامة الرسالة “الإشارة الكهربائية” جرى عزل “المحور العصبي” وحمايته من خلال إحاطته ‏بمادة دهنية بيضاء يطلق عليها “مايلين”، هذه المادة تتكون خلال مرحلة الطفولة، وتتراكم ‏تدريجيًّا في عملية تُعرف باسم “ميليناتيون”، في إشارة إلى تشكيل مادة “المايلين”، ثم تستمر ‏في النضج حتى سن البلوغ المبكر.‏
ولفتت الى ان “المحنة التي يتعرض لها في مرحلة مبكرة من الحياة، قد تعطل بشكل دائم ‏مجموعةً من الوظائف العصبية في القشرة الحزامية الأمامية للمخ،والتي تؤدي دورًا بارزًا في ‏عمليات صنع القرار وإدارة المشاعر والعاطفة”.‏
وتطرقت العبادي إلى الجانب النفسي للطفل المعنف والذي تكون له اسباب عديدة منها ان ‏الشباب يكونون عنيفين ويكرّرون ما فعله آباؤهم بهم وكأنّ دورة العنف تنتقل من جيل الى ‏اخر”.‏
وبينت ان “العنف الأسري قد يكون لفظياً فيه الصراخ والعويل والشتائم بين أفراد الأسرة ‏وبكل الاتجاهات، وقد يكون عنفاً بدنياً فالطفل الذي يشاهد عنفاً بين والديه ستنمو لديه مشكلة ‏او عقدة تتلخّص بأن إثبات الذات في المجتمع يتم عبر استعمال القوة، وسينمو عنده الجانب ‏الانفعالي على حساب الجانب العقلاني”.‏
وتضيف انه “عندما تعنف الأم الأب، من خلال ضربه أو إجباره على تنفيذ أمور لأنها تتحكّم ‏بالأسرة اقتصادياً، سيكره الطفل شخصية أبويه ولا يتوحّد نفسياً مع أي منهما ولا يعتبر أي ‏منهما مثله الأعلى وسيكون هذا الطفل مشروع شخصية بلامشاعر يعذّب القطط والكلاب ولا ‏يتألم لألم الآخرين لا بل يتلذّذ بتعذيبهم لذا يمكن القول ان العنف الذي يتعرّض له الإنسان في ‏الطفولة قد يجعله أكثر ميلاً للتطرف”.‏
واكدت ان “هناك حاجة ماسة لتفعيل الاجراءات التنفيذية وتشريع قوانين جديدة وفق متطلبات ‏الحاجة ووفق ما توصل اليه المجتمع من عنف وسلبيات اجتماعية بكل مجالات الحياة, وان ‏يكون للسلطة القضائية دور كبير في سن ومعالجة ظاهرة العنف الأسري”، واعتبرت العبادي ‏‏”ارتفاع منسوب قضايا العنف لعدة أسباب منها تداعيات نفسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ‏أمنية وسياسية انعكست بشكل كبير على الأسر والمجتمع”.
دراسات وجهود دولية

وفقًا لدراسة شاملة حول ”رفاه الأطفال“ التي تدعمها منظمة الطفولة العالمية “اليونيسف” والتي صدرت عن المنظمة نهاية عام 2018، فإن 80% من أطفال العراق يعانون من العنف في المنزل أو في المدرسة، وأوضحت نفس الدراسة أن 28% من النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 20-24 عامًا، قد تزوجوا قبل سن 18 عامًا، و 7.3٪ من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و 17 عامًا يعملون في أشكال مختلفة من عمالة الأطفال.

وعن المشاكل الإجتماعية الناتجة عن العنف قالت المتحدث بإسم منظمة اليونسيف في العراق “زينة عوض” يمكن للفقر والحرمان دفع بعض الأسر الأكثر فقراً إلى تبني آليات التكيف السلبي مثل عمل الأطفال وزواج الأطفال، وهو ما يؤدي إلى زيادة التوتر داخل المنزل.

وأضافت أن مئات الآلاف من الأطفال في جميع أنحاء العراق، بما في ذلك الأطفال المشردين داخلياً والأطفال اللاجئين، يحتاجون إلى الحماية والخدمات التي تعالج العنف والاستغلال والإساءة والإهمال.

وبينت عوض في تصريحها لوكالة “يقين” أن اليونيسف تواصل تقديم الدعم النفسي والاجتماعي المنظم والمستدام، ويتلقى المعلمون أيضًا تدريبًا على تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال في الفصول الدراسية.

الأطفال وفيروس كورونا في العراق

العراق من بين الدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل (CRC)، والتي تعتبر من أهم المعاهدات التي تمت المصادقة عليها في تاريخ الأمم المتحدة، ومن خلال التوقيع على الاتفاقية، فإن العراق التزم بتنفيذ جميع الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقية، بما في ذلك حماية الأطفال من جميع أشكال الاستغلال والاعتداء عليهم، بما في ذلك الزواج المبكر والعنف البدني والعاطفي وعمالة الأطفال حسبما بينت المتحدثة بإسم اليونسيف في العراق.

وأكدت أن العنف ضد الأطفال قد ارتفع نتيجة للتأثير الاجتماعي والاقتصادي المدمر الذي تسببه فايروس COVID-19 على الأسر والعزلة التي يفرضها على الأطفال والمراهقين، والأطفال الأكثر عرضة لخطر الإصابة هم أولئك الذين يعيشون بالفعل بمستويات الفقر، وإن إجراءات مواجهة الفيروس تخاطر بإغراقهم أكثر في المشقة، كما إن الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية ستزيد من خطر زواج الفتيات المبكر والحمل والعنف القائم على نوع الجنس.

أن الحروب الأهلية والمعارك والوضع الإقتصادي والمادي بالإضافة إلى المشكلات الإجتماعية في العراق، خلفت مئات آلالاف من الأطفال الأيتام الذين فقدوا آباءهم أو عائلاتهم أو تعرضوا للعنف مع عائلاتهم وذويهم

وختمت عوض حديثها لوكالة “يقين” بالقول: ” أن منظمة اليونيسف تواصل العمل مع شركائها لتوفير الدعم النفسي والاجتماعي وخدمات إدارة الحالات للأطفال الفقراء خلال فترة هذا الوباء، ونظرًا لقيود الحركة فإن مقدمي الخدمة لجئوا إلى أسلوب التسليم عن بُعد باستخدام الهواتف المحمولة في أماكن الحركة المقيدة وفي أماكنهم الشخصية حيثما أمكن ذلك”.

وتؤكد تقارير المنظمات الإنسانية المحلية والدولية، أن الحروب الأهلية والمعارك والوضع الإقتصادي والمادي بالإضافة إلى المشكلات الإجتماعية في العراق، خلفت مئات آلالاف من الأطفال الأيتام الذين فقدوا آباءهم أو عائلاتهم أو تعرضوا للعنف مع عائلاتهم وذويهم، أو ممن أصبحوا مشردين أو أميين أو مصدومين من آثار الحروب والعنف في المجتمع، ما يشكل مشكلة كبيرة وخطيرة على الأجيال المقبلة التي تعجز حكومات الفساد التي فشلت في إدارة العراق عن معالجتها، وتحتاج إلى جهود مشتركة محلية ودولية من أجل إنقاذ الأطفال والحفاظ على سلامتهم وضمان مستقبلهم.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق