الدولة العميقةالعنف والجريمة بالعراقتقارير

قضاء العراق.. فساد وتسييس وماحاباة للأحزاب المتنفذة

تتعدد المشكلات في بنية النظام السياسي العراقي الحالي ودوره في التأثير على السلطات القضائية والتنفيذية، ويتمثل في ضعف الدور الرقابي للسلطة التشريعية في مجلس النواب العراقي، الذي يعتبر السلطة العليا للبلد، فالجانب القضائي والعدلي في العراق بات رهينة التأثيرات السياسية والحزبية والطائفية منذ غزو العراق سنة ٢٠٠٣، إذ ان ملفات التحقيق والاستجواب باتت تخضع للاتفاق بين رؤساء الكتل السياسية وزعماء الأحزاب، أكثر من اعتمادها على معيار رقابي موضوعي، وتحول الدور الرقابي كوسيلة لتصفية الحسابات بين الخصوم السياسيين، وفي حالات كثيرة منصة إعلامية لكثير من النواب الباحثين عن حضور في برامج الحوار السياسي في بعض الفضائيات الحزبية التي تلعب دورا في تشويش الرأي العام أكثر مما تعمل على كشف الحقائق، وفي حالات بسيطة جدا يكون الدور الرقابي مهنيا وموضوعيا وكاشفا للمفسدين، إلا إنه سرعان ما يتحول من دون أثر فعلي في الإقالة، بسبب حماية مافيات الفساد ورؤساء الكتل السياسية.

ويرتبط موضوع الفساد في عجز وهشاشة الدولة التي باتت بيئة خصبة لمافيات الفساد المرتبطة مباشرة بقوى حزبية فاعلة في النظام السياسي العراقي، وتعمل بعناوين المكاتب أو الهيئات الاقتصادية للأحزاب السياسية، بالإضافة إلى ميليشيات وقوات ترتبط بهذه الأحزاب والجهات تسيطر على منافذ اقتصادية مهمة.

لا يمكن استثناء أي جهة او مؤسسة عراقية من التأثيرات الخارجية، او تعرضها لتأثيرات نفوذ الأحزاب والجهات المسيطرة على المشهد العراقي

غلبة الجانب السياسي وتأثيره على القضاء:

أن المتابع للشأن القضائي العراقي يلاحظ مدى التسييس والتخبط وعدم الوضوح في إصدار القرارات والأحكام القضائية والحديث ليس عن القضايا الشخصية والمدنية وتلك التي لا تتعدى حدود طرفي التقاضي، إنما تلك القضايا التي تتعدى حدودها طرفي النزاع الى المساس بنظام المجتمع وأمنه واقتصاده، كقضايا الارهاب والابادة الجماعية وقتل وتهديد واختطاف وتهجير وقضايا الاقتصاد والخدمات والفساد الاداري والمالي وطريقة التعاطي مع تلك القضايا، بدءا من كيفية إصدار أوامر إلقاء القبض مراحل التحقيق الأولى الى كيفية تنفيذ الاحكام القضائية وانواع الضغوط والانحياز الواضح لجهات سياسية وحزبية مهيمنة على حساب جهات اخرى وكثرة المعتقلين في السجون والمعتقلات العراقية دون محاكمة أو تحقيق لفترات طويلة وهروب الجناة وافلاتهم من قبضة العدالة، و تركهم أحرارا على الرغم من توفر الأدلة والبراهين، هذا ما تحدثت المستشارة القانونية “عالية إسماعيل” لوكالة “يقين” والتي اعتبرت ان الكثير من النزاعات ونتائجها تعتبر ادانة قضائية غالبا ما تجيير لمصالح سياسية وحزبية، حتى أصبحت تسيء الى نزاهة السلطة القضائية واستقلاليتها واصفةً إياها بعدم الحيادية وغلبة الجانب القوي أو السياسي على الجانب القانوني والشواهد والامثلة كثيرة .وأضافت إسماعيل: “إن الحديث عن استقلالية القضاء وحياديته أصبح كمن لا يفقه حقيقة الواقع الذي يعكس حقيقة المصالح السياسية التي أصبحت فوق كل اعتبار، فهل نتحدث عن عجز القضاة عن حسم الخلافات والصراعات والنزاعات ام نتحدث عن الضغوط التي يتعرض لها اغلب القضاة المستقلين والتهديد المباشر لهم أنفسهم وممتلكاتهم والتي راح العديد منهم ضحايا التصفية والاعتداءات ام نتحدث عن زعزعة الثقة باغلب الأحكام والقرارات لغلبة الجانب السياسي وتسييس القضاء؟”

وكان للقاضي السابق “طارق حرب” فأكد لوكالة “يقين”لا يمكن استثناء أي جهة او مؤسسة عراقية من التأثيرات الخارجية، او تعرضها لتأثيرات نفوذ الأحزاب والجهات المسيطرة على المشهد العراقي، وربما يعتبر القضاء العراقي هو الأفضل من ناحية الاستقلالية بين جميع مؤسسات الدولة، إلا أن هنالك تأثيرات ونفوذ وتدخل في عمل القضاء وهذا ما حدث بالفعل طوال السنوات السابقة، لكن هذا لا يعني أن يفقد المواطنين ثقتهم بالقضاء العراقي.وأوضح حرب قائلا: “في ذات الوقت اقول ان هناك ايضاً فساد بالمؤسسات القضائية والعدلية لكن بنسبة قليلة، فإذا تم تهديد القاضي من قبل جماعات مسلحة لاجل قضية معينة بالطبع سينفذ الأوامر المطلوبة منه تحت التهديد”، مضيفاً: “ليس لدينا اي احصائيات بمجموع ومعدلات التجاوزات والخروقات في القضاء والعراق يفتقر لهذا الأمر لعدم وجود جهات ترصد المواضيع من هذا النوع”.

القُضاة والسياسة القضائية بعد ٢٠٠٣:

تساؤلات كثيرة يطرحها المواطن العراقي بعدما فقد استقلال السلطة القضائية وبالتحديد مدى استقلالية مجلس القضاء الاعلى سواء في اختيار القضاة وتعيينهم من اجل تشخيص مواضع الخلل ونقاط السلب والعمل على تجاوزها الى مستوى وضوح الرؤية التنظيمية ، حتى بعد ان تم تشكيل مجلس القضاء الاعلى الذي يفترض ان يكون جهة قضائية مستقلة لانها تضم خيرة العقل التشريعي والخبرة القضائية والذي اصبح من اختصاصه تعيين القضاة حصرا بعيدا عن تدخل سلطة وزارة العدل التنفيذية إلا أن الامر استمر كما كان عليه لا بل زاد الامر تعقيدا بانبثاق فكرة المحاصصة الطائفية التي حولت مجلس القضاء الاعلى الى مجرد مجلس لتكريم رجال النظام الجديد عبر تعيينهم في هذا المجلس وهو ما يجعلنا نشكك في اعتماد اهل العلم والخبرة.

هناك الكثير من الملفات المهمة جداً لدى القضاء، وهي مرتبطة بتهم فساد وإرهاب، وتضمّ أسماء سياسيين عراقيين، جاهزة لاتخاذ العقوبة اللازمة بحق المتورطين، ولكنها بحاجة إلى أن تتوفّر فيها الشفافية وأن تعلن على الملأ، لأن المدعين بالحق الشخصي أو الضحايا هم كثر

ويقول قاضي سابق فضل عدم ذكر إسمه لوكالة “يقين” إن القضاء كغيره من مفاصل الدولة أصبح هو الآخر خاضعا للمحاصصة الطائفية ومقربا من النظام الحاكم ولا يعين بمنصب القاضي او الادعاء العام الا من كان مدعوما من قبل جهة او حزب سياسي دون اعتبار للكفاءة والخبرة والمقدرة .وأضاف: “هناك تيار يقود ضد العمل بمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات العامة التي لا تمييز بين مواطن واخر بسبب الجنس او الدين او المعتقد او العمر او الاصل او العرق او اللغة.. الخ” معتبراً إن هذه مبادىء عالمية لا يمكن التغاضي عنها مهما كانت الظروف، وبالتالي فان اغلب القضاة هم من الموالين أو المنتمين حزبيا وتنظيميا لهذه الجهة الحزبية او تلك.

 أما القاضي “علي التميمي”أكد لوكالة “يقين”، أنّ “هناك الكثير من الملفات المهمة جداً لدى القضاء، وهي مرتبطة بتهم فساد وإرهاب، وتضمّ أسماء سياسيين عراقيين، جاهزة لاتخاذ العقوبة اللازمة بحق المتورطين، ولكنها بحاجة إلى أن تتوفّر فيها الشفافية وأن تعلن على الملأ، لأن المدعين بالحق الشخصي أو الضحايا هم كثر، والكثير من هذه الجرائم يرتقي إلى مستوى الجرائم الدولية وهي ضدّ الإنسانية وتعتبر جرائم حرب”.وأوضح أنّ “الجانب السياسي يؤثّر كثيراً في نظام القانون العراقي، والقضاة لا يستطيعون اتخاذ اللازم بحق القضايا المتعلقة بسياسيين ورموز لهم شعبية ونفوذ ومليشيات، والقاضي العراقي غير محمي، وبالنتيجة، فإنّ الكثير من القضاة لا يتخذون الإجراءات الدستورية ضدّ جهات سياسية، خصوصاً إذا كانت متنفذة، بسبب الخوف. وقد حدث أكثر من استهداف للكثير من للقضاة بسبب اتخاذ الأحكام اللازمة بقضايا معينة”.وأضاف التميمي: “نحتاج في المرحلة الجديدة، وتحديداً من الحكومة المقبلة، أن نؤسس قضاءً مفصولاً ومستبعداً عن السياسة، ونحقّق استقلالية القضاة، لتُفتح الملفات المتعلقة بالإرهاب والفساد، كذلك، يجب أن يفعّل دور جهاز الادعاء العام العراقي، وتتم الاستفادة من صلاحياته الواسعة، وفتح حتى الملفات التي لم تقدّم فيها شكاوى من أحد الأطراف، ولا سيما تلك التي تظهر في الإعلام من خلال تصريحات المواطنين والمسؤولين”.ومنذ عام 2003 ولغاية الآن، لم يتمكّن القضاء العراقي من رسم صورة إيجابية أو مستقلة له داخل الشارع العراقي، فتهم التحيّز لجهات سياسية دون غيرها ظلّت مرافقة له على الدوام، كذلك، ينسب له إدخال العراق في واحدة من أبرز المشاكل التي ما زالت تخيّم عليه حتى الآن، وهي حكمه لصالح “نوري المالكي” عام 2010 على حساب غريمه السياسي “إياد علاوي” من خلال تفسيره الفقرة الدستورية الخاصة بالانتخابات بأنّ الذي يحقّ له تشكيل الحكومة ليس الفائز في الانتخابات التشريعية، وإنّما الذي ينجح في تشكيل ما بات يعرف بـ”الكتلة الأكبر” داخل البرلمان.

القضاء والفساد:

يعاني القضاء العراقي في الوقت الحاضر من مشاكل وخلل كبيرين أثرا سلباً على حياة المواطن العراقي، فهو يعاني من عدم التقيد بالقوانين العراقية النافذة، بالإضافة إلى الخلل في اجراءات المحاكم وعدم كفاءة القضاة وعدم استقلاليتهم، وفقدان القضاء العراقي استقلاليته منذ بداية الاحتلال الأمريكي فاقم الكثير من المشاكل، وقالت الناطق الرسمي بإسم المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب “فاطمة العاني” إن التدخلات والضغوط بدأت تمارس على القضاء من مختلف الجهات في مقدمتها الاحتلال الامريكي، اضافة الى التدخلات الايرانية من خلال المليشيات المتنفذة في العراق وتأثير الأحزاب السياسية الحاكمة؟

ان المسؤول الاول عن الفساد هو الدستور المفروض على الشعب العراقي، الذي ادى الى ظهور المليشيات وطبقة سياسية فاسدة تتحكم بمصير البلد،

وأوضحت العاني ان المسؤول الاول عن الفساد هو الدستور المفروض على الشعب العراقي، الذي ادى الى ظهور المليشيات وطبقة سياسية فاسدة تتحكم بمصير البلد، بالاضافة الى حكومات العراق المتعاقبة وكذلك مجلس النواب العراقي الذي يقف حجر عثرة أمام تحديد صلاحيات القضاء العراقي من خلال تشريع القوانين التي تسمح للقضاء بممارسة سلطاته.

وبينت أن من أهم مظاهر فساد وعدم استقلالية القضاء العراقي تتمثل في سطوة المليشيات، وآخرها ماحدث بعد القبض على عناصر مليشيا حزب الله العراقي في مقرهم وبالادلة، ولكن بسبب الضغوط السياسية الكبيرة التي مارستها الأحزاب المتنفذة تم إطلاق سراحهم.

وأشارت العاني الى ان هناك ايضا ملف فساد الطبقة السياسية الذي أعلن عنه باعتراف مجلس القضاء الاعلى عندما أعلن القاضي عبد الستار البيرقدار في وقتٍ سابق بان القضاء العراقي يتعرض الى ضغوط سياسية كبيرة من أجل تبرئة مدانين بقضايا فساد و شمولهم بالعفو العام، وعن ملفات الانتهاكات الجرائم المرتكبة بحق المدنين قالت العاني أن هناك ملف الفساد في محاسبة مرتكبي الانتهاكات والجرائم ضد المتظاهرين وخاصة بعد انطلاق التظاهرات في اكتوبر 2019، والتي هي حق العراقيين في التعبير عن الرأي، إذ لاقى المتظاهرون قمع عنيف مارسته الحكومة والميليشيات بحقهم من دون ان يتم محاسبة مرتكبي هذه الانتهاكات بسبب انتمائهم او مساندتهم من قبل الطبقة السياسية والمليشيات الحاكمة هذا يؤكد بان القضاء العراقي ليس مستقلا.

القضاء العراقي اصبح سلطة تابعة لأحزاب سياسية متنفذة، والمناصب فيه موزعة بين الأحزاب وفق مبدأ المحاصصة الطائفية والحزبية

يتعرض القضاء العراقي الى خروقات كثيرة بسبب خلافات ودوافع شخصية وضغوط تمارسها المليشيات والاحزاب الحاكمة بهدف الاستيلاء على السلطة ومفاصلها بذرائع دستورية وكذلك من اجل الافلات من العقاب عن طريق التحايل على القانون مما أهّلَ العراق لان يحتل مراتب متقدمة في الفساد العالمي، وأكدت المتحدثة باسم مركز توثيق جرائم الحرب في العراق “فاطمة العاني” أن هناك ملفات فساد وخروقات كثيرة في القضاء العراقي، وهنالك ملفات كثيرة لا يمكن حصرها او اصدار احصائيات دقيقة بها لان هذه الملفات تتعلق بشخصيات متنفذة ومافيات سياسية ومالية تسيطر على مفاصل الدولة بمساندة الدولة، متسائلةً اين هي نتائج التحقيق في ملفات الاختفاء القسري او الفساد المالي أو التحقيق في الاغتيالات والتفجيرات والحرائق التي أودت بحياة الكثير من العراقيين؟ ملفات كثيرة وكبيرة ومهمة.

وأشارت إلى ان القضاء العراقي اصبح سلطة تابعة لأحزاب سياسية متنفذة، والمناصب فيه موزعة بين الأحزاب وفق مبدأ المحاصصة الطائفية والحزبية، كما اصبحت المنافع الشخصية لها الاولوية عندما بات القضاء العراقي اليوم اداة يتم استخدامها للضغط على الخصوم السياسين وتصفية حسابات والضحية الوحيدة هي الشعب العراقي.

وطالبت العاني بضرورة استعادة هيبة القضاء العراقي وفرض استقلاليته باعتباره السلطة الثالثة، وإعادة الكفاءات القضائية ذات الخبرة الرصينة والتي تتعامل بمهنية ونزاهة بمساندة وحماية دولة قوية غير تابعة لأي جهة خارجية، وان تكون مصلحة العراق والعراقيين هي الاولى وليس المصالح الشخصية.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق