التعليم في العراقالتعليم في العراق.. أزمات وتحدياتتقارير
أخر الأخبار

التعليم الالكتروني في العراق.. تنفيذ خاطئ لإجراءات صحيحة

يعيش ”أحمد سلام“ البالغ من العمر ١٩ عاماً مع والدته واخوته الصغار في بيتِ جده القديم الواقع أطراف قضاء الطارمية شمال بغداد، واقعٌ صعب بين الظروف الأمنية المحيطة بهم والانعدام شبه الكامل للطاقة الكهربائية مع تردي خدمة الأنترنت والإفتقار لوسائل التكنلوجيا الحديثة.

تحدث أحمد لوكالتنا عن ظروفه التي يعيشها قائلا:“ توفي والدي منذ سنتين، وتحملت مسؤولية والدتي وأخوتي الصغار، كنت أعمل في ورشة الحدادة التي يمتلكها عمي قبل إجراءات حظر التجوال، وفي نفس الوقت أواصل دراستي في مرحلة السادس الاعدادي، كان حلمي هو دخول الجامعة وإختيار التخصص الذي أحب إلا أن الوضع الذي نعيشه ويعيشه جميع الطلبة اليوم حطم كل شيء“.

وأضاف ”أن صعوبة الوضع الراهن تتمثل في التعليم الاكتروني عن بعد هنا في العراق، فهذا الأمر فاقم المعاناة بشكل كبير، لأن وسائل التعليم الاكتروني غير متوفرة لدينا، إبتداءً من الكهرباء والأجهزة اللازمة للتعلم، بالإضافة إلى خدمة الأنترت السيئة جداً، فلا نستطيع مواكبة مناهجنا التعليمية، لأن الأساتذة لم يكونوا مهيئن لهذا الأمر، ولا يمتلكون أساساً وسائل التعليم الحديثة وفق المناهج المتطورة، لهذا لن نتمكن من أداء امتحاناتنا بشكل تنافسي من أجل ان نحظى بالتخصص المناسب“، مطالباً وزارة التربية بمراعاة ظروف الطلبة وإيجاد الحلول المناسبة لأجل التخفيف من معاناتهم.

معاناة أحمد سلام لا تختلف عن معاناة جميع الطلبة داخل العراق، فالطالب العراقي اليوم يحتاج إلى وسائل تعليم متطورة وفق مناهج حديثة يمكن من خلالها التعامل مع الظروف الحالية وحظر التجوال المتواصل.

 الطالبة ”آية خليل“ ٢١ سنة تدرس في جامعة بابل أوضحت لوكالة ”يقين“ أنها اكملت امتحانات الجامعة النهائية لكنها غير متفائلة بسبب المواد العلمية التي أعطيت لها من أجل أداء الإمتحان النهائي قائلةً: ”الجامعة أرسلت عبر الواتساب محاضرات كثيرة، وأغلب الدروس المطلوب إمتحانها لم ندرسها أو لم يتم شرحها للطبة عبر تسجيل فيديوي أو تواصل مباشر، مما صعّب كثيراً الإجابة عنها خلال مدة الإمتحان، كذلك الجانب التكنلوجي فالموقع مصمم لدخول واحد فقط، فإذا توقف الأنترنت أو أنقطع التيار الكهرباء سيحرم الطالب من أداء الإمتحان مرة ثانية، مما يسبب تعرض الطالب لرسوب حتمي في هذه المادة“.

وطالبت الوزارات المعنية بتطوير الجانب التكنلوجي وتوفير الوسائل التعليمية الحديثة لأن التعليم عن بعد هو إجراء عالمي إيجابي يمكن الانتقال إليه في المستقبل، وفق المناهج العلمية العالمية المتطورة.

لا يمكن قياس نجاح تجربة التعليم الالكتروني اليوم بهذه الطريقة كونه جاء كحالة معالجة لظرف استثنائي أجبر الطالب والاستاذ على اعتماده

مناهج التعليم وضعف التكنلوجيا

بعد توقف الدوام في المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية العراقية إثر تسجيل اصابات متعددة بفيروس كورنا المستجد في جميع المحافظات، اطلقت وزارتي التربية والتعليم العالي منصات عديدة لغرض إكمال المناهج المقررة وعدم توقف الدراسة في الوقت الراهن، من خلال تطبيق نظام تعليمي جديد في المؤسسات التعليمية العراقية، والذي اتبعته العديد من دول العالم بفترة حظر التجوال، والهدف منها هو الحد من انتشار الوباء والسيطرة عليه واستمرار التعليم دون أن يكون هنالك تأثير مباشر على مستويات الطلبة التعليمية، إلا أن هذا النظام قد يكون تطبيقه صعباً في العراق نتيجة لعوامل متعددة.

وأوضح المشرف التربوي الدكتور ”مصطفى التميمي“ لوكالة يقين“: ”لا يمكن قياس نجاح تجربة التعليم الالكتروني اليوم بهذه الطريقة كونه جاء كحالة معالجة لظرف استثنائي أجبر الطالب والاستاذ على اعتماده“ مضيفاً: ”في تصوري ممكن ان يكون ناجحا للتخصصات الانسانية وهو نظام معمول به في جامعات عالمية في اوروبا وغيرها لكن من الصعب ان يكون بهذا النجاح مع التخصصات العلمية كونها تتطلب محاضرات عملية تطبيقية في الواقع، وهذا يمكن ان يعمم على الجامعات وكذلك الدراسات الاعدادية“.

وأعتبر ان الموضوع لا يتطلب كهرباء لكنه يتطلب انترنت بخدمة متوسطة وهذه حجج اراها غير منطقية لان اغلب الطلبة يستخدمون منصات التعليم الالكتروني عبر جهاز الموبايل، لكن ما يعاب على ذلك ضعف القدرة لمستخدمي هذه التطبيقات من بعض الذين لا يواكبون حداثة التقنيات الالكترونية، والعالم اليوم في سباق مع الزمن على التحولات الرقمية في الحياة، لذا ارى من الضروري ان تساهم الوزارات المعنية في تأهيل قادة متخصصين في رفع كفاءة الطالب والاستاذ على كيفية الاستخدام الامثل لهكذا تطبيقات، كون الحياة الى الان غامضة في ما يخص الجائحة العالمية“.

وأضاف ”لا يمكن التكهن بما تحمله الفترة المقبلة من واقع سيفرض نفسه على قطاع التعليم لكن لو عادت الحياة الى طبيعتها فالامثل ان يعود النظام الكلاسيكي للتعليم كون مخرجاته اكثر وقعا ونفعا مع الطالب العراقي من التعليم الالكتروني، وسبق ان ذكرنا انها واقع معالج للظرف الطارئ وتجربة جديدة سنحتاج وقت وجهد لاكتسابها المنفعة المرجوة وحينئذ يمكن قياس مخرجاتها بواقع التعليم الكلاسيكي.

مسألة الدوام للعام المقبل يحدده واقع تأثير فيروس كورونا والظرف الصحي للبلد بشكل عام، لأنه من غير الممكن البدء بالعام الدراسي وهناك خطر على الطلبة

هل سيعتمد التعليم الأكتروني ٢٠٢٠ – ٢٠٢١؟

مع إستمرار الاجراءات الوقائية لمواجهة خطر فيروس كورنا أوصت لجنة التربية والتعليم في مجلس النواب العراقي في آخر إجتماعٍ لها اعتماد التعليم الالكتروني في العام الدراسي المقبل ٢٠٢٠ -٢٠٢١ في حال لم يتم إيجاد حلول أخرى أو إنتهاء خطر الفيروس، وقال مقرر اللجنة في مجلس النواب “طعمة اللهيبي” في حديث لمراسل وكالة “يقين”: “إن التحضيرات جارية لبداية العام الدراسي المقبل، ولكن يبقى الظرف الراهن هو الفاصل، وأن مسألة الدوام للعام المقبل يحدده واقع تأثير فيروس كورونا والظرف الصحي للبلد بشكل عام، لأنه من غير الممكن البدء بالعام الدراسي وهناك خطر على الطلبة”، مرجحاً أنه “في حال استمرار الفايروس، فلن تكون أمام الوزارة إلا المنصات الالكترونية والدراسة عن بعد”، مطالباً وزارة التربية والزارات المعنية الأخرى بضرورة إصدار دراسة شاملة عن الوضع المستقبلي للتعليم وتحديد ما يمكن العمل عليه خلال العام القادم، لكي يتم تجنب المفاجئات والمباشرة بأداء الطلبة عامهم بكل إنسيابية وتحديد الأولية اللازمة لإعتمادها.

وزارة التربية من جانبها أكدت أنها تسعى بشكل حثيث لمواصلة العملية التعلمية واجتياز فترة امتحانات الطلبة بشكل جيد، وقال المتحدث الرسمي لوزارة التربية ”حيدر فاروق“ في تصريح خاص لوكالة ”يقين“ إن وزارة التربية تسعى بشكل حثيث وبجهود مستمرة من أجل إيجاد الظروف الملائمة والوضع الملائم ليؤدي الطالب الاختبارات بشكل جيد ومتواصل، مضيفاً أن التعليم الالكتروني في العراق اليوم يعتبر خطوة مساندة للتعليم التفاعلي داخل القاعات، ومع هذه الظروف ومرور البلد بأزمة جائحة كورونا لابد من إيجاد طرق أخرى تتمثل بالتعليم الإلكتروني والمنصات الإلكترونية والتلفزيون التربوي ومواقع اليوتيوب والمواقع الاخرى المتاحة، وهذه الوسائل قدمت الفائدة بشكل كبير للطالب العراقي بالنسبة للدروس والمناهج المعدة له هذا العام، وسيتم وضع الخطط اللازمة من قبل الوزارة لإستمرار الدوام وتحديد المناهج للعام الدراسي القادم.

وأشار فاروق أن هنالك بعض المعوقات التي يعاني منها الطلبة إلا أنها ليست بالتأثير الكبير لأن أغلب العائلات لديها اشتراكات في مولدات كهربائية محلية والأنترنت كذلك متوفر، وربما تكون خدمة الانترنت ضعيفة وليست ذات جودة عالية لكن هذه مشكلة البلد بالكامل، وزارة التربية وجهت رسالة اطمئنان الى الطلبة بأن تكون الاسئلة مناسبة وبسيطة خلال هذا العام، وفي نفس الوقت حث الطلبة على بذل المزيد من الجهود واستغلال هذه الفرض وكذلك الاهتمام والتهيؤ للإختبار النهائي.

التحديات والمعالجات

تسائل الكثير من المواطنين عن مدى قدرة وامكانية الجهات المؤسسات التربوية من تطبيق النظام التعليمي الجديد، ومدى توفر البنية التحتية اللازمة لمثل هذا النظام سواء كانت هذه الإمكانيات مادية أم بشرية، ويقول السيد ”ابراهيم التميمي“ ٥٤ عام: ”لدي ثلاثة أبناء وجميعهم يدرسون في مدراس حكومية، ولا أجد من المنطقي الإعتماد على هذا الأسلوب وفق ما نراه من إجراءات تكاد تكون عبئاً جديداً على العائلة والطالب، فالأساتذة بحاجة إلى دورات تطويرية للتعامل مع التعليم الاكتروني وإيصال المعلومة إلى الطالب بدقة، والمواقع التعليمية التي تستخدمها الكوادر التربوية وتحديداً فيما يتعلق بالمواد الفيديوية تحتاج إلى خدمة انترنت عالية وأجهزة تكنلوجية متطورة“.

إن تجربة التعليم الإلكتروني على مستوى العالم ناجحة بشكل كبير، ونجحت بمستويات عالية في مختلف البلدان لأسباب متعددة،  إلا ان تجربتها في العراق نجحت بنسبة منخفضة، وتحديداً في الجامعات العراقية، وتطبيقها في المدارس يواجه مشكلة كبيرة بسبب ضعف البنى التحتية

أما الدكتور “طارق العزاوي” وهو مشرف تربوي متقاعد قال لوكالة ”يقين“: “لابد من التوقف على الواقع التعليمي في العراق والذي يتصف بالتأخر وعلى كافة الاصعدة، اضافة لضعف البيئة التكنولوجية والرقمية في أغلب المؤسسات العراقية ومن ضمنها المؤسسة التعليمية؛ فبعد أن تحولت بعض المؤسسات الى استخدام التكنولوجيا في ادارة شؤونها كالجنسية والجوازات واليوم التعليم، أظهرت جميعها ضعفاً في الأداء الحكومي المرافق لضعف البنية التحتية في قطاع الاتصالات والخدمات التقنية الأخرى”.

وأضاف العزاوي أن هناك مجموعة من التحديات التي تواجه تطبيق النظام التعليمي الجديد ومن أبرزها: المحتوى التعليمي وجاهزية المعلم الذي فوجئ بطغيان التكنولوجيا وشغف الأجيال بها والوعي البيئي بضرورة التقليل من استخدام الأوراق إلى غيرها من العوامل، مما ادى إلى التحول التدريجي والكبير نحو التكنولوجيا مما شكل صدمة لهذه الفئة التي غدت الآن تحت أمر واقع يحتم عليها استخدام التكنولوجيا، وبتفصيل يتعدى تحميل الملفات ومشاركتها على المنصات الإلكترونية إلى ما هو أبعد من ذلك.

وعن المشكلات الشائعة أوضح العزاوي أن لدى لطالب أو حتى المعلم الجهاز اللازم إلا أنه قد لا تتوفر لديه خدمة إنترنت أساساً وإن توفرت فقد تكون بطيئة أو ربما بحزمة غير كافية لتغطية عروض الفيديو والمواد ذات الحجم الكبير، وهذه من المعاناة الكبيرة التي يعاني منها الأستاذ والطالب في العراق.

وفي تصريح لوكالة ”يقين“ قال عضو لجنة التربية والتعليم في مجلس النواب العراقي ”رياض المسعودي“ إن تجربة التعليم الإلكتروني على مستوى العالم ناجحة بشكل كبير، ونجحت بمستويات عالية في مختلف البلدان لأسباب متعددة،  إلا ان تجربتها في العراق نجحت بنسبة منخفضة، وتحديداً في الجامعات العراقية، وتطبيقها في المدارس يواجه مشكلة كبيرة بسبب ضعف البنى التحتية في منازل الطلبة، وهنالك الكثير من العائلات تعيش مستويات دخل محدودة أو منخفضة ولا تمتلك وسائل التعليم الإلكتروني والأجهزة اللازمة للتعليم عن بُعد يضاف إليها ضعف شبكة الانترنت.

وأضاف أن لجنة التربية والتعليم النيابية عقدت جلسة موسعة استضافت من خلالها وزير التربية، ورفضت وزارة التربية من خلال هذا الاجتماع فكرة المعدل التراكمي وتم اتخاذ قرار تأجيل الامتحانات النهائية للسادس الاعدادي الى مطلع شهر أيلول/ سبتمبر المقبل، لحين تخفيف اجراءات حظر التجوال.

يتضح لنا في ضوء ما تقدم أن الأزمة التي واجهت القطاع التعليمي بسبب تفشي فيروس كورونا دفعت التعلم الإلكتروني نحو الواجهة فأصبح الخيار الوحيد حتى في حالة انعدام البنى التحتية، لذا سيواجه الأساتذة والطلاب تحديات كبيرة لمواكبة هذا التحول المفاجئ.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق