تقاريركورونا

المساعدات الدولية الصحية تتوالى على العراق وسط سرقات فاضحة

على مدى الأشهر الماضية التي أعقبت اكتشاف أول اصابة بفيروس كورونا في العراق خلال شباط/ فبراير الماضي، استقبلت البلاد كميات كبيرة من المساعدات الطبية من مختلف دول العالم.

وتأتي المساعدات ضمن المساعي الدولية للحد من انتشار فيروس كورونا في البلدان ومنها العراق، إذ قدمت كل من تركيا والولايات المتحدة والإمارات وقطر وأذربيجان والاتحاد الأوروبي والصين ودول أخرى، مساعدات طبية كبيرة تنوعت ما بين وسائل وقاية من الفيروس المستجد وبين أجهزة طبية وأدوية لعلاج المصابين بالفيروس. 

إلا أنه وعلى الرغم من كل هذه المساعدات التي يبدو للوهلة الأولى أنها تساعد في سد الاحتياجات الكبيرة التي يعاني منها قطاع الصحة العامة في العراق، إلا أن مؤشرات ومقاطع فيديوية تظهر أن كثيرا من هذه المساعدات تتسرب إلى السوق السوداء عن طريق متنفذين في المطارات.

أكبر سرقة لمساعدات طبية أرسلت للعراق كانت في شحنة المساعدات الطبية التي أرسلتها الجمهورية التركية للعراق لمحافظتي التأميم ونينوى بداية الشهر الجاري

سرقة المساعدات الدولية

لم تقف السرقات في العراق طيلة الـ 17 عاما الماضية عند حد معين، إذ وفي ظل انتشار فيروس كورونا في العراق وتسجيله أكثر من 115 ألف إصابة وأكثر من 4500 وفاة، لم تردع أطماع بعض المتنفذين ما يحصل في البلاد، إذ أكد عضو لجنة الصحة والبيئة البرلمانية “جواد الموسوي” في حديثه لوكالة “يقين” على أن السرقات في البلاد فاقت ما يستطيع العقل البشري تخيله. 

مؤكدا على أنه عندما تصل أطماع البعض إلى الاعتداء وسرقة المساعدات الطبية المخصصة لمصابي فيروس كورونا، فإن الوضع ينذر بكارثة حقيقية قد تؤدي إلى إعادة الدول المتبرعة النظر في إمكانية التبرع بمواد طبية للعراق مرة أخرى. 

ويضيف الموسوي لوكالتنا أن أكبر سرقة لمساعدات طبية أرسلت للعراق كانت في شحنة المساعدات الطبية التي أرسلتها الجمهورية التركية للعراق لمحافظتي التأميم ونينوى بداية الشهر الجاري، لافتا إلى أن جزء كبيرا من المساعدات سرقت بعد أن استلمت لجنة من وزارة الصحة شحنة المساعدات من مطار كركوك عندما كانت الجهة المستلمة في طريقها لدائرة صحة المحافظة. 

وعن كمية المساعدات الطبية التركية التي سرقت، يكشف الموسوي أن السرقات شملت أكثر من 7200 كمامة من نوع N95 إضافة إلى سرقة 17 ألفا من الكمامات الجراحية و200 علبة من دواء بلاكوتيل ومواد أخرى كثيرة، مؤكدا على أن اللجنة الداخلية التي شكلتها وزارة الصحة للتحقيق في هذه السرقات لم تعلن نتائجها حتى الآن، مشيرا إلى احتمالية  تسويف نتائج التحقيق كحال غيرها من اللجان السابقة، بحسب تعبيره. 

وفي الشأن ذاته أيضا، وفي سرقة أخرى، كان النائب في البرلمان وعضو لجنة النزاهة “كاظم الصيادي” قد كشف خلال 21 من تموز/ يوليو الجاري عن سرقة مساعدات طبية مقدمة من أذربيجان للعراق تتعلق بشحنات مساعدات طبية وأدوية تصل كميتها إلى 25 طنا.

وأضاف الصيادي في حديثه لإحدى وسائل الإعلام المحلية أن جزء من تلك المساعدات فقدت خلال نقلها من مطار بغداد الدولي إلى مستودعات وزارة الصحة، ودعا الصيادي وزارة الصحة إلى فتح تحقيق عاجل في الحادثة. 

غياب الرادع القانوني والعقابي يسهل على السارقين الإفلات من العقاب في العراق

ما وراء السرقات

هي سرقات لمعدات ووسائل وقاية من فيروس كورونا وأدوية مخصصة لعلاج المرضى، إلا أن السارقين بدأوا ترويج ما سرقوه لبيعه في السوق السوداء، وبهذا السياق، يشير الطبيب الصيدلاني “مضر عاصم” في حديثه لوكالة “يقين” عن أن السرقات التي تجري على قدم وساق لوسائل الوقاية الطبية والأدوية المتعلقة بفيروس كورونا لا تتضمن المساعدات الدولية فقط.

ويؤكد عاصم على أن ما يحصل هو أن جهات متنفذة ومسلحة تستولي وبالقوة على المساعدات وعلى مخازن وزارة الصحة من أجل استحصال أرباح كبيرة عند بيع هذه المسلتزمات في السوق السوداء، لافتا إلى أنه وبعد اسبوعين على سرقة جزء كبير من المساعدات التركية المقدمة للعراق، انتشرت كمامات N95 في الأسواق المحلية في كركوك حتى باتت تباع في المراكز التجارية والشعبية، مشيرا إلى أن كمية ما سرق من كمامات طبية يزيد على الـ 20 ألف كمامة. 

ويقدم عاصم دليلا على أن المساعدات المسروقة باتت تباع في الأسواق المحلية في بغداد وكركوك؛ بأن غالبية الكمامات التي تباع حاليا في الأسواق من منشأ تركي ومن ذات الأصناف التي كانت قد سرقت من المساعدات التركية، وبالتالي فإن ذلك يؤكد على أن المسروقات سربت للأسواق المحلية واستحصل السارقون منها على أرباح خيالية، إذ أن كمامة N95 تباع حاليا بـ 5 آلاف دينار، فيما تباع علبة الكمامات الجراحية بـ 7 آلاف دينار، مضيفا بالقول: “لقد حقق السارقون أموالا تقدر بأكثر من  45 مليون دينار عراقي من سرقة واحدة فقط” بحسبه. 

سرقة الأدوية والمعدات الطبية لا يقتصر على المساعدات الدولية المقدمة للعراق، إذ أن مخازن وزارة الصحة دائما ما تسجل نقصا في خزينها

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي “مازن الكلاك” في حديثه لوكالة “يقين” أن غياب الرادع القانوني والعقابي يسهل على السارقين الإفلات من العقاب في العراق، مؤكدا على أن جميع دول العالم يعتمد الأمن الاقتصادي فيها على تفتيش الأسواق ومطالبة تجار الجملة بتقديم شهادة المنشأ للبضاعة المستوردة. 

ويشير الكلاك إلى أنه وفي حال غياب شهادة المنشأ، فإن ذلك يدل على أن البضاعة إما مهرّبة أو مسروقة، وهذه الآلية لا تعمل بها الأجهزة الأمنية في العراق، ما شجع السرّاق على الاستمرار بأعمالهم والإفلات من العقاب.

ويرى الكلاك في ختام حديثه لوكالتنا، أن سلسلة سرقات المساعدات الطبية في العراق ستستمر طالما استمرت الأجهزة الأمنية والصحية في تغاضيها عن آلية الحل الصحيحة، بحسبه. 

على الجانب الآخر، يقول أحد العاملين في وزارة الصحة الاتحادية في بغداد، إن سرقة الأدوية والمعدات الطبية لا يقتصر على المساعدات الدولية المقدمة للعراق، إذ أن مخازن وزارة الصحة دائما ما تسجل نقصا في خزينها، مشيرا إلى أن الأدوية المستوردة لقطاع الصحة العامة يمكن لأي مريض أن يجدها تباع في الصيدليات، وخاصة الأدوية النادرة باهظة الثمن. 

ويضيف المصدر – الذي فضل عدم الكشف عن هويته لأسباب تتعلق بموقعه الوظيفي – عن أن وزارة الصحة ومنذ سنوات تسيطر عليها جهات متنفذة تابعة لأحزاب وجهات مسلحة وهذا ما أدى إلى أن يقدم وزير الصحة الأسبق “علاء العلوان” استقالته من المنصب قبل أشهر من الآن، بحسبه. 

هي سرقات للمساعدات الطبية الدولية المقدمة للعراق، ففي خضم جائحة فيروس كورونا وأعداد الوفيات الكبيرة التي سجلتها البلاد؛ يبدو أن السرّاق لم يردعهم مرض أو وباء أو حكومة لتستمر معاناة العراقيين إلى أجل غير مسمى.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق