الموصلتقارير

٤٠٪ من سكان نينوى فقراء.. ما هي الأسباب؟

“كنت أساعد الفقراء قبل عام 2014 وبات الآن اتلقى المساعدات من الميسورين”، بهذه الكلمات يصف المواطن الموصلي “خلدون محمد” حاله وهو يتحدث عمّا آل إليه وضع مدينته بعد 6 سنوات على بدء حرب الموصل. 

يحكي محمد عن حاله لوكالة “يقين” وهو الذي كان يملك دارا في حي الدواسة في الجانب الأيمن (الغربي) للموصل، وكان يمتلك عدة محلات في سوق باب السراي في الموصل القديمة، مؤكدا على أن حرب الموصل الأخيرة ضد مقاتلي تنظيم الدولة (داعش) أفقدته جلّ ما يملك، إذ أن جميع محلاته دمرت بالكامل، فضلا عن تضرر كبير في داره ما أحال أجزاء منه إلى ركام.

قصة محمد هي قصة آلاف الموصليين الذين تأثروا بصورة مباشرة وغير مباشرة جراء الحرب الأخيرة التي أدت إلى أن تسجل محافظة نينوى أعلى نسبة فقر عرفتها في تاريخها الحديث. 

إن نسبة الفقر في محافظة نينوى البالغة 40% ليست مستغربة وربما تكون النسبة أعلى من ذلك، إذ أن نينوى ومدينة الموصل على وجه التحديد لم تشهد أي عمليات إعمار تذكر منذ انتهاء المعارك

نسبة فقر صادمة

تشهد مدينة الموصل ومنذ استعادتها من سيطرة تنظيم (داعش)؛ تصاعدا مستمرا في معدلات الفقر الذي تسجله المحافظة، خاصة أن مشاهد الدمار والخراب في الموصل لا تزال شاخصة بعد أكثر من 3 سنوات على انتهاء العمليات العسكرية. 

وبهذا السياق، كشف مدير دائرة إحصاء محافظة نينوى “نوفل سليمان” في حديثه لوكالة “يقين” أن نسبة الفقر في المحافظة وصلت إلى 40%، ما يعني أن قرابة المليون ونصف المليون نسمة من سكان نينوى البالغ عددهم 4 ملايين نسمة تحت خط الفقر. 

في السياق، يقول عضو مجلس محافظة نينوى الذي حلّ قبل أشهر”علي خضير” إن نسبة الفقر في محافظة نينوى البالغة 40% ليست مستغربة وربما تكون النسبة أعلى من ذلك، إذ أن نينوى ومدينة الموصل على وجه التحديد لم تشهد أي عمليات إعمار تذكر منذ انتهاء المعارك، وأن جميع البنى التحتية لا تزال مدمرة، فضلا عن فقدان عشرات آلاف الموصليين مصادر رزقهم بسبب الدمار الكبير الذي حلّ بالمدينة. 

ويضيف خضير أن نسبة الفقر المرتفعة في نينوى تعزى إلى أسباب عدة، أولها أن محافظة نينوى تعد ثانية كبريات المحافظات العراقية في عدد السكان بعدد سكان يتجاوز الـ 4 ملايين نسمة، ومع الدمار الكبير الذي حلّ بها، فإن نسبة كبيرة من السكان باتوا بلا مصدر رزق.

وأشار خضير كذلك، إلى أن الموصل كانت مركزا تجاريا رئيسيا لمدن شمال العراق، وبتدمير غالبية الأسواق الرئيسة في المدينة، فإن غالبية رجال الأعمال والباعة المتجولين وأصحاب المحلات الصغيرة باتوا بلا عمل، بحسبه. 

يعرف خط الفقر علميا ومن الناحية الإحصائية، بأنه الخط أو الفاصل الذي يجعل الإنسان خاسرا حتى لو كان عاملا ولديه مصدر رزق، إذ يكون الشخص تحت خط الفقر عندما تبلغ قيمة الاحتياجات الضرورية له أعلى من قيمة ما يكسبه يوميا في حال كان مصدر رزق. 

أن سكان الموصل لم يتلقوا تعويضات مادية جراء ما خسروه بسبب الحرب، وأن مجموع من تلقى تعويضا لا يتجاوز 1500 شخص فقط، من بين أكثر من 80 ألف مواطن من محافظة نينوى قدموا معاملات تعويض للجنة التعويضات الحكومية

أسباب ارتفاع نسبة الفقر

وفي هذا الصدد، يقول أستاذ الاقتصاد “صميم ذياب” إن الموصل لم تكن لتسجل نسبة الفقر هذه لولا الحرب الأخيرة، التي أريد منها إخراج محافظة نينوى من المعادلة الاقتصادية للبلاد، موضحا أن الموصل معروفة بأن سكانها يمتلكون أفضل الخبرات الإدارية والتجارية وفيها رؤوس أموال كبيرة أضطرت الحرب أصحابها إلى الخروج بأموالهم من الموصل وإيقاف أي نشاط تجاري في المدينة.

ويشير ذياب في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن الحكومات المتعاقبة على بغداد (العبادي وعبد المهدي والكاظمي) لم تقدم شيئا يذكر لمحافظة نينوى، إذ أن البنى التحتية في الموصل لا تزال مدمرة، وأن 3 جسور رئيسة في الموصل لا تزال مدمرة من مجموع خمسة، وبالتالي فصعوبة التنقل بين جانبي المدينة الشرقي والغربي (الأيمن والأيسر) يعرقل تنقل الموصليين بين جانبي المدينة، وبالتالي تراجع الحركة الاقتصادية في المدينة. 

أما الباحث الاقتصادي “عمر صلاح” فيشير إلى أن السبب الرئيس لارتفاع معدلات الفقر في الموصل يعزى لغياب عمليات إعادة الإعمار بعد الحرب الأخيرة، مضيفا أن عدد المحال التجارية التي دمرت في الموصل وحدها تقدر بنحو 50 ألف محل وتوقف عمل أكثر من 20 ألف عامل على العربات المتنقلة أو ما يعرف بـ (الجمبرات).

ليس هذا فحسب، إذ يكشف صلاح عن أن سكان الموصل لم يتلقوا تعويضات مادية جراء ما خسروه بسبب الحرب، وأن مجموع من تلقى تعويضا لا يتجاوز 1500 شخص فقط، من بين أكثر من 80 ألف مواطن من محافظة نينوى قدموا معاملات تعويض للجنة التعويضات الحكومية، بحسبه. 

هذه الأرقام يؤكدها قائممقام الموصل “زهير الأعرجي” الذي كشف في حديث سابق لوسائل الإعلام أن مجموع معاملات التعويض التي صرفت تعويضات لأصحابها لا تتجاوز 1500 معاملة فقط، من بين أكثر من 33 ألف معاملة مكتملة الإجراءات بالكامل. 

تتعدد أسباب ارتفاع معدل الفقر في محافظة نينوى، إذ يقول الباحث السياسي “صلاح الجبوري” في حديثه لوكالة “يقين” إن محافظة نينوى تعد محافظة زراعية بالدرجة الأولى، لكن سيطرة الميليشيات على حدود المحافظة أدى إلى أن تكون حدود المحافظة سائبة، وبالتالي تعاني نينوى حالها حال بقية المحافظات العراقية من استيراد آلاف الأطنان من المنتجات الزراعية والتي تؤدي بالمجمل إلى خسارة المزراعين المحليين. 

ويضيف الجبوري في حديثه لوكالتنا أن جميع السياسيين والنواب البرلمانيين والمحافظين لنينوى وعلى مر السنوات الخمس السابقة لم يفعلوا شيئا في صالح المحافظة، إذ وعلى الرغم من أن نينوى لديها 34 نائبا في البرلمان إلا أنه لا يكاد الموصليين يسمعون صوتا مؤثرا لهم من أجل إعمار الموصل، وأن ظهورهم على شاشات الفضائيات لا يخرج عن كونه دعاية إعلامية لا أكثر، بحسبه. 

عرفت نينوى على مدى تاريخها القديم والحديث بأنها مدينة تجارية وقبلة للرحلات التجارية من مختلف أنحاء العراق وحتى المنطقة، حيث يقول أستاذ علم الاجتماع “مصطفى أحمد” في حديثه لوكالة “يقين” إن الموصل قبل عام 2003 كانت تعرف بـ (سلة خبز العراق) فضلا عن أنها كانت مركزا تجاريا رئيسا في العراق بعد العاصمة بغداد من خلال عائلاتها التجارية المعروفة كـ عائلة الصابونجي والقزاز والأغوات والسيد وغيرهم.

ويشير أحمد إلى أن وضع الموصل بدأ يتغير تدريجيا بعد الغزو الأمريكي عام 2003 نحو الأسوأ، إذ أن جميع الحكومات التي تعاقبت على الحكم كانت متعمدة في إهمال محافظة نينوى ومحاولة إخراجها من المعادلة السوقية في البلاد، لافتا إلى أن ما فاقم وضع نينوى نحو الأسوأ هو سيطرة تنظيم الدولة (داعش) على الموصل صيف عام 2014 ومحاصرة القوات الأمنية للمدينة على مدى ثلاث سنوات، ثم الحرب المدمرة التي شنها التحالف الدولي والقوات الأمنية وقوات “الحشد الشعبي” والتي استمرت 9 أشهر، ونتيجة لكل ذلك بات الوضع الاقتصادي في نينوى قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، بحسبه. 

هو وضع اقتصادي مترد تعيشه محافظة نينوى عامة ومدينة الموصل خاصة، وضع أدى إلى أن تتصدر مدينة الموصل قائمة أكثر المدن العراقية في معدلات الفقر.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق