تقاريركورونا

دفن موتى كورونا .. تجارة مربحة تديرها ميليشيات العراق

بملامح يملؤها الحزن والأسى، يتحدث “حيدر الأوسي” عن حادثة وفاة والده بفيروس كورونا قبل نحو شهر من الآن.

لا يتمالك الأوسي نفسه وهو يتحدث لوكالة “يقين” عن وفاة والده لينهار بالبكاء، ثم يقول متلعثما: “هل يعقل أن العراق الشاسع المساحة لا تستطع حكومته توفير مكان لائق لدفن ضحايا فيروس كورونا؟” ليشير بعدها إلى أن جثة والده بقيت في ثلاجة إحدى مستشفيات مدينة النجف قرابة 3 أيام، قبل أن يوافق حيدر وذووه على أن يسلموا الجثة لفصيل عراقي مسلح كان قد تكفل منذ بداية الوباء لدفن ضحايا الوباء في منطقة نائية بمحافظة النجف مع دفع عائلته مبلغا ماليا لهذا الفصيل للإسراع بدفن والدهم يقدر بنحو 600 دولار، بحسبه. 

لم تنته القصة هنا، فحال حيدر حال مئات العراقيين الذين لم يستطيعوا توديع أحباءهم ولا دفنهم على النحو الذي اعتاد عليه العراقيون، فالحكومة العراقية ومنذ تفشي الوباء لم تجد حلا لموتى كورونا، الأمر الذي نجم عنه أن تتولى فصائل مسلحة هذه المسؤولية. 

أن جميع ما يشاع عن خطورة دفن ضحايا الفيروس واحتمالية انتقال العدوى إلى الدفانين مبالغ فيه.

استغلال للأزمة

باتت أزمة كورونا معضلة كبيرة تواجه العراقيين على مختلف الصعد، إذ يؤكد مصدر طبي في دائرة صحة النجف في حديثه لوكالة “يقين” على أن ملف دفن جثث كورونا بات يعد ملفا أعقد من مشكلة الوباء ذاته. 

وعن دفن فصائل مسلحة لجثث ضحايا كورونا في البلاد، يؤكد المصدر الذي عرّف عن نفسه بـ (محمد ابو علي) على أن هذا الملف يشوبه الكثير من الغموض والفوضى والفساد، إذ أن مؤسسات الدولة العراقية لم تفلح في معالجة ملف دفن ضحايا الوباء، مشيرا إلى أن دائرة الصحة العامة كانت قد اقترحت منذ بداية الأزمة تشكيل فرق فنية طبية تكون مسؤوليتها محصورة بعمليات الدفن، إلا أن الأسابيع الماضية كشفت عن أن ملف دفن ضحايا الوباء أوكل إلى جهة مسلحة تطلق على نفسها (كتائب الإمام علي). 

ويختتم المصدر حديثه لوكالتنا بالتأكيد على أن هذا الملف تشوبه عمليات فساد مالي كذلك، إذ أن الإسراع بدفن الضحايا يستوجب على ذويهم دفع مبالغ مالية من قبل ذوي المتوفي لهذا الفصيل، كي لا يتأخر المتوفي كثيرا في ثلاجات الموتى، بحسبه. 

وعن مشكلة دفن ضحايا كورونا وما يشوبها من حديث عن احتمالية انتقال الفيروس إلى الدفانين، فيؤكد أستاذ طب التشريح في العراق “سمير الهلالي” في حديثه لوكالة “يقين” على أن جميع ما يشاع عن خطورة دفن ضحايا الفيروس واحتمالية انتقال العدوى إلى الدفانين مبالغ فيه. 

ويؤكد الهلالي على أنه ومن الناحية الطبية، فإن جثة المتوفي بالفيروس تكون أقل من حيث نقل العدوى من المريض ذاته، خاصة إذا ما وضعت الجثة في كيس مخصص للموتى ودفنت بعناية، مشيرا إلى أن العامل الرئيس في نقل الفيروس هو الرذاذ الناجم عن التنفس وهو العامل الذي ينتهي بوفاة المريض، بحسبه. 

وعن تولي مجموعات مسلحة مسؤولية دفن ضحايا الفيروس في العديد من المحافظات العراقية وخاصة الوسطى والجنوبية، لا يخفي الهلالي شكوكه من أن هذا الملف يشوبه الكثير من الفساد، فضلا عن استغلال ضحايا الفيروس، ملقيا باللوم على خلية إدارة الأزمة المركزية ووزارة الصحة. 

أن السلطات القضائية كانت قد فرضت على ذوي المتوفين بالفيروس تسليمهم للجهات التي تبرعت بالدفن، وهذا الأمر يشي بأن هناك تساهلا كبيرا واستهزاء بحقوق الضحايا وذويهم وإجبارهم على دفع أموال كبيرة لأجل الإسراع بدفن الضحايا.

استغلال سياسي

على الجانب الآخر من الأزمة، يشير المحلل السياسي “رياض الزبيدي” في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن فيروس كورونا بات بابا مشرعا للفساد المالي والسياسي، فضلا عن سعي فصائل مسلحة خارجة عن القانون لاستغلال ملف الفيروس وتحسين سمعتها لدى العراقيين الذين باتوا ناقمين وبشدة على هذه الفصائل التي انكشفت للشعب بصورة كبيرة بعد انتفاضة الأول من تشرين الأول/ اكتوبر الماضي. 

ويعلق الزبيدي على هذه القضية بالإشارة إلى أن السلطات القضائية كانت قد فرضت على ذوي المتوفين بالفيروس تسليمهم للجهات التي تبرعت بالدفن، مؤكدا على أن هذا الأمر يشي بأن هناك تساهلا كبيرا واستهزاء بحقوق الضحايا وذويهم وإجبارهم على دفع أموال كبيرة لأجل الإسراع بدفن الضحايا، بحسبه. 

وكان العراق قد سجَّل أكثر من 4362 حالة وفاة بالفيروس، غالبيتها العظمى في محافظات بغداد والوسط والجنوب العراقي، وذلك بحسب المواقف الوبائية الصادرة عن وزارة الصحة والتي تتلقى وكالة “يقين” نسخا منها يوميا. 

جدير بالذكر أن كتائب الإمام علي وعبر مواقعها على شبكات التواصل الاجتماعي كانت قد أعلنت قبل 3 أيام عن أنها دفنت حتى الآن أكثر من 3500 متوف من ضحايا فيروس كورونا.

في الشأن ذاته أيضا، يشكو العراقيون من أن ذويهم المتوفين بالفيروس والذي يدفنون من قبل هذا الفصيل المسلح لا يعلمون فيما إذا كان ذووهم قد غسّلوا أو صُلِّي عليهم أو دفنوا وفق تعاليم الدين الإسلامي، مشيرين إلى أن عمليات الدفن تخلو من أي شواخص يمكن أن يتعرف من خلالها ذوو المتوفي على القبر. 

ويؤكد هذا الأمر “سالم العيدي” الذي أشار في حديثه لوكالة “يقين” إلى أنه كان قد استفسر من بعض عناصر الفصائل المسلحة الموكل إليها دفن ضحايا فيروس كورونا عن كيفية الدفن وفيما إذا كان والده قد غسّل أو صلي عليه، مؤكدا على أن الرد كان صادما بالنسبة له، إذ يقول أن الرد كان: “عليك أن تشكرنا لأننا وجدنا مكانا سيدفن فيه والدك، ولولانا لظل والدك في الثلاجة لأشهر”،  بحسبه. 

ويشير الكثير من المراقبين إلى أن وزارة الصحة وخلية الأزمة أثبتت فشلها في إدارة أزمة فيروس كورونا، إذ يقول الخبير في مجال الصحة العامة “نزار الحربي” في حديثه لوكالة “يقين” إن العراق يسجل أعداد وفيات كبيرة نسبة إلى عدد المصابين، وهي النسبة الأعلى إذا ما قورنت بدول الجوار في الخليج العربي. 

ويلقي الحربي باللوم على الحكومة الاتحادية ككل، إذ يؤكد على أن ملف الفيروس يدار بطريقة فوضوية، فحظر التجوال الصحي الذي كان قد فرض لأسابيع لم يطبق بصرامة إلا في المدن والأحياء التي تقل فيها معدلات الانتشار الوبائي، في الوقت الذي عجزت فيه الحكومة عن تطبيق الحظر في الأحياء الفقيرة والعشوائيات التي تسجل أكثر أعداد الإصابات، بحسبه. 

هو استغلال سياسي اقتصادي تمارسه فصائل مسلحة بحق ذوي المتوفين بفيروس كورونا، ما شرع لها الأبواب أمام استغلال الأزمة لتعزيز مواردها المالية ولتسحين سمعتها السياسية على حساب الضحايا. 

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق