إقتصادالمخاطر الاقتصاديةتقارير

تبديد للثروات.. العراق يحل ثانيا عالميا في هدر الغاز الطبيعي

ليس بالغريب على العاملين في القطاع النفطي أن العراق يبدد ثروة طائلة سنويا في إهداره للغاز الطبيعي المصاحب لعمليات استخراج الذهب الأسود (النفط)، إذ يكاد يكون العراق الدولة الوحيدة التي تستورد الغاز الطبيعي، وفي ذات الوقت يحرق غازه الطبيعي في الهواء.

شركات النفط الحكومية والأجنبية تحرق كميات هائلة من الغاز الطبيعي المصاحب لانتاج النفط العراقي بدلا من استثماره وتصنيعه.

كميات الغاز المهدورة في العراق

في أحدث تقرير أصدره البنك الدولي في تموز/ يوليو الماضي، حل العراق في المرتبة الثانية عالميا بعد روسيا كثاني أكبر دولة في العالم بمعدلات إحراق الغاز الطبيعي المصاحب لعمليات استخراج النفط. 

يقول الخبير الجيولوجي والأستاذ الجامعي “إبراهيم غزال” في حديثه لوكالة “يقين” إن العراق وفي ظل المعطيات الحالية وعدم اكتمال عمليات الاستكشاف للغاز الطبيعي في البلاد، فإنه يحتل المرتبة الـ 11 بين دول العالم الغنية بالغاز الطبيعي بعد دول عدة هي روسيا وإيران وقطر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة ونيجيريا وفنزويلا والجزائر، مؤكدا على أن الاحتياطات من الغاز الطبيعي في البلاد تقدر بنحو 112 تريليون قدم مكعب. 

وعن الغاز الطبيعي الحر غير المصاحب لانتاج النفط، يشير غزال إلى أنه يبلغ 33 تريليون قدم مكعب، بما يعادل 26% من احتياطات الغاز في العراق، لافتا إلى أن هذه الأرقام لا تشمل محافظات كردستان الثلاث والتي فيها مخزون كبير أيضا من الغاز.

من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي “نبيل المرسومي” في مقال اطلعت عليه وكالة “يقين” إلى أنه ومنذ عام 1927 وأول عملية استخراج حقيقي للنفط في العراق، فإن شركات النفط الحكومية والأجنبية تحرق كميات هائلة من الغاز الطبيعي المصاحب لانتاج النفط العراقي بدلا من استثماره وتصنيعه.

ويؤكد المرسومي كذلك على أن تقارير الانتاج لشركتي غاز الجنوب وغاز البصرة وكما جاء في تقرير ديوان الرقابة المالية لعام ٢٠١٩، فإن العراق أحرق كميات كبيرة من الغاز الجاف بلغت 670 و1317 مقمق (مليون قدم مكعب قياسي) خلال شهرين فقط هما ايلول/ سبتمبر وتشرين الاول/ اكتوبر من عام 2018 في الوقت الذي يستورد فيه العراق الغاز الجاف بمعدل يزيد عن 14 مليون متر مكعب يوميا من إيران، وبالتالي خسر العراق نحو 22 مليون دولار أمريكي في شهرين فقط. 

إن التقارير الدولية التي تصدر سنويا عن كميات الهدر في مجال الطاقة والتي تتبناها شركة (بريتش بتروليوم) تكشف عن أن العراق يخسر سنويا مليارات الدولارات نتيجة إحراق الغاز في الهواء

حجم الخسائر

أرقام صادمة تلك التي كشف عنها تقرير البنك الدولي الذي صدر في تموز/ يوليو الماضي والذي أشار إلى كميات الهدر في الغاز الطبيعي المحترق المصاحب لانتاج النفط. 

إذ ووفقا للبنك الدولي فقد أحرق العراق عام 2015 ما يقدر بنحو (16.21) مليون متر مكعب من الغاز و(17.73) عام 2016 و(17.84) عام 2018 و(17.91) مليون متر مكعب عام 2019. 

يقول الخبير والمهندس النفطي “جاسم محمد” الذي يعمل في إحدى الشركات النفطية الأجنبية جنوبي العراق، إن التقارير الدولية التي تصدر سنويا عن كميات الهدر في مجال الطاقة والتي تتبناها شركة (بريتش بتروليوم) تكشف عن أن العراق يخسر سنويا مليارات الدولارات نتيجة إحراق الغاز في الهواء والذي يعود سموما وأمراضا على العراقيين وعلى المناخ بصورة عامة.

ويكشف محمد عن أن عمليات إحراق النفط تزداد وتيرة كلما زاد العراق من إنتاجه النفطي، مؤكدا على أن العراق وفي عام 2016 عندما كان معدل الانتاج النفطي لا يزيد عن 3 مليون برميل يوميا، فإنه كان يخسر 10 ملايين دولار يوميا نتيجة إحراق الغاز المصاحب للانتاج النفطي، وأن العراق يستغل 53% من الغاز المستخرج فقط فيما تحرق بقية الكميات في الهواء، بحسبه.

أما وكالة الطاقة الدولية، فقد كشفت عن أن كمية الغاز المحترق في أجواء العراق تكفي لإمداد ما لا يقل عن ثلاثة ملايين منزل بالطاقة ومن جميع النواحي، فيما تحذر وكالة الطاقة الدولية من أن الآثار الناجمة عن احتراق الغاز لا تقف عند الخسائر الاقتصادية بل تتعداه لما هو أهم ويتعلق بالصحة العامة في البلاد وما تسببه الغازات الناجمة عن الاحتراق من تلويث الأجواء وتسمم آلاف العراقيين وإصابات غير محدودة بمختلف الأمراض التنفسية والسرطان. 

أسباب عدم استثمار الغاز في العراق

تتعدد الأسباب التي جعلت من العراق مستوردا للغاز لا مصدّرا له، على الرغم من الاحتياطيات الهائلة التي يزخر بها والحاجة الملحة للغاز في توليد الكهرباء الذي يعد أهم الأسباب التي أدت بالعراقيين للخروج في تظاهرات حاشدة كل عام. 

يكشف نائب برلماني عن لجنة النفط والغاز في حديثه لوكالة “يقين” عن وجود تعمد في عدم استثمار العراق لغازه المصاحب لعمليات الاستخراج النفطي من أجل استمرار اعتماد العراق على إيران في استيراد الغاز الطبيعي المستخدم في تشغيل محطات توليد الكهرباء بما يشكل إنقاذا بإيران من أزمتها الاقتصادية التي تعاني منها منذ نقض الرئيس الأمريكي “دونالد ترمب” للاتفاق النووي وإعادته فرض العقوبات الاقتصادية المشددة على طهران.

ويضيف النائب الذي اشترط عدم الكشف عن هويته عن أنه ومنذ 4 أعوام كانت وزارة النفط قد تعهدت بإصلاح قطاع الصناعات النفطية واستثمار ما يقارب من 10 مليارات دولار لأجل استثمار جميع الغاز المصاحب للإنتاج النفطي، مؤكدا على أنه وبعد مضي أكثر من أربع سنوات على ذلك التعهد لا يزال العراق يحتل المرتبة الثانية عالميا في إحراق غازه الطبيعي الذي يمكن له أن يستخدم في تشغيل جميع المصانع الحكومية، مثل الاسمنت والبتروكيمياويات والحديد والصلب فضلا عن إنتاج الطاقة الكهربائية محليا وعدم الاستيراد من إيران. 

وزير الكهرباء السابق “لؤي الخطيب” وفي حديثه لـ (ستاندر آند بورز غلوبال بلاتس) قبل نحو شهرين قال إن العراق بحاجة لـ 3 إلى 4 سنوات ليتوقف عن استيراد الطاقة، وإن مشاريع النفط والغاز في العراق ستستغرق عدة سنوات قبل أن تبلغ طاقتها الإنتاجية وتوقف الاعتماد على الغاز الإيراني.

العراق لو كان حرا في قراره السياسي وبعيدا عن الهيمنة الإيرانية لاستطاع جذب الشركات الاستثمارية الأجنبية للعمل في استثمار الغاز الطبيعي وبحوافز كبيرة لتلك الشركات

واشترط الخطيب لتحقيق ذلك أن تعتمد الحكومة الحالية أو المقبلة على جدول زمني من دون انقطاع، شريطة أن تكون الحكومة بسلطة تنفيذية كاملة ومن دون أي تدخل من الكيانات السياسية، فضلا عن وجوب توفير بيئة ترحب بالاستثمارات الأجنبية والشركات متعددة الجنسيات. 

يشير الباحث الاقتصادي “محمد وهاب” في حديثه لوكالة “يقين” إلى إن مشكلة العراق في الغاز الطبيعي تتعدد إلى سياسية بالدرجة الأولى ومن ثم اقتصادية تتعلق بغياب التخطيط الاستراتيجي في البلاد وتسنم شخصيات بعيدة عن الواقع العراقي لمناصب حساسة في قطاع النفط والغاز. 

وهاب بدوره، أشار إلى أن العراق لو كان حرا في قراره السياسي وبعيدا عن الهيمنة الإيرانية لاستطاع جذب الشركات الاستثمارية الأجنبية للعمل في استثمار الغاز الطبيعي وبحوافز كبيرة لتلك الشركات، الأمر الذي كان سيجعل العراق مكتفيا ذاتيا في مجال توليد الكهرباء فضلا عن تقليل معدلات التلوث الخطيرة التي يشهدها المناخ في البلاد. 

أما على الصعيد الاقتصادي وغياب التخطيط، فأوضح وهاب أن من توسدوا الحكم في البلاد بعد عام 2003 أخفقوا على جميع الأصعدة ومنها قطاع النفط والطاقة، كاشفا عن أنه كان يمكن للعراق أن يستثمر جولات التراخيص النفطية للشركات الأجنبية من أجل فرض شروطه في إلزام الشركات الأجنبية في استثمار الغاز الطبيعي، غير أن ما حصل هو ترخيص العديد من الشركات مع إغفال استثمار الغاز المصاحب للانتاج النفطي، في الوقت الذي لا يمتلك في العراق أي قدرات فنية أوتكنولوجية على استثمار غازه الطبيعي. 

هي خسائر اقتصادية كبيرة تلك التي يتكبدها العراق سنويا نتيجة إحراق الغاز الطبيعي المصاحب لاستخراج النفط، في ظل غياب إرادة سياسية يمكن لها أن تنهض بواقع البلاد الخدمي والاقتصادي باستغلال ثروات البلاد. 

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق