إقتصادتقارير

وسط تواصل التهريب.. هل العراق ملتزم بقرار خفض الانتاج النفطي؟

 

مع انخفاض الطلب على النفط عالميا نتيجة تفشي فيروس كورونا وحالة الإغلاق الشامل الذي أصاب الاقتصاد العالمي وإغلاق المصانع العملاقة في دول العالم منذ عدة أشهر، اتجهت دول العالم المنتجة للنفط نحو تخفيض انتاجها من أجل دعم الأسعار التي تهاوت إلى مستويات قياسية لم تشهدها منذ عقدين من الزمن.

خلال نيسان/ أبريل الماضي، توصلت مجموعة أوبك بلص – وهي المجموعة التي تضم دول اوبك و الدول المنتجة للنفط خارجها – إلى اتفاق ينص في مرحلته الأولى على خفض الإنتاج بمقدار 9.7 مليون برميل يوميا، إذ ينص الاتفاق على تقليص الانتاج بمقدار 9.7 مليون برميل يوميًا خلال شهري مايو ويونيو الماضيين، ومن ثم إلى 5.8 مليون برميل يوميا حتى نهاية أبريل 2021.

 

متوسط صادرات النفط الخام العراقية لشهر أيار/ مايو الماضي بلغ 3.2 مليون برميل يوميا، بمخالفة تصل إلى 450 ألف برميل زيادة على الحصة التسويقية التي خرج بها اتفاق أوبك بلص.

 

تجاوز العراق للاتفاق

يصدّر العراق ما يقرب من 3.5 مليون برميل يوميا قبل أن يشمل بقرار اتفاق أوبك بلص، إذ ووفق الموقع الرسمي لوزارة النفط في بغداد، فإن قيمة التخفيض التي أعلن العراق التزامه بها تقدر بنحو 1.1 مليون برميل يوميا، ما يعني أن العراق سيصدّر النفط بمعدل 2.819 مليون برميل في اليوم.

غير أن العراق تجاوز حجم الصادرات النفطية لشهر أيار/ مايو الماضي والتي سبق وأن أعلن التزامه بها، إذ أكد المتحدث باسم وزارة النفط “عاصم جهاد” في حديثه لوكالة “يقين” على أن متوسط صادرات النفط الخام العراقية لشهر أيار/ مايو الماضي بلغ 3.2 مليون برميل يوميا، بمخالفة تصل إلى 450 ألف برميل زيادة على الحصة التسويقية التي خرج بها اتفاق أوبك بلص.

وعن عدم التزام العراق بتقليص الصادرات النفطية، أوضح جهاد أن العراق تجاوز بالفعل حجم الصادرات المتفق عليها في اجتماع منظمة الطاقة الدولية والمصدرين من خارجها، لكنه أكد على أن العراق سيعوض هذه الزيادة خلال شهر آب/ اغسطس الحالي.

من جانبه، أوضح الخبير النفطي “رضوان خليل” في حديثه لوكالة “يقين” أن العراق لم يلتزم باتفاق أوبك بلص ولا يستطع الالتزام بالاتفاق، عازيا ذلك إلى أنه حتى لو استطاعت وزارة النفط الالتزام بتقليص الانتاج وفق ما اتفق عليه، إلا أن هناك كثير من عمليات التهريب التي تجري على قدم وساق، وبالتالي سيتعرض العراق لمساءلة من الدول المصدرة للنفط.

ويضيف خليل أن قيمة ما يهرّب من نفط في العراق يصل إلى نصف مليون بريمل يوميا، نصفها من محافظات كردستان، والنصف الآخر تهربه الميليشيات إما للخارج أو تبيعه في السوق السوداء داخليا.

 

 

تهريب مستمر

يعاني العراق من انفلات أمني واقتصادي منذ سنوات، ويأتي تهريب النفط كأحد أهم الروافد الاقتصادية لتمويل الميليشيات لأنشطتها وعملياتها في العراق وخارجه، يقول مصدر مسؤول في وزارة النفط  – له اطلاع كبير على عمل شركات النفط الحكومية -، إن العراق يعاني من ضعف في إمكانياته التقنية فيما يتعلق بتصدير النفط.

ويضيف المصدر المسؤول الذي يتبوأ منصبا في شركة الأنابيب النفطية – اشترط عدم الكشف عن هويته –  أن المعايير النفطية المعمول بها عالميا في تصدير النفط تتمثل بالاعتماد على حجم التصدير باللتر في حساب كمية البراميل المباعة، إلا أن العراق وخاصة في موانئه الجنوبية لا يزال يعتمد (الذراع) كآلية لحساب حجم الصادرات النفطية، وبالتالي لا يمكن السيطرة على حجم تصدير النفط بحسابات دقيقة.

وعن تهريب النفط العراقي، يكشف المصدر في حديثه لوكالتنا عن أن هناك ثلاثة أنواع من التهريب النفطي في العراق، إذ أن الأحزاب والميليشيات تسيطر على كثير من المناطق التي تربط شركات الاستخراج النفطي بالموانئ، وهذه الميليشيات عملت على استحداث ثقوب في هذه الأنابيب داخل القرى النائية وتعمل على استخراج النفط ومن ثم تعبئته في قاطرات ثم تهريبه إلى إيران عبر الطرق البرية أو شحنه بسفن صغيرة عبر مياه الخليج العربي مع غياب الرقابة الحدودية على المياه الاقليمية العراقية.

أما عن الطريق الثاني فيتمثل بحسب المصدر في كركوك وعن طريق الآبار والأنابيب النفطية، إذ يؤكد على أن فصائل في “الحشد الشعبي” تعمل على استخراج النفط من خلال الأنابيب ومن ثم شحنه في مقطورات  وتهريبه إلى مدينة السليمانية ثم إلى جهات مجهولة، وهو ذات السياق المتبع في حقل نجمة النفطي الذي تسيطر عليه كتائب الإمام علي في ناحية القيارة جنوب الموصل، إذ يهرب النفط عن طريق مخمور ومن ثم إلى أربيل، بحسبه.

وعن الطريق الآخر، يكشف المصدر أن الجميع يعلم أن كردستان يستخرج ضعف كمية النفط المتفق عليها مع حكومة بغداد، إذ أن كمية ما يهرب من نفط عراقي مستخرج من مناطق كردستان والمناطق المتنازع عليها يقدر بربع مليون برميل يوميا، وهذه تهرب إلى تركيا وتحقق عائدات ضخمة لأحزاب أربيل، على حد قوله.

 

إن عدم التزام العراق بتخفيض الانتاج النفطي أربك كثيرا اتفاق أوبك بلص، وعلى إثره هددت دول عدة بالتخلي عن الاتفاق، فضلا عن أن سمعة العراق الدولية في منظمة الطاقة الدولية باتت على المحك

 

تعهدات بالتخفيض

على إثر مخالفة العراق لاتفاقية أوبك بلص وتذمر الدول المنتجة من عدم التزام العراق، أعلنت وزارة النفط في الـ 7 من آب/ اغسطس الجاري أن العراق تعهد للسعودية بتخفيضات تصل لأكثر من 1.2 مليون برميل يومياً خلال شهري آب/ اغسطس الجاري وأيلول/ سبتمبر المقبل.

ووفق البيان الصحفي لوزارة النفط والذي تلقت وكالة “يقين” نسخة منه، فإن اتصالا هاتفيا بين وزير النفط “احسان عبد الجبار” وبين وزير النفط السعودي “عبد العزيز بن سلمان” تعهد العراق بموجبه بالالتزام بتخفيض الانتاج بنسبة 100% الشهر الحالي، موضحا أن العراق سيعتمد تخفيضا إضافيا من انتاجه النفطي بمقدار 400 ألف برميل يوميا خلال الشهر الحالي والمقبل للتعويض عن الانتاج الإضافي في أشهر ايار وحزيران وتموز، والتي لم يلتزم بها العراق باتفاقية أوبك بلص، بحسب البيان.

من جهته، يقول الأكاديمي والخبير الاقتصادي “سعد العبودي” في حديثه لوكالة “يقين” إن عدم التزام العراق بتخفيض الانتاج النفطي أربك كثيرا اتفاق أوبك بلص، وعلى إثره هددت دول عدة بالتخلي عن الاتفاق، فضلا عن أن سمعة العراق الدولية في منظمة الطاقة الدولية باتت على المحك مع عدم التزام العراق وتجاوزه الانتاج المتفق عليه بما يعادل نصف مليون برميل لكل شهر في أيار/ مايو وحزيران/ يونيو الماضيين.

وعن تعهد العراق بالالتزام بالاتفاق الذي بدء من آب/ اغسطس الجاري، أوضح العبودي أن ذلك مرهون بالاتفاق مع حكومة أربيل، وبما أنه لم يحدث أي اتفاق حتى الآن، واستمرار كردستان في استخراج ربع مليون برميل يوميا من دون موافقة حكومة بغداد، فإنه من الصعوبة بمكان أن يلتزم العراق بتعهداته.

من جهته، أوضح الخبير الأمني “حسن العبيدي” أن الحكومة لن تستطع إيقاف تهريب الميليشيات للنفط، وحتى لو حاولت ذلك، فإنها ستصطدم مع عراقيل أمنية عدة لن يسمح بها الوضع الأمني، خاصة أن رئيس الوزراء “مصطفى الكاظمي” لم يفلح في التعامل مع مشكلات أمنية أقل حدة، فكيف بالمساس بالخزينة المالية للميليشيات، على حد تعبيره.

وعن قدرة الميليشيات على تهريب نفطها عن طريق الموانئ العراقية والسفن الصغيرة، يؤكد العبيدي على أن تلك الميليشيات تدخل السلاح والمخدرات للبلاد عن طريق الموانئ والمنافذ البرية، وبالتالي فتهريب النفط خارج البلاد عن طريق السفن أو الحدود البرية ذاتها، أسهل بكثير، خاصة أن الميليشيات تسطير على الموانئ العراقية، وتتحكم بإدارات المنافذ الحدودية والجمارك والأمن الوطني في تلك المنافذ والموانئ.

هي عراقيل عدة يواجهها العراق في سبيل الايفاء بتعهداته بتخفيض الانتاج النفطي ومطالبات دول مجموعة أوبك بلص بذلك، إلا أن الأوضاع الميدانية والانفلات الأمني يبدو أنه سيقف عائقا أمام التزام العراق ولو بالحد الأدنى.

 

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق