تقاريركورونا

العالم يتجه للتعايش مع كورونا.. لماذا العراق لا يستطيع التعايش؟

ستة أشهر مضت على اكتشاف العراق أول حالة إصابة بفيروس كورونا المستجد والمعروف علميا بـ COVID-19، إلا أنه وعلى الرغم من حجم الإصابات الكبير ومئات آلاف الوفيات، غير أن دولا عديدة حول العالم وخاصة الدول النامية اتجهت نحو التعايش مع الوباء.

العراق الذي سجل حتى الآن أكثر من 172 ألف إصابة وأكثر من 5700 وفاة، يبدو عاجزا حتى الآن عن التوجه نحو التعايش مع الوباء الذي وصفته منظمة الصحة العالمية منذ أشهر بالجائحة.

 

مجموع الإصابات في بغداد وحدها يفوق مجموع الإصابات المعلن عنها في العراق ككل، إذ أن العاصمة بغداد التي يناهز عدد سكانها الـ 8 ملايين نسمة، تعيش في وضع مرضي حاد

تفشي الوباء

“لم تعد المؤسسات الصحية في العراق تعمل على التحري عن مصدر الإصابة بفيروس كورونا، إذ أن الفيروس تفشى وانتشر”، بهذه الكلمات يصف الطبيب الأخصائي بالأمراض المعدية “حميد الحسيني” الوضع في العراق بعد أن بات عدد المصابين بالفيروس أضعاف ما يعلن عنه رسميا.

ويؤكد الحسيني في حديثه لوكالة “يقين” على أن المؤسسات الصحية في البلاد ومنذ نحو شهرين عكفت عن معرفة مصدر الإصابات المسجلة بالفيروس، بعد أن تيقنت وزارة الصحة أن الإصابة بالفيروس دخلت مرحلة التفشي، وهي التي تعني أن كثيرا من السكان باتوا مصابين ولا يمكن تحديد المصدر بأي حال من الأحوال.

وعن مدى صدقية الإحصائيات التي تعلن عنه وزارة الصحة في موقفها الوبائي اليومي، يكشف الحسيني أن جميع الإحصائيات التي تصدر عن وزارة الصحة حقيقية لكنها مقتصرة على من تجرى عليهم المسحات الخاصة بالكشف عن فيروس كورونا، موضحا، أن هناك عشرات إن لم يكن مئات الآلاف مصابون بالفيروس وقد شَخصوا إصابتهم من دون أن يخضعوا للفحوصات المختبرية.

ويستدل الحسيني على ذلك، بأن مجموع الإصابات في بغداد وحدها يفوق مجموع الإصابات المعلن عنها في العراق ككل، إذ أن العاصمة بغداد التي يناهز عدد سكانها الـ 8 ملايين نسمة، تعيش في وضع مرضي حاد، وأن غالبية المصابين يعالجون أنفسهم في البيوت وقد ابتاعوا أجهزة كشف نسبة الأوكسجين في الدم (الأوكسميتر) مع قناني أوكسجين طبي لأجل مساعدتهم على الشفاء.

من جهته، أوضح المتحدث باسم وزارة الصحة “سيف البدر” في حديثه لوكالة “يقين” أن السبب الرئيس في تسجيل أعداد كبيرة بالفيروس يرجع لعوامل عدة أهمها عدم التزام المواطنين بالإجراءات الوقائية ولبس الكمامات.

وأضاف البدر أن المناسبات التي مرت على البلاد في عيدي الفطر والأضحى فضلا عن التجمعات في مراسيم العزاء والأسواق، باتت مصدرا لتفشي الوباء وانتشاره بسرعة كبيرة، مؤكدا على أن عدم التزام المواطنين هو السبب الرئيس في تمديد حظر التجوال الجزئي في البلاد، بحسبه.

 

متلازمة الوباء والفساد

لا ينفك العراق عن تسجيل أعلى معدلات الفساد على مستوى العالم، إذ كشفت جائحة فيروس كورونا عن مدى الفساد الكبير في وزارة الصحة ومؤسساتها فضلا عن ضعف هذه المؤسسات.

يكشف مصدر طبي في مستشفى الحسين التعليمي في الناصرية عن أن المدينة تعيش في وضع صحي صعب بسبب الوباء الذي رافقه الكشف عن مدى الفساد الكبير في عمل دائرة الصحة.

المصدر الذي فضل عدم الكشف عن هويته أوضح أن أولى علامات الفساد يتمثل بالأوكسجين الطبي وفقدانه من المستشفيات لأكثر من مرة، مؤكدا على أن ملف الأوكسجين الطبي بات سلعة بين المتنفذين في وزارة الصحة وبين بعض السماسرة في السوق السوداء الذين يستوردون الأوكسجين من إيران أو يحتكرونه لبيعه بأسعار باهظة للأهالي، بحسبه.

بدروه، أوضح النائب في البرلمان “رعد المكصوصي” في حديثه لوكالة “يقين” أن جميع الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 كان همها الوحيد صفقات الفساد وسرقة الأموال وإهمال القطاع الصحي حتى وصلت البلاد إلى الحال الذي هي عليه.

ويضيف المكصوصي أن الانتشار الكبير لفيروس كورونا فضح ملفات وصفقات الفساد في وزارة الصحة بجميع دوراتها، موضحا أن الكوادر الصحية من أطباء وممرضين والفقراء باتوا الضحية الأولى لهذا الفساد الذي تسبب بنقص المستلزمات الطبية والوقائية والمعدات الضرورية وأجهزة التنفس الصناعي والأوكسجين الطبي.

 

عدم قدرة العراق على التعايش مع الفيروس يرجع إلى تهالك البنية التحتية للبلاد سواء كانت صحية أو اقتصادية أو معلوماتية

 

أسباب تحول دون التعايش

أسباب كثيرة تحول دون تعايش العراق مع وباء فيروس كورونا، إذ يشير الخبير في مجال الصحة العامة “نشوان عباس” في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن كثيرا من الدول وخاصة النامية اتجهت للتعايش مع الوباء بسبب كم الخسائر الاقتصادية التي سببها الإغلاق الشامل.

ويُعرِّف عباس التعايش مع الوباء على أنه “ممارسة المجتمع لحياته الطبيعية مع إلغاء حالة الاغلاق الشامل، لكن شريطة الالتزام بجميع التدابير الوقائية التي تشمل لبس الكمامات والتباعد الاجتماعي وتقليص اعداد الذين يحضون أي تجمعات إلى الحد الأدنى”.

وعن اعتقاد العراقيين بأن التعايش مع وباء كورونا يعني العودة للحياة الطبيعية التي سبقت التفشي وترك الناس لمصيرهم، يؤكد أن هذا مفهوم خاطئ تماما، وذلك يعني مناعة القطيع وليس التعايش مع الوباء، وبالتالي سوء فهم المجتمع للتعايش مع الوباء يعني عدم إمكانية تطبيقه في العراق الذي لا يزال بعيدا جدا عن الوصول إلى مستوى التثقيف بالتعايش، خاصة أن كثيرا من العراقيين لا يأبهون للإجراءات الوقائية.

عباس وفي معرض حديثه لوكالة “يقين” كشف عن أن الهدف الرئيس لوزارة الصحة وحظر التجوال الجزئي هو الإبقاء على انتشار الوباء بصورة أفقية، وهو الذي يعني أن الفيروس سيستمر بالانتشار لكن وفق معادلة مسيطر عليها إلى حد ما، بخلاف الانتشار الوبائي العمودي الذي يعني أن معدلات الإصابة ستكون كبيرة وهو الأمر الذي ستعجز معه المؤسسات الصحية على التعامل مع الحالات الكبيرة والتي قد تحتاج كثير منها إلى العناية التنفسية الفائقة وأجهزة التنفس الصناعي (الفينتيليتر).

يختتم عباس حديثه بالإشارة إلى أن عدم قدرة العراق على التعايش مع الفيروس يرجع إلى تهالك البنية التحتية للبلاد سواء كانت صحية أو اقتصادية أو معلوماتية، مؤكدا على أن غالبية دول العالم وكثيرا من الدول النامية تعتمد على الأتمتة في التعاملات المالية والاقتصادية والحكومية، وهذه الآلية غير متوفرة في العراق الذي لا يزال يعتمد في جميع شؤونه على النظام التقليدي القديم الذي يتطلب حضور الشخص إلى الدوائر المعنية، وهو ما يسهم في تفاقم انتشار الوباء، على حد قوله.

من جهته، يشير الأكاديمي والباحث في علم الاجتماع “مصطفى العبيدي” أن قدرة العراق على التعايش مع فيروس كورونا يعتمد على عوامل عدة، أولها تهيئة الحكومة لمستلزمات ذلك والتي تشمل توفير وسائل الوقاية بكميات كبيرة في الأسواق ومراكز النقل العام والأسواق، فضلا عن زيادة عدد المسحات الوبائية للسيطرة على تفشي الوباء وكشف حالات الإصابة الخفية.

كما يؤكد العبيدي على أن العراقيين وعلى الرغم من تسجيل بلادهم عشرات آلاف الإصابات رسميا، غير أن كثيرا منهم لا زالوا مقتنعين بأن الوباء لن يطالهم، وبالتالي هناك قصور في اتخاذ الإجراءات الوقائية ولبس الكمامات.

وعن توجه العراق للتعايش مع الوباء مستقبلا، يؤكد العبيدي على أن هذه المرحلة قادمة لا محالة، خاصة إذا ما استمرت لأشهر أخرى مع عدم توفر لقاح فعال أو علاج ناجع، وهنا سيكون على الدولة فرض الإجراءات الوقائية بالقوة  – شريطة توفير الدولة لها -، مثلما حصل في دول عديدة حول العالم ودول الجوار كالأردن وتركيا ودول الخليج، وبغير هذه الشروط التي تشمل توفير الحكومة لمعدات الوقاية وتثقيف المواطنين وفرض الأجهزة الأمنية هذه الإجراءات بالقوة، فإن العراق متجه لكارثة لا يعلم أحد ما ستؤول إليه، بحسبه.

وكان عضو خلية الأزمة في البرلمان “عباس عليوي” قد صرّح لإحدى وسائل الإعلام المحلية أن الاستمرار على الحظر الجزئي أو حتى الشامل، لا يقلل الإصابات بوباء فيروس كورونا، وأن الحظر أثبت فشله في مواجهة الوباء، خاصة أنه لم يطبق بصورة صحيحة.

وكشف عليوي عن أنه يجب إلغاء الحظر ووضع خطط تلاءم الواقع مع العمل على إعادة الحياة إلى طبيعتها والتعايش مع الوباء، كباقي دول العالم.

هي عراقيل كثيرة تقف أمام توجه العراق للتعايش مع الوباء، فمن الفساد إلى ضعف المؤسسات الصحية، تبقى حياة العراقيين معلقة على تعاملهم الشخصي مع الوباء ومدى التزامهم بالتدابير الوقائية.

 

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق