تقاريرخراب المدن

عزيز بلد.. عدم السماح بالعودة بعد سنوات من النزوح

 

نزح عبد الكريم عبيد (٥٤ عاما) من منطقة عزيز بلد، التابعة لقضاء بلد بمحافظة صلاح الدين إلى مدينة سامراء منتصف العام ٢٠١٤، ويسكن الآن في مدرسة غير مكتملة البناء، وتعتمد عائلته في الحصول على قوتها من المساعدات التي يقدمها الأهالي وعدد من المنظمات الاغاثية، تاركاً وراءه منزله وبستانه الذي ورثه عن والده، وهو أب لخمسة أبناء قتل أحدهم على يد تنظيم الدولة “داعش” بينما قتل الأصغر على يد الميليشيات التي دخلت إلى منطقة عزيز بلد والثالث تم اعتقاله من قبل عناصر الحشد اثناء نزوحهم من عزيز بلد باتجاه مدينة سامراء.
يصف عبيد حياته في مزرعته بمنطقة عزيز بلد قائلاً: ” كانت تحتوي على العشرات من أشجار النخيل والحمضيات فضلا عن أشجار العنب، إلا أنها الآن أصبحت من الماضي ولا يمكن إعادتها كما كانت عليه لأنها أحرقت عندما دخل الحشد إلى المنطقة”، وتابع “القوات التي دخلت إلى المنطقة من أجل استعادتها فقامت بتخريبها، وما لم يهدمه داعش هدته القوات التي جاءت إلى المنطقة بشكل متعمد”.
وعن أسباب عدم عودتهم قال: إن “عزيز بلد” لا تصلح للعيش حالياً، فقد دمرت بناها التحتية بالكامل، وأغلب سكانها النازحين منعوا من العودة بعد نحو أربع سنوات من استعادتها، وهنالك جهات سياسية وقوات مسيطرة ترفض عودة الكثير من العائلات لأسباب طائفية وغايات سياسية”.
وختم عبيد حديثه لوكالة “يقين” قائلاً: “أتمنى العودة إلى منطقتي أنا ومن تبقى من عائلتي ونحن على استعداد أن نعيش في خيمة على أرضنا، إلا أن هذه الأمنية لن تتحقق في ظل الظروف الحالية التي تعيش فيها عزيز بلد، فكل جهة امنية فيها لها سلطة مستقلة وكلمة الفصل هناك للحشد الذي يرفض حسم ملف العودة لأسباب طائفية“.

الدمار الكامل الذي لحق بمنازلهم وامتناع الحكومة العراقية عن تعويضهم هو أحد أهم أسباب عدم العودة، إلا أن هنالك أسباباً أخرى تتعلق بالجهات الأمنية وجهات مسلحة لها دوافع طائفية

 

التركيبة السكانية

تقع منطقة عزيز بلد في جهة الشرق من منطقة الضلوعية والجنوب الغربي من قضاء بلد، بمحافظة صلاح الدين، وكانت تمتاز هذه المنطقة بمزارع العنب والحمضيات وأنواع التمور، تعرضت لخروقات أمنية منذ إحتلال العراق سنة ٢٠٠٣، كما شهدت اعتداءات متكررة واغتيالات واعتقالات عشوائية طالت أبنائها طوال تلك الفترة، وبعد سيطرة تنظيم الدولة “داعش” على مساحات واسعة من العراق تعرضت المنطقة لسيطرة التنظيم تلته سيطرة الميليشيات المنضوية بالحشد الشعبي، وتسكن المنطقة عدد من العشائر العربية المتمثلة بعشيرة البو فراج والبو دراج والبو أسود و العزاويين وابوحنضل والجنابيين والسوامرة، ويقول رئيس المجلس المحلي لناحية عزيز بلد “علي حبيب الدراجي” إن المشاكل الأمنية التي تعاني منها المناطق الغربية وتحديداً ناحية عزيز بلد والمناطق المحيطة بها كانت في بدايتها بسبب ظهور تنظيم الدولة “داعش”، الذي دخل الى المناطق نتيجة لتدخلات ومؤامرات سياسية، مضيفاً: “أن منطقة عزيز بلد تحملت الكثير من الضغوط الطائفية وإعتداءات طالت سكان هذه الناحية، والتي خلفت نسبة كبيرة من الدمار في المنازل والبنى التحتية”.

وأكد الدراجي لوكالة “يقين” “أن نسبة الدمار في الناحية تجاوزت ٩٠٪، وعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاث سنوات من السيطرة على الناحية لم تعد الكثير من العائلات، والمناطق الريفية في عزيز بلد وتحديداً عشائر الجنابيين لم يُسمح لأي عائلة منها بالعودة، و منطقة البوحنضل من مجموع أكثر من ٢٠٠ عائلة لم يسمح سوى لما يقارب ٢٠ منها بالعودة، ومنطقة البو أسود من مجموع ١٥٠ منزل لم تعد سوى ٨ عائلات، ومن مجموع ما يزيد عن ١٥٠ بيت من عشيرة البودراج لم يعد سوى ٣٠ بيت منهم، أما منطقة البوفراج والتي تعتبر من اكبر المناطق وأكثر عدداً للعائلات بالنسبة العائدة منها لا تتجاوز ٥٠٪ من مجموع العائلات”.

وعن أسباب عدم عودة العائلات الى عزيز بلد أوضح الدراجي أن الدمار الكامل الذي لحق بمنازلهم وامتناع الحكومة العراقية عن تعويضهم هو أحد أهم أسباب عدم العودة، إلا أن هنالك أسباباً أخرى تتعلق بالجهات الأمنية وجهات مسلحة لها دوافع طائفية، حيث عملت هذه الجهات على إلغاء الناحية، واعتبرت ذلك شرطاً لحسم موضوع النازحين، وتم اللجوء الى القضاء وتقديم شكوى الى المحكمة الادارية، إلا أن القضاء لم يبت بهذه المسألة لغاية الان، مما ولد حالة من عدم ثقة المواطنين بالقضاء والحكومة المحلية في محافظة صلاح الدين.

وتحدث الدراجي عن نسبة الدمار في ناحية عزيز بلد والقرى المحيطة بها قائلاً: “تقدر أعداد المنازل المدمرة ٣٩٠٠ منزل، اما المساجد فقد تم تدمير كافة المساجد في ناحية عزيز بلد، ومن مجموع ٢٣ مدرسة في الناحية لا توجد الآن سوى مدرسة واحدة والآن هي عبارة عن ثكنة عسكرية، أما فيما يتعلق بمضخات الماء فإن إسالة الماء الخاصة بالناحية لا توجد فيها أي مضخة ماء تعمل بإستثناء مضخة قديمة تعمل بشكل تقليدي، أما فيما يتعلق بالكهرباء فبناها التحتية مدمرة بشكل كامل” بحسبه.

إن الموقع الجغرافي لمنطقة عزيز بلد يعتبر مهما جداً ضمن الاستراتيجيات التي تتبعها الميليشيات للسيطرة على المناطق، وخاصة تلك المناطق المحيطة بالعاصمة بغداد والطريق الرابط بين بغداد ومدينة سامراء،

 

الحرس الثوري في عزيز بلد

سيطرت الميليشيات المنضوية بالحشد الشعبي وبمشاركة الحرس الثوري الإيراني على منطقة عزيز بلد في سنة ٢٠١٤ بعد مقتل أحد القادة الميدانيين للحرس الثوري في الناحية على يد مسلحين، وقامت هذه القوات بشن هجوم عنيف على سكان المنطقة وهدمت المنازل واحرقت البساتين ووصل حجم الدمار إلى حد كبير، تفاصيل وأرقام تحدث بها لوكالة “يقين” أحد الصحفيين من محافظة صلاح الدين والذي طلب عدم ذكر إسمه لدواعٍ أمنية قائلا: “كنا شهود عيان على ما حدث في منطقة قضاء بلد وبالتحديد ما شهدته منطقة عزيز بلد، حيث كان هجوم الحشد انتقامياً بعد مقتل أحد ضباط الحرس الثوري الإيراني”. مضيفاً: “الهجوم الذي شنته هذه القوات نتج عنه بالأرقام قتل 150 شخصاً من أهالي الناحية، وفقدان أكثر من ١٠ آلاف شخص، وتم تدمير أكثر من ٢٦٠٠ منزلاً من مجموع ٢٦٨٢ منزلاً، وأكثر من ٦٠٠ محل تجاري، و ٢٢ مسجداً، فضلاً عن نحو ٢١ مدرسة تم تسوية ١٢ منها بالأرض وحرق ٩، ولم يتبق غير مدرسة زهرة الفرات التي تتخذها المليشيات مقراً لها، كما دمرت جميع محطات الكهرباء، وأربعة مجمعات مائية، إضافة إلى تفجير 3 جسور حديدية”.

وأضاف:” تم سرقة معدات ٥ مجمعات تحلية وضخ المياه، وتفجير ٥ قاعات للمناسبات الاجتماعية والدينية، فضلاً عن تدمير البنى التحتية للطاقة الكهربائية وسرقة محولات الطاقة والأسلاك الرئيسية من قبل هذه الميليشيا”.

وعن أهمية منطقة عزيز بلد لدى إيران وتدخل الحرس الثوري في السيطرة عليها قال الباحث في الشأن الأمني العراقي العقيد الركن “حاتم الفلاحي”: “إن الموقع الجغرافي لمنطقة عزيز بلد يعتبر مهما جداً ضمن الاستراتيجيات التي تتبعها الميليشيات للسيطرة على المناطق، وخاصة تلك المحيطة بالعاصمة بغداد والطريق الرابط بين بغداد ومدينة سامراء، لهذا تحاول الميليشيات فرض سيطرتها على مناطق الطارمية والتاجي والضلوعية وعزيز بلد ويثرب وصولاً لمدينة سامراء التي تضم مراقد دينية، وتأمين طريق السياحة الدينية للإيرانيين والسياح الأجانب القادمين إليها من شرق وأواسط آسيا”.

وأضاف الفلاحي أن الضغط على المناطق التي تسكنها قبائل عربية من خلال تهجيرهم قسرياً أو من خلال إجبارهم على بيع أراضيهم بأسعار زهيدة تحت التهديد وقوة السلاح، من اجل ان تكون هذه الأراضي تابعة للنفوذ الإيراني وتتبع أجندة التغيير الديمواغرافي التي تطالب بها إيران وتنفذها الميليشيات الموالية لها عبر المخطط الشامل لكثير من المناطق التي لحقها التغيير الديموغرافي.

 

إن التغيير الديمغرافي هو من الأهداف التي تسعى هذه المليشيات والجماعات الخارجة عن القانون الى ترسيخه، ويعتبر هذا هو السبب الرئيس في رفض هذه المليشيات عودة العائلات النازحة إلى مناطقها

 

الوضع الإنساني
تعاني العائلات النازحة من ناحية عزيز بلد أوضاعاً مأساوية للغاية رغم الدعم الموجود بشكل نسبي لايلبي الحاجات الاساسية ودون الطموح من قبل فروع الوزارة في كل المناطق التي يسكنون فيها، الإضافة إلى دعم المنظمات الدولية والمحلية المتواضع والذي يكاد يكون غائباً تماماً في كثير من الأوقات، ويقول المستشار القانوني في المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب “أسلم الشمري” إن أعداد العائلات النازحة من ناحية عزيز بلد أكثر من ٢٥٠٠ عائلة.

وبين الشمري أن من بين  أسباب عدم عودة هذه العائلات هو الخوف من عمليات الاغتيال والخطف والاعتقالات التعسفية نتيجة سطوة المليشيات وسيطرتها وتحكمها بهذه المنطقة ومحيطها، اضافة الى اسباب اخرى منها عدم امتلاك اغلب العوائل النازحة للمسكن كون ان اغلبها المساكن مهدمة بسبب الاعمال العسكرية وعمليات الانتقام من جانب ميليشيات وجماعات مسلحة طائفية، بالإضافة إلى هدم البنى تحتية وحرق البساتين والمزارع.

وعن الجهات التي تمنع العائلات النازحة أوضح أنها ذات المليشيات والجماعات المسلحة التي قامت بعمليات تدمير المنازل وسرقة محتوياتها، والتي قامت بعمليات الخطف والاعتقال والتهجير والقتل ومختلف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان وحرياته الاساسية، ولازالت مسيطرة ومتحكمة بكل جوانب المشهد الامني والخدمي وغيره في هذه المناطق

وأضاف: “الكثير يعلم أن التغيير الديمغرافي هو من الأهداف التي تسعى هذه المليشيات والجماعات الخارجة عن القانون الى ترسيخه، ويعتبر هذا هو السبب الرئيس في رفض هذه المليشيات عودة العائلات النازحة إلى مناطقها اضافة الى اسباب اخرى منها وجود بعض الخلافات العشائرية التي تم حسمها بالتصالح العشائري”.
وعن التدخل الدولي في حسم هذه القضية أوضح الشمري: “لم يتم تدويل قضية النازحين قسرا لغاية الان، ونتائج عدم التدويل بقاء الحال المأساوي لهذه العائلات كما هو بل نحو الاسوأ يوما بعد يوم لعدم جدوى الحماية القانونية أو قانون عراقي يحمي النازحين قسرا بسبب عدم عدم رغبة السلطات التنفيذية والتشريعية الرسمية بتوفير هذه الحماية للنازحين، والحل الوحيد هو في تدويل قضية النازحين قسرا واخذ المنظمات الدولية لاسيما منظمة الامم المتحدة دورها وسلطتها في حل وحسم هذه القضية ذات الأثر الكبير على استقرار وتماسك المجتمع العراقي وحماية حقوق النازحين قسرا وتعويضهم” على حد قوله.

أما مدير مكتب مفوضية حقوق الإنسان في صلاح الدين “ادريس احمد خلف ” تحدث لوكالة “يقين” عن مجموعة أخرى من الأسباب التي تمنع عودة العائلات النازحة من منطقة عزيز بلد، معتبراً أن أسباب عدم عودة النازحين هي تعدد جهات القرار الأمني في منطقة عزيز بلد، وكل جهة لديها قرار مختلف عن الجهة الأخرى، مؤكداً أن اغلب العائلات موقفها الأمني سليم إلا أن الجهات الامنية التي تسيطر على منطقة عزيز بلد ترفض عودتهم لأسباب لم تعلن عنها، على الرغم من المبادرات الكثيرة التي أطلقت لحل مشاكلهم.

وأضاف أن مخيم محطة بلد الذي يضم حالياً ما يقارب ٧٣ عائلة نازحة من منطقة عزيز بلد يشهد ساكنوه تدهوراً كبيراً نتيجة للأوضاع الانسانية المأساوية التي تعيشها العائلات، ويبعد هذا المخيم حوالي واحد كيلو متر عن منطقة عزيز البلد، لدرجة ان العائلات تشاهد منازلها ومزارعها ولا تستطيع العودة إليها بسبب عدم السماح لهم بالعودة من قبل قوات الحشد التي اتهمتها الحكومة المحلية بمنع العائلات من الرجوع إلا منازلها.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق