إقتصادتقارير

فوضى التشريعات العراقية.. عرقلة للاستثمار وبوابة للفساد

 

على مدى السنوات الماضية، شهد العراق تشريع عشرات القوانين التي تتعلق بالشأن الاقتصادي، ومنها قوانين تتعلق بالضرائب والجمارك والاستثمار والمنافذ الحدودية وغيرها، إلا أن البلاد لم تشهد أثرا إيجابيا وانعكاسا لهذه القوانين خاصة ما يتعلق بقوانين الاستثمار في البلاد.

 

قوانين متضاربة

تتضارب كثير من القوانين العراقية مع بعضها البعض، إلى الحد الذي بات فيه كل قانون يناقض الآخر، يقول الخبير القانوني “عماد غائب” في حديثه لوكالة “يقين” إنه وخلال عام 2006 شهد العراق إقرار قانون الاستثمار رقم (13) لسنة 2006، ويعنى بجلب الاستثمارات المحلية والأجنبية للبلاد وإسهامها في إعادة إعمار البلاد وإنشاء البنى التحتية.

ويضيف غائب أن هذا القانون شمل كل قطاعات الاقتصاد باستثناء النفط، غير أنه وعلى الرغم من أن هذا القانون شهد تعديلا عام 2015 وينص صراحة على أنه لا يعمل بأي نص يخالف مواد هذا القانون وله الأولوية في كل شيء، غير أن واقع الحال بعد 14 عاما على إقرار القانون يفيد بغير ذلك.

ويشير غائب إلى أنه وبموجب هذا القانون فقد افتتحت هيئة استثمار في كل محافظة وترتبط إداريا بالهيئة الوطنية للاستثمار، مؤكدا على أن دور هذه الهيئات بات شبه منعدم وبات دورها لا يتخطى دور السمسرة والمتاجرة بأراضي الدولة.

 

كان من المنطقي أن يساهم الاستثمار في إعادة بناء العراق الذي يعاني من تدهور قطاعاته البنيوية، غير أن السبب الرئيس لشلل الاستثمار في البلاد يعزى لضعف الدولة وتضارب مصلحة كل وزارة مع الأخرى

 

شفافية غائبة

يقول عضو مجلس إدارة هيئة استثمار كركوك السابق “أدهم رفعت” في حديثه لوكالة “يقين” إن قانون الاستثمار رقم (13) أعطى تسهيلات كبيرة للمستثمرين ومنها إعفاءات كمركية وضريبية تصل لـ 15 عاما، غير أنه وبسبب غياب الشفافية والنزاهة، فقد عمدت غالبية الوزارات في البلاد إلى افتتاح أقسام أو إدارات تعنى بالاستثمار وتعمل وفق ذات هدف القانون رقم (13)، ومن هذه القوانين قانوني الاستثمار الزراعي والصناعي وهيئات استثمار الأوقاف وقسم استثماري في وزارة البلديات إضافة إلى قسم آخر في وزارة المالية.

ويضرب رفعت مثالا على تضارب القوانين في البلاد بالقول إن “ينص قانون الاستثمار على أن المستثمر العراقي يمنح إجازة استثمارية خلال 45 يوما من تاريخ تقديمه طلبا للحصول على مشروع استثماري، وينص كذلك على أن هيئة الاستثمار وعند مفاتحتها أي وزارة أو مديرية لأجل الحصول على الموافقات، فعلى هذه الوزارات الرد خلال 15 يوما، وبخلافه تعد الموافقة مستحصلة ذاتيا”، مؤكدا على أن أي مشروع استثماري لم يسير وفق هذه الإجراءات.

ويؤكد رفعت في ختام حديثه لوكالتنا على أن وزارتي المالية والبلديات اللتان تستحوذان على ملكية 70% من أراضي الدولة لم توافق على غالبية المشاريع الاستثمارية، لا بل تنصلت من الموافقات التي كانت هيئات الاستثمار قد اعتمدتها بعد استنفاذ مدة الـ 15 يوما المنصوص عليها في القانون المذكور رقم (13).

 

ضعف الدولة وتراجع الاستثمار

أما أستاذ القانون في جامعة بغداد “علي المعموري” فيشير في حديثه لوكالة “يقين” إلى أنه كان من المنطقي أن يساهم الاستثمار في إعادة بناء العراق الذي يعاني من تدهور قطاعاته البنيوية، غير أن السبب الرئيس لشلل الاستثمار في البلاد يعزى لضعف الدولة وتضارب مصلحة كل وزارة مع الأخرى، خاصة أنه ومنذ عام 2003 باتت الأحزاب تستحوذ على الوزارات وفق المحاصصة الطائفية والحزبية، وبالتالي سيطرت الأحزاب والميليشيات على أراضي الدولة التي كان من المفترض أن تخصص للمشاريع الاستثمارية الصناعية والسكنية والبنى التحتية.

ويؤكد المعموري على أنه عندما شرع قانون الاستثمار، فإن غالبية الكتل السياسية رفضت تحويل ملكية الأراضي الشاغرة التابعة للوزارات إلى ملكية هيئات الاستثمار لأجل تسهيل الإجراءات، وهو ما معمول به في كل من الأردن ومصر على سبيل المثال، بل أبقى القانون ملكية الأراضي للوزارات وهو ما أفقد القانون الهدف التشريعي الذي شرّع من أجله.

وعن آلية عمل الاستثمار حاليا ومقارنته بما هو منصوص عليه في قانون الاستثمار، يشير المعموري إلى أن قانون الاستثمار رقم (13) نص على أن قسم النافذة الواحدة (OneStop Shop OSS) هو القسم المعني باستحصال حميع الموافقات الرسمية للمشاريع الاستثمارية من دون أن يراجع المستثمر أي وزارة بشخصه أو من خلال وكلاءه.

إلا أن الواقع الحالي وفق المعموري يشير إلى أن جميع المستثمرين يضطرون لمراجعة الوزارات ذات العلاقة بالموافقات الرسمية بأنفسهم، وأن جميع الوزارات المالكة للأراضي باتت تبتز المستثمرين وتطلب أموالا واتاوات مقابل إعطاء المستثمر الموافقات الأصولية.

 

الاستثمار في العراق لن ينجح من دون سيطرة الدولة على جميع مفاصل العراق الاقتصادية والتي تشمل المنافذ الحدودية والضرائب والجمارك وحماية المستهلك والمنتج

 

فقدان الهدف

عراقيل كبيرة يواجهها المستثمر خلال إقدامه على تنفيذ أي مشروع استثماري في العراق، يقول المستثمر العراقي “طاهر الدليمي” في حديثه لوكالة “يقين” إن سبب عزوف المستثمرين عن استثمار أموالهم في العراق يعزى إلى كم التعقيدات الإدارية والبيروقراطية في استحصال الموافقات، مشيرا إلى أن المستثمر يضطر لمراجعة 19 وزارة ودائرة، وجميع هذه المراجعات تضطر المستثمر لدفع أموال طائلة قبل الحصول على الموافقات خاصة في وزارتي المالية والبلديات، حيث تضم الأخيرة 4 مديريات معنية بمصادقة المخططات وتخصيص الأرض واستعمالها.

ويرى الدليمي أن هذه الإجراءات وإفراغ قانون الاستثمار من محتواه وتضاربه مع قوانين الاستثمار في الوزارات، أدى برؤوس الأموال العراقية والأجنبية إلى عدم المجازفة بصرف أموال طائلة من دون أن يكون لها مردود مادي بسبب مافيات الفساد والميليشيات التي تمنع بالقوة تنفيذ أي مشروع قبل دفع نسبة معينة من قيمة المشروع.

 

معضلات قانونية وإجرائية

من جهته، يكشف النائب عن اللجنة القانونية البرلمانية “رشيد العزاوي” أن قانون الاستثمار في العراق تقف أمامه جملة من المعضلات القانونية والإجرائية، مؤكدا على أن أولى هذه المعضلات تتمثل بتضارب قانون الاستثمار مع قوانين استثمار أخرى في وزارات الدولة رغم أن قانون الاستثمار (13) له الأولوية وفق تشريعه ويلغي جميع القوانين التي تتضارب معه، مؤكدا على أن قانون الاستثمار ذاته لا يحمي أموال المستثمر وهو ما شهدته محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار بعد عام 2014.

ويؤكد العزاوي كذلك على أن الاستثمار في العراق لن ينجح من دون سيطرة الدولة على جميع مفاصل العراق الاقتصادية والتي تشمل المنافذ الحدودية والضرائب والجمارك وحماية المستهلك والمنتج، مختتما حديثه لوكالة “يقين” بالتأكيد على أن جلّ الأراضي في البلاد تستولي عليها شخصيات متنفذة وأحزاب، وبالتالي فإن هؤلاء استولوا على الأراضي من خلال الاستثمار ثم باعوا الرخص الاستثمارية من دون تنفيذ تلك المشاريع على أرض الواقع.

 

هيئات خاسرة

أما المحلل الاقتصادي “محمد الحمداني” فيؤكد على أن العراق خصص مئات ملايين الدولارات كتخصيص لتشغيل هيئات الاستثمار وكرواتب لموظفيها، إلا أن واقع الحال يؤكد على أن مجمل المشاريع الاستثمارية التي نفذت لا تتعدى 10% مما رخصته هذه الهيئات من مشاريع، وبالتالي ووفقا للجدوى الاقتصادية، فإن هذه الهيئات تعد خاسرة ولا طائل منها ما لم يعدل قانون الاستثمار وتحول ملكية الأراضي الشاغرة لملكية هيئات الاستثمار من أجل تقليص نسب الفساد في البلاد.

كما يشير الحمداني في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن الاستثمار الناجح يتطلب حماية المستثمر وما سينتجه في استثماره، إذ ليس من المنطقي أن يستثمر أحد في المجال الصناعي أو الزراعي والمنافذ الحدودية سائبة ولا توجد أية حماية للمنتج المحلي، مؤكدا على أن التشريع العراقي عالج شكليا هذه المعضلة من خلال سلسلة التشريعات التي أقرها البرلمان عام 2010 والتي نصت على حماية المستهلك والمنتج المحلي وفرض التقييس والسيطرة النوعية على المستوردات، لكن هذه القوانين لم تطبق على أرض الواقع.

هي مشكلات قانونية كبيرة تقف عائقا أمام نجاح أي استثمار في العراق، إذ وفي ظل هيمنة الأحزاب على دوائر صنع القرار في البلاد وتحكمهم بالوزارات وملكيتها من الأراضي، يبدو أن الاستثمار في العراق مؤجل واقعيا إلى أجل غير مسمى.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق