الاخفاء القسري في العراق.. جرائم وانتهاكات مستمرةتقارير

في اليوم العالمي للمفقودين.. عشرات آلاف المفقودين في العراق منذ سنوات

 

يصادف يوم الـ30 آب/أغسطس من كل عام اليوم العالمي للمفقودين، وهي ذكرى سنوية استحدثت للفت الانتباه إلى مصير من اختفوا قسرا.

وبحسب موقع الأمم المتحدة الرسمي، فإنه ووفقا للإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، الذي اعتمدته الجمعية العامة في قرارها 133/47 المؤرخ في 18 كانون الأول/ديسمبر 1992 بوصفه مجموعة مبادئ واجبة التطبيق على جميع الدول، فإن الاختفاء القسري يعد جريمة إنسانية واعتمد هذا اليوم للاحتفاء به.

أعداد المختفين قسريا الذين وثقتهم المفوضية ابتداء من عام 2017 وحتى 2020، وتم تسجيل أكثر من 8650 حالة اختفاء قسري في مختلف المناطق العراقية باستثناء محافظات اقليم كردستان.

 

مفقودو العراق.. قصص مؤلمة

تنتظر أم عماد ولدها منذ أكثر من 4 سنوات، وكلها أمل أن يرزقها الله سماع صوت ابنها عماد قبل أن يتوفاها الأجل، تقول أم عماد في حديثه لوكالة “يقين” إن ابنها فقد عند سيطرة امنية في منطقة الرزازة في محافظة الانبار خلال العمليات العسكرية التي جرت في محافظة الأنبار ضد تنظيم الدولة (داعش)، إذ أن النقطة الأمنية أخبرتها انه سيدققون في اسم ابنها فقط ثم سيسمحون له بالذهاب.

وتؤكد أن انتظارها له دام لأيام دون سماع أي خبر ليتأكد لها انه اختطف حاله حال مئات آخرين اختطفوا في تلك الأيام التي وصفتها بـ “السوداء”.

أم عماد التي تسبق دموعها كلماتها، تؤكد أنها لم توفر وسيلة في سبيل معرفة ابنها المفقود الذي كان قد اعتقل عند سيطرة أمنية تابعة للحشد الشعبي في محافظة الأنبار وهو بعمر 21 عاما فقط.

لا يكاد يخلو حديث العراقيين يوميا من القصص المؤلمة المتعلقة بالاختفاء القسري في البلاد، فلا توجد مدينة عراقية وفرها الخطف والاختفاء ولو بنسب متفاوتة، لا سيما أن العراق يعيش في دوامة عنف وانفلات أمني وميليشيات منذ تاريخ الغزو الأمريكي للبلاد في 2003.

 

اختفاء آلاف الأشخاص

لا توجد إحصائية رسمية توثق أعداد المختفين قسريا في العراق من عام 2003، إذ أن جميع الأرقام التي يمكن حصرها بمدى معين تتعلق بالفترة التي تبعت سيطرة تنظيم الدولة (داعش) على محافظات عراقية عدة، يقول الخبير الأمني العراقي “حسن العبيدي” إنه من غير الإنصاف أن ينصب جهد المنظمات الدولية على المختطفين والمختفين قسريا للفترة التي أعقبت عام 2014.

العبيدي وفي معرض حديثه يؤكد على أن الفترة بين 2003 و2014 كانت مظلمة وشهدت اختفاء عشرات الاف، خاصة خلال العنف الطائفي في بغداد والبصرة واختفاء الاف الشباب دون الكشف عن مصيرهم حتى الان على يد فرق الموت وخاصة جيش المهدي وفيلق بدر.

من جانبه، كشف عضو مفوضية حقوق الإنسان “أنس العزاوي” في حديثه لوكالة “يقين” عن أعداد المختفين قسريا الذين وثقتهم المفوضية ابتداء من عام 2017 وحتى 2020، إذ يؤكد العزاوي على أن المفوضية سجلت أكثر من 8650 حالة اختفاء قسري في مختلف المناطق العراقية باستثناء محافظات اقليم كردستان.

وعن أعداد المختطفين أو المختفين قسريا في العراق منذ عام 2003، أكد العزاوي أن المفوضية لا تملك إحصائيات لهذه الفترة الطويلة، غير ان المفوضية لديها أرقام موثقة تبدأ في عام 2014، حيث أن عدد المختطفين في العراق في الفترة التي سيطر عليها تنظيم داعش على المحافظات وخلال عمليات التحرير يصل إلى 20 ألف شخص بضمنهم من فقد خلال سيطرة التنظيم ولا يعلم أحد مصيرهم وآخرون اختطفوا عمد مفارز امنية في محافظتي الأنبار وصلاح الدين.

 

مصير المختفين بعد 2014

تشير أرقام كشف عنها مسؤول أمني رفيع في حديثه لوكالة “يقين” أن العراق لديه ما لا يقل عن 250 ألف مختطف أو مختف قسريا منذ عام 2003، مع الأخذ بنظر الاعتبار عدم احتساب من سجلت مراكز الشرطة فقدانهم خلال الأيام التي لم تشهد عنفا طائفيا او في الطرقات السريعة بين المحافظات او اختطفوا عرضيا.

ويؤكد المصدر الذي اشترط عدم الكشف عن هويته والذي يعمل في وزارة الداخلية العراقية أن الوزارة لديها قناعة تامة بأن الغالبية المطلقة من المختطفين في العراق قد قتلوا بعد أيام قليلة على اختطافهم أو أنهم خضعوا لعمليات بيع أعضاء ثم قتلوا.

وعن المختطفين بعد سيطرة تنظيم الدولة (داعش) على الموصل في عام 2014، يؤكد المصدر ان هناك نوعين من المختفين قسريا، الاول يتعلق بمن اختطف على يد تنظيم الدولة (داعش) وهؤلاء قتلوا بكل تأكيد، خاصة أن التنظيم كان قد أعلن خلال سيطرته على الموصل عن قتله أكثر من 2070 شخصا والقى بهم في حفرة جنوب الموصل تدعى الخسفة وكانت على عدة وجبات.

أما ما يتعلق بالمختطفين الذين فقدوا عند السيطرات الأمنية في الانبار وجنوب الموصل وصلاح الدين، فيؤكد المصدر أن “فصائل مسلحة اختطفتهم وأن كثيرا من هم قتلوا بعد أن تاجرت هذه الفصائل بأعضائهم، مشيرا إلى أن الحكومة وجميع المسؤولين فيها يعلمون الحقيقة دون مقدرتهم على التصريح بذلك”.

أن الحكومة العراقية الحالية بزعامة “مصطفى الكاظمي” لن تجرؤ  على كشف مصير المغيبين أو المختفين قسرا.

 

أرقام متباينة

لا تملك أي جهة معلومات مؤكدة عن أعداد المختطفين في العراق منذ الغزو الأمريكي، وبحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فإن العراق يعد واحدا من أكبر البلدان التي تضم أعدادا هائلة من الأشخاص المفقودين، إذ تقدر اللجنة أن عدد المفقودين في العراق يتراوح بين 250 ألفا ومليون شخص.

كما أن منظمة هيومن رايتس ووتش ومنذ عام 2016 توثق عمليات الإخفاء القسري المستمرة على أيدي قوات الأمن والفصائل المسلحة، إذ تؤكد المنظمة أن حكومتا بغداد وأربيل لم تفعلا ما يكفي لمعاقبة الضباط والعناصر المتورطين في حالات الإخفاء القسري.

يقول النائب عن محافظة صلاح الدين “مثنى السامرائي” في حديثه لوكالة “يقين” إن محافظة صلاح الدين وحدها تضم ما لا يقل عن 12 ألف مغيب قسرا منذ عام 2014 وحتى الآن، وأن جميع وعود الحكومات المتعاقبة بالكشف عن مصيرهم لم تتعدى هواء في شبك.

ويضيف السامرائي أن عدد المختفين قسرا كبير جدا ولا تجرؤ جهة على البوح بالأعداد الحقيقية منذ عام 2003، مشيرا إلى أن الحكومة الحالية وعلى الرغم من وعودها بالكشف عن مصيرهم غير انها لا تزال جامدة في هذا الشأن.

 

تحد للحكومة

وفيما يتعلق بهذا الشأن، يرى الباحث السياسي “سمير عبدالله” في حديثه لوكالة “يقين” أن الحكومة العراقية الحالية بزعامة “مصطفى الكاظمي” لن تجرؤ هي الأخرى على كشف مصير المغيبين أو المختفين قسرا.

ويعزو عبدالله ذلك إلى أن الفصائل المسلحة كعصائب اهل الحق وحزب الله والنجباء والخرساني تتحكم بالملف الأمني في العراق بشكل شبه كلي، وهذه الميليشيات تستطيع قلب الوضع الأمني في بغداد في غضون ساعة واحدة.

ويتابع، أنه بالتالي فلا حكومة الكاظمي ولا أي حكومة قادمة قادرة على مواجهة هذه الميليشيات التي هي المتهم الاول باختطاف ابناء المناطق المنتفضة وغيرها من المناطق.

 

تراجع دولي

هناك العديد من المؤشرات التي توضح أن ملف المغيبين قسريا في العراق بات يتراجع لدى الأمم المتحدة يوما بعد آخر، إذ وبالعودة إلى الباحث السياسي “سمير عبدالله” فيؤكد من جانبه أن الأمم المتحدة تكيل بمكيالين، فمنذ أسابيع اختطفت ناشطة ألمانية وسط بغداد، وحينها قامت الدنيا ولم تقعد.

ويلفت إلى أن الجميع يرفض اختطاف الناشطين الأجانب والعاملين في المجال الإنساني في العراق، لكن ما يحدث فعليا ان العراقيين وأعداد المختفين قسريا باتت أرقاما لا تذكر لدى الامم المتحدة ولا تلقي لها بالا.

أما الخبير القانوني “محمد عباس” فيؤكد في حديثه لوكالة “يقين” على أن ملف المغيبين قسريا والاغتيالات والتعدي على الصحفيين وتكميم الأفواه تعد المؤشرات الرئيسية التي تعتمدها المنظمات الدولية عند إعلانها عن المؤشر السنوي لحقوق الإنسان والذي يحتل العراق فيه المرتبة الأخيرة وللسنوات الـ 17 الماضية.

وفي اليوم العالمي للمفقودين، تستمر معاناة عائلات المختفين في العراق وسط صمت دولي وحكومي وتواطئ سياسي كبير، وتخاذل أممي في معرفة مصير العراقيين الذي طال غيابهم.

 

 

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق