تقارير

التأمين الصحي في العراق.. استقطاعات مالية وتأمين فضائي

 

“لم استلم راتبا تقاعديا يساوي الذي قبله منذ أكثر من عامين”، بهذه الكلمات يصف الحاج “متحت الحيالي” وضع راتبه التقاعدي من الدولة، إذ أن كل شهر يستلم فيه راتبا يختلف بمقدار آلاف الدنانير عن الراتب الذي يسبقه، وهو ما يعده الحيالي سرقة مكتملة الأركان.

الحيالي الذي تقاعد من وظيفته قبل أكثر من ست أعوام، يقول إن الراتب التقاعدي بات محل استكثار من قبل الحكومة ووزارة المالية، رغم أن ما يستلمه المتقاعدون من رواتب كانت الدولة قد استقطعته على طول السنوات التي خدم فيها المتقاعدون الدولة خلال وظائفهم في مختلف مؤسسات الدولة.

 

شركات التأمين

وفقا لموقع وزارة المالية الرسمي على شبكة الإنترنت الدولية، فإن عدد شركات التأمين في العراق سواء كانت حكومية أو خاصة يبلغ 33 شركة، يقول أستاذ الاقتصاد في جامعة بغداد “بشير شكر” في حديثه لوكالة “يقين” إن المتصفح لموقع وزارة المالية يفاجأ بعدد شركات التأمين في البلاد التي تزيد عن 30 شركة.

غير أن شكر يؤكد على أن لا أثر واضحا لهذه الشركات في جميع المحافظات العراقية باستثناء محافظات أربيل والسليمانية ودهوك والتي تتمتع بقوانين خاصة في “كردستان”، وهي تعمل وفق قانون خاص بها، موضحا أن جميع الشركات التي نشرها موقع الوزارة لم يسمع عنها العراقيون شيئا باستثناء شركة التأمين الوطنية الحكومية والتي كان لها دور كبير في سبعينات القرن الماضي، غير أنه ومنذ الحصار الدولي على العراق والغزو الأمريكي بات حال هذه الشركة كحال غالبية المؤسسات الحكومية من دون أن يتم تفعيلها بعد الغزو الأمريكي للبلاد.

من جهته، يقول أحد موظفي شركة دلنيا للتأمين “ياسر عامر” العاملة في محافظتي السليمانية وأربيل إن شركته تعمل في العراق منذ أكثر من 5 سنوات وهي شركة لديها آلاف العملاء في كردستان.

وعن طريقة عمل شركته، يكشف عامر عن أنه ووفقا لما معمول به في جميع أنحاء العالم، فإن شركات التأمين لديها أنواعا مختلفة من التأمين يبدأ بالتأمين على الحياة والصحة أو السيارات أو المصانع وحتى البيوت، ولكل نوع تكلفة معينة، مضيفا أن كل شركة تأمين رصينة تتعاقد مع مستشفيات معينة وشركات تصليح السيارات وشركات أثاث وبناء وغيرها، وبالتالي فإن العميل أو الشخص المشترك في التأمين يذهب لتلك الشركات أو المستشفيات ويتعامل معها وفق نوع التأمين خاصته.

وعن شركات التأمين في العراق، يؤكد عامر على أنه كانت هناك دعوة لشركته للعمل في بغداد والمحافظات، غير أن إدارة الشركة رفضت ذلك على اعتبار أن العراق لا يملك قوانين خاصة بالتأمين ولا يملك بنى تحتية تمكّن شركات التأمين للعمل في المحافظات العراقية.

إن الفاسدين لم يتركوا مجالا إلا ونهبوا الدولة العراقية من خلاله، حتى وصل بهم الحال إلى الموظفين البسطاء

 

هل يوجد تأمين للموظفين في العراق؟

خلال الأشهر الماضية عجت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة بقضية التأمين الصحي في وزارتي الصحة والمالية (للمتقاعدين) وأثارت الرأي العام، إذ أن وزارة التربية وفي عهد الوزيرة السابقة في حكومة “عادل عبد المهدي” كانت قد تعاقدت مع إحدى شركات التأمين واستقطعت مبالغ من كوادر الوزارة، غير أن كشف القضية من قبل وسائل الإعلام أحال الموضوع إلى النزاهة التي كشفت فسادا كبيرا في هذا العقد.

يقول عضو اللجنة المالية في مجلس النواب “حنين القدو” في حديثه لوكالة “يقين” إن الفاسدين لم يتركوا مجالا إلا ونهبوا الدولة العراقية من خلاله، حتى وصل بهم الحال إلى الموظفين البسطاء.

ويكشف القدو عن أن ما حصل في الآونة الأخيرة بخصوص التأمين الذي وصفه بـ (الفضائي) يعد سرقة مقننة وباطلاع وزارة المالية وبمباركة منها، مؤكدا على أنه لولا وسائل الإعلام لما اكتشفت قضية التأمين لدى موظفي وزارة التربية السابقة والتي أحيلت القضية فيها للنزاهة وكان أحد النواب في البرلمان (لم يسمه) شريكا للوزيرة في هذه السرقة.

أما فيما يتعلق برواتب المتقاعدين، فأكد القدو على أن ما حصل ببساطة هو أن دائرة التقاعد وبالأخص أحد المسؤولين فيها تعاقد مع شركة تأمين لبنانية وهمية مختصة بالاحتيال، وهذا العقد حاولت الشركة فيه مع الفاسدين من وزارة المالية سرقة ما يقرب من 60 مليون دولار سنويا، حيث أن مبلغ التأمين هو 1.25 دولار أمريكي لكل متقاعد شهريا، وبحسبة بسيطة وبعدد المتقاعدين الذي يناهز الـ 4 ملايين، كانت هذه الشركة ستسرق 60 مليون دولار سنويا، مشيرا إلى أن الاستقطاعات من المتقاعدين توقفت في شهر أيار/ مايو الماضي وأن القضية لا تزال قائمة في هيئة النزاهة.

من جانبه، يشير الخبير الاقتصادي “أنمار العبيدي” في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن القانون العراقي يخير الموظفين في التأمين، غير أن الواقع يؤكد أن على أنه  لا تأمين في العراق منذ عقود ولا يمكن أن يفعل التأمين في المدى المنظور بسبب تهالك البنى التحتية للبلاد والانفلات الأمني، وبالتالي فإن أي شركة تأمين رصينة ستخسر مواردها في الأشهر الأولى لعملها في العراق، مشيرا إلى أن شركات التأمين الرصينة في العالم باتت تشهر إفلاسها بسبب جائحة كورونا وما يترتب على ذلك من تعويضات، متسائلا: كيف لشركات التأمين في العراق أن تتعامل مع هكذا أزمة؟

ويضيف العبيدي بالقول: “كل ما يشاع عن التأمين في العراق محظ كذبة، وأن وزارة المالية وبنشرها لشركات التأمين العاملة في البلاد تدين نفسها في أن جميع هذه الشركات وهمية ولا أساس لعملها من الناحية المالية، إذ أن لا حسابات مصرفية لها ولا فروعا منتشرة في المحافظات باستثناء العاصمة بغداد”.

ويختتم العبيدي حديثه لوكالتنا بالإشارة إلى أن شركة تأمين ورد ذكرها في موقع وزارة المالية، وهي شركة معلم للتأمين الإيرانية الجنسية، موضحا أن هذه الشركة لا وجود لها في إيران، وأن إيران ذاتها لا تتوفر فيها شركات تأمين رصينة، بحسبه.

قانون الضمان الصحي لم يمرر في البرلمان بعد أن أدرك بعض النواب أن الهدف الرئيس منه تشريع باب جديد للفساد، وأن العراق لا حاجة له بقوانين تأمين جديدة مع وجود قوانين قديمة وفاعلة يمكن التعديل عليها فقط

 

قانون الضمان الصحي في العراق

على الرغم من المحاولات المتكررة لمجلس النواب في تشريع قانون الضمان الصحي في العراق، غير أن القانون لا يزال محل نقاش وتأجيل من دون حسمه أو التصويت عليه، وكان مجلس النواب قد نشر على موقعه الرسمي عام 2016 مسودة مختصرة لقانون الضمان الصحي والذي لم يمرر حتى الآن.

وفي هذا الصدد، يقول الخبير القانوني “حازم محمد” في حديثه لوكالة “يقين” إنه ومن الناحية القانونية، فإن التشريع العراقي يعد متكاملا، ولم يغفل المشرِّع العراقي طيلة العقود الماضية أي قانون يهم البلاد، غير أن الحكومات المتعاقبة بعد 2003 اعتمدت على قانون بريمير الذي سمح بتشكيل شركات التأمين الأهلية وتأسيسها، من دون مراعاة وضع البلاد، ومن دون الاشتراط على هذه الشركات في توفير المتطلبات اللازمة لعمل شركات التأمين كما هو في بقية دول العالم.

ويكشف لوكالتنا عن أن قانون الضمان الصحي لم يمرر في البرلمان بعد أن أدرك بعض النواب أن الهدف الرئيس منه تشريع باب جديد للفساد، وأن العراق لا حاجة له بقوانين تأمين جديدة مع وجود قوانين قديمة وفاعلة يمكن التعديل عليها فقط، إذ يكشف محمد عن أنه وفي حال تشريع هذا القانون الذي تخوض كتل سياسية سباقا لتشريعه وتمجيده، فإن ذلك سيفتح الباب أمام الأحزاب السياسية والميليشيات لتأسيس شركات تأمين تتعاقد من خلالها مع الوزارات بغية استقطاع نسب معينة من رواتب الموظفين من دون أن ينعكس ذلك بالإيجاب عليهم.

 

أرقام بملايين الدولارات

ويؤكد محمد على أنه لو شرّع هذا القانون وفق معطيات الوضع العراقي الحالي، فإن مجموع ما ستحصل عليه شركات التأمين في البلاد لا يقل عن 19.5 مليون دولار شهريا، إذا ما احتسبنا أن مجموع الموظفين والمتقاعدين 6.5 مليون موظف ومتقاعد وبمعدل استقطاع شهري يبلغ 3 دولارات من الموظف الواحد.

وأضاف الخبير القانوني أن وزارة الصحة لديها قانون خاص بالتأمين الصحي لكوادرها غير أنه غير مفعل، ومنذ سنوات لم تستقطع الوزارة أية مبالغ من الكوادر الطبية على اعتبار أن الوزارة ليست لديها القدرة على توفير هذا التأمين من خلال مؤسساتها الصحية المتهالكة.

وبالتالي ونتيجة لكل ذلك، يرى محمد أن قانون الضمان الصحي المراد تشريعه سيؤدي إلى سرقات جديدة تطال رواتب الموظفين وبما يقدر بعشرات ملايين الدولارات سنويا، بحسبه.

أما التأمين الصحي لوزارة التربية والذي قد تعاقدت عليه وزيرة التربية السابقة مع شركة تأمين لبنانية وهمية، فإن الكتاب الرسمي الصدار عن الوزارة يشير إلى أن مبلغ الاستقطاع الشهري الذي كان سيقع على عتاق الموظف يبلغ 3 آلاف دينار شهريا أي 2.43 دولار شهريا، وبحساب مجموع عدد موظفي وزارة التربية الذي يناهز الـ 500 ألف موظف وفق موقع الجهاز المركزي للإحصاء، فإن قيمة المبالغ الشهرية التي كانت ستجنيها هذه الشركة تبلغ 1.215 مليون دولار شهريا.

 

هي معضلة قانونية تواجه العراقيين، في ظل سعي أحزاب سياسية مسلحة لتشريع قانون تأمين جديد في البلاد من أجل تعزيز مواردها المالية التي تراجعت مع تراجع الدعم المالي الإيراني المباشر بسبب العقوبات الأمريكية.

 

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق