إقتصادتقاريركورونا

المواد الوقائية الطبية.. وجه ٌ آخر للفساد والجشع تحكمه المليشيات.

يشهد العراق تصاعدا ملحوظا في الاصابات اليومية جراء تفشي فيروس كورونا في العراق، ومع ضفع المؤسسات الصحية ومرافقه، يتوجه غالبية العراقيين نحو اقتناء وسائل السلامة الصحية من كمامات وقفازات ومعقمات؛ الأمر الذي فتح الباب لتجارة مدرة بشكل كبير، للعديد من الشركات التجارية العامة في قطاع الصحة، سريعا لم تلبث المليشيات في العراق، أن بسطت سطوتها على ما رأته تجارة مربحة على حساب سلامة وحياة المواطنين،حتى باتت المتحكم فيها، بطرق ملتوية أو عن طريق عرقلة عمل التجار المحليين.

 

تجارة المواد الطبية الوقائية وأسعارها شهدت طفرة نوعية في العراق، وأن شركات الأدوية والمستلزمات الطبية حولت مجال استيرادها من الأدوية إلى المواد الوقائية بما لا يقل عن 50%

 

تجارة المواد الوقائية

شهدت تجارة المسلتزمات الوقائية من فيروس كورونا ارتفاعا كبيرا بمختلف الدول حول العالم، في تقرير نشر مؤخرا عن منظمات تجارة أمريكية، فإن عدد ما بيع من كمامات حول العالم منذ بدء تفشي فيروس كورونا بلغ أكثر من 155 مليار كمامة خلال الأشهر الماضية.

العراق الذي يتحكم القطاع الخاص بمجمل استيرادات المواد الطبية فيه، شهد ارتفاعا متضاعفا في أسعار هذه المواد، مقارنة بالأسعار العالمية في ظل الأزمة، ويشير عضو غرفة التجارة العراقية إبراهيم منديل” الى أن العراق استهلك ما لا يقل عن 7 ملايين كمامة خلال الأشهر الـ 5 الماضية، إذا ما احتسبنا أن معدل العراقيين الملتزمين بالكمامات يصل إلى 35% وأن هؤلاء يستهلكون كمامتين يوميا، وهذا الرقم لا يشمل العاملين في المجال الطبي الذين يستهلكون أكثر من 3 كمامات يوميا داخل المستشفيات وبأنواع أخرى أكثر جودة من الكمامات الجراحية المستخدمة شعبيا وأغلى ثمنا.

يضيف منديل في حديثه لوكالة “يقين” أن تجارة المواد الطبية الوقائية وأسعارها شهدت طفرة نوعية في العراق، وأن شركات الأدوية والمستلزمات الطبية حولت مجال استيرادها من الأدوية إلى المواد الوقائية بما لا يقل عن 50%، موضحا أن عشرات الشركات التي لم تكن مختصة بهذه التجارة دخلت في هذا المجال بغية تحقيق أرباح سريعة وهائلة.

 

دور الميليشيات والأحزاب

بعد تصاعد الطلب على المواد الوقائية بسبب تفشي جائحة كورونا، دخلت الأحزاب والميليشيات على خط استيرادها، يقول مدير أحد المذاخر الطبية في العاصمة العراقية بغداد والذي عرّف عن نفسه في حديثه لوكالتنا بـ “عاصم محمد” إنه ومنذ شهر أيار/ مايو الماضي، بدأت تجارة المواد الوقائية في البلاد تشهد صعوبات متزايدة.

موضحا أن مذخرة كان قد تعاقد مع شركة صينية على استيراد ما يقرب من 100 ألف كمامة خلال شهر آذار/ الماضي، وبالرغم من أن البضاعة دخلت ميناء أم قصر في بداية شهر أيار/ مايو، إلا أنها احتجزت في الميناء دون معرفة الأسباب، ما اضطر محمد إلى التعامل مع أحد المخلصين الجمركيين لمعرفة مصيرها وسبب عرقلتها، مشيرا إلى أن المخلص الجمركي أخبره أن لا مشكلة قانونية في شحنة الكمامات التي استوردها وأن شهادة المنشأ صحيحة والبضاعة مطابقة للمواصفات المعتمدة.

ويمضي محمد في حديثه عمّا حصل معه، ليكتشف بعد 15 يوما أن السبب الرئيس في منع خروج الكمامات من الميناء، هو إحتجازها عنوة من قبل إحدى الفصائل المسلحة، وأنه أُبلغ أن هذه الميليشيات تخيره بين إبقاء البضاعة محتجزة أو بيعها إليهم بسعر التكلفة، لافتا إلى أن تلك الفترة شهدت ارتفاعا كبيرا في أسعار الكمامات بسبب تزايد الطلب وندرتها في الأسواق المحلية.

 

إن العراق وبسبب تفشي الفساد فيه وغياب سيطرة مؤسسات الدولة على الاقتصاد، فإن ذلك أدى إلى أن تباع الأدوية والمستلزمات الطبية بأسعار تتبع أهواء التجار والموردين من دون محاسبة المحتكرين أو المتلاعبين بثمنها

 

تلاعب وسيطرة

من جهته، يكشف نائب برلماني بلجنة الاقتصاد والاستثمار في حديثه لوكالة “يقين” عن أن الميليشيات وشركات الأحزاب استغلت أزمة فيروس كورونا من أجل تحقيق أرباح كبيرة وصفها بـ (غير الشرعية)، مشيرا إلى أن هذه الميليشيات والأحزاب تستخدم نفوذها الكبير في الموانئ العراقية للتحكم بكل ما يدخل البلاد من بضائع.

النائب الذي اشترط عدم الكشف عن هويته، بسبب ما وصفه بالأوضاع الأمنية المتدهورة وغياب القانون، كشف عن أن تجارة الأدوية والمستلزمات الطبية باتت أكثر المجالات التي تدر أرباحا كبيرة بعد تجارتي السلاح والمخدرات، مؤكدا أن فصائل مسلحة عملت على استيراد كمامات إيرانية الصنع سيئة الجودة وطبعت عليها ملصقات تشير إلى أنها صناعة صينية، وأن هذه الكمامات دخلت العراق من دون حسيب أو رقيب، رغم إبلاغ لجنة الصحة البرلمانية لهيئة النزاهة بتفاصيل ما يجري، ولم تحرك الأخيرة ساكنا.

يشير الدكتور الأخصائي بالأمراض الوبائية “نشوان عباس” في حديثه لوكالة “يقين” إلى أن القطاع الصحي في البلاد يعاني من مشكلات متفاقمة، أهمها دخول الأدوية والمستلزمات الطبية غير المطابقة للمواصفات والمعايير العالمية، فضلا عن دخول الكثير منها وهي منتهية الصلاحية.

عباس وفي معرض حديثه لوكالتنا أكد أن وزارة الصحة ومنذ عام 2003 لم تعمل على فحص ما يدخل العراق من أدوية ومواد وقائية، مشيرا إلى أن وزير الصحة السابق أكد أن 95% من الأدوية والمستلزمات الطبية لا تخضع للفحوصات اللازمة.

وعن سيطرة جهات مسلحة على تجارة المواد الوقائية في الأسواق العراقية عقب تفشي فيروس كورونا، أوضح عباس أن جميع دول العالم شهدت ارتفاعا ملحوظا في أسعار هذه المواد، غير أن ما حصل في العراق هو ارتفاع هذه المستلزمات إلى أسعار وصفها بـ (الجنونية).

ويمضي في تحليله لما يحصل بالقول: “ثمن علبة الكمامة الجراحية الواحدة كان لا يتعدى 3 دولارات قبل فيروس كورونا، غير أن ثمنها وصل إلى ما يقرب من 20 دولارا، رغم أنها متوفرة في المستودعات والمخازن”، مضيفا أن الاحتكار السلعي لهذه المواد وعمل جهات متنفذة على شراء جميع المواد الوقائية المتوفرة في الأسواق واحتكارها لأسابيع أدى إلى مضاعفة أسعارها بما لا يقل عن 10 أضعاف.

 

غياب الرقابة

طرق عديدة تستخدمها الميليشيات في السيطرة على سوق الأدوية والمستلزمات الوقائية المتعلقة بفيروس كورونا، إذ يقول الخبير في مجال الصحة العامة “علي رأفت” في حديثه لوكالة “يقين” إن العراق وبسبب تفشي الفساد فيه وغياب سيطرة مؤسسات الدولة على الاقتصاد، فإن ذلك أدى إلى أن تباع الأدوية والمستلزمات الطبية بأسعار تتبع أهواء التجار والموردين من دون محاسبة المحتكرين أو المتلاعبين بثمنها.

ويرى رأفت أنه ما لم تسيطر الدولة على الأسواق التجارية واعتماد شهادة المنشأ والاستيراد في مواقع بيعها، فإنه لا حل لهذه المعضلة، خاصة أن قوانين التجارة في العراق لم تفعّل وأن أي شخص بمقدوره استيراد ما يشاء وتسجيل ذلك باسم إحدى الشركات الوسيطة المنتشرة، مع تحكم الميليشيات والأحزاب بالمنافذ الحدودية البرية والبحرية والجوية.

هي أزمة صحية يعيشها العراق إذا، منذ شهورعدة بسبب فيروس كورونا، أضيفت إليها أزمة أخرى تسببت بها الميليشيات والأحزاب، من خلال سيطرتها على تجارة المواد الوقائية من الفيروس واحتكارها ورفع أسعارها عشرات أضعاف ما كانت عليه، لتعود إليها بالفائدة على حساب سلامة وحياة العراقيين.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق