تقارير

قانون التجنيد الإلزامي.. قبول شعبي ورفض من حلفاء إيران

ألغى الحاكم المدني الأمريكي “بول بريمر” التجنيد الإلزامي في البلاد وحلّ معه كافة تشكيلات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية عقب الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003.

ومذاك بات نظام التجنيد في العراق معتمدا على التطوع، المصحوب بالتزكية الإلزامية للمتطوع من أحد الأحزاب المتنفذة في العراق، لضمان ولاء أفراد الجيش للسلطة، وليس للبلد، اضافة الى إقتصار التطوع، على شرائح معينة من الشعب، الأمر الذي عزز الولاء الإثني والطائفي داخل مؤسسة الجيش.

خلال الأشهر الماضية، عاد الحديث عن التجنيد الإلزامي في العراق في كثير من وسائل الإعلام المحلية بعد أن شهدت السنوات الماضية كثيرا من اللغط حوله وعن إيجابياته وسلبياته والخلافات السياسية داخل البرلمان واعتراض كتل معينة على إعادة العمل به.

 

ما هو التجنيد الإلزامي في الجيوش؟

تختلف الدول حول العالم في نظام جيوشها بين تجنيد إلزامي وآخر تطوعي، غير أن غالبية دول العالم لا تزال تعمل وفق التجنيد الإلزامي الذي تحدد فيه الحكومة سنا قانونيا للالتحاق بالجيش وفق التحصيل الدراسي واللياقة البدنية، وغالبا ماتعتمد الدول العاملة بالتجنيد الإلزامي سن الرشد (18 عاما) لتجنيد الشباب في الجيوش وبسن أكبر لمن هم أكثر تعليما.

وعن التجنيد الإلزامي في العراق قبل عام 2003، يقول العقيد في الجيش العراقي السابق “أوس الحيالي” في حديثه لوكالة “يقين” إن التجنيد الإلزامي في العراق كان معمولا به منذ إنشاء الجيش العراقي، وهو عرف عسكري قديم كان معمولا به منذ أيام الدولة العثمانية، وكان يعتمد سن الـ 18 عاما كحد أدنى لعمر الشباب في سوقهم للجيش، وباعمار أعلى للحاصلين على شهادات جامعية وشهادات عليا.

ويضيف الحيالي الذي كان يعمل في مديرية التجنيد بوزارة الدفاع العراقية قبل الغزو إن غالبية المشكلات التي يعاني منها العراق الآن كانت غائبة بفعل التجنيد الإلزامي الذي كان يعد مدرسة ضبط عسكرية وحياتية لكل من دخلوا الجيش وسُرِّحوا منه، وبالتالي فإن إلغاءه بعد الاحتلال الأمريكي تسبب بما يكابده العراق حاليا.

 

إن مسودة القانون من الناحية الفنية العسكرية جيدة، لكن كما يعلم الجميع في العراق فإن المشكلات غالبا ما تكون في تطبيق القانون في حال تمريره برلمانيا، وهو ما يعد حتى اللحظة صعب المنال بسبب رفض كتل سياسية موالية لإيران

 

هل يعاد العمل بالتجنيد الإلزامي؟

تتبنى وزارة الدفاع الحالية مشروع إعادة التجنيد الإلزامي أو ما يعرف بخدمة العلم، إذ نشرت الوزارة على موقعها الرسمي في الانترنت مسودة مشروع القانون الذي يضم 72 مادة وبعدة فصول أوضحت فيها جميع حيثيات عودة البلاد للتجنيد الإلزامي والشروط والحد الأدنى للعمر والاستثناءات وغير ذلك.

تشير مسودة مشروع القانون المنشورة في الفصل الثاني، المادة (2-أ) إلى أنه يكلف بالخدمة الإلزامية مدة (18) شهرا كل من أكمل التاسعة عشرة من عمره ولم يلتحق بالمدارس، أو من تركها، أو من لم يكمل الدراسة المتوسطة أو من أكملها من دون أن يلتحق بالدراسة الإعدادية، أو ما يعادلها، أو التحق بها ولم يكملها بعد إكماله الثالثة والعشرين من عمره.

فيما تشير النقطة (ب) إلى أن مدة الخدمة الإلزامية لن تتجاوز الـ (12) شهرا لكل من أكمل الدراسة الإعدادية أو ما يعادلها ولم يلتحق بإحدى الكليات أو المعاهد أو ما يعادلها أو بإحدى الدورات التحضيرية للدخول إلى إحدى الكليات أو المعاهد بشرط أن لا تزيد مدة الدورة على (3) سنوات، وكذلك لخريجي المعاهد العالية أو ما يعادلها التي مدة الدراسة فيها لا تقل عن سنتين بعد الدراسة الإعدادية، فضلا عن أن الطالب الراسب لسنتين في الكليات أو المعاهد أو ما يعادلها مشمول بهذه المدة.

أما فيما يتعلق بخريجي الكليات التي لا تقل مدة الدراسة فيها عن 4 سنوات، فلا تتجاوز الخدمة الإلزامية (9) أشهر فقط، في الوقت الذي يعفى فيه الحاصلون على الشهادات العليا كالماجستير والدكتوراه من خدمة العلم.

واستثنت مسودة القانون من الخدمة الإلزامية جميع العاملين في الأجهزة الأمنية سواء كانوا ضباطا أو منتسبين أو طلابا في الكليات الأمنية والعسكرية، فضلا عن إعفاء شامل من الخدمة لكل من لا تتوفر فيه الشروط الصحية والبدنية.

يقول أستاذ في الكلية العسكرية العراقية قبل عام 2003، إن مسودة مشروع قانون خدمة العلم المنشورة في الموقع الرسمي لوزارة الدفاع جيدة ولا غبار عليها، وفصلت في جميع الشؤون العسكرية والشروط والأعمار والاستثناءات وحتى الاحتياط.

ويضيف المصدر الذي فضل عدم الكشف عن هويته في حديثه لوكالة “يقين” إن مسودة القانون من الناحية الفنية العسكرية جيدة، لكن كما يعلم الجميع في العراق فإن المشكلات غالبا ما تكون في تطبيق القانون في حال تمريره برلمانيا، وهو ما يعد حتى اللحظة صعب المنال بسبب رفض كتل سياسية موالية لإيران.

 

موقف شعبي مؤيد ومشكك

يدور الحديث بين الشباب في العراق عن إعادة العمل بالتجنيد الإلزامي بين مؤيد ومشكك، إذ يقول الشاب البغدادي “رائد عباس” إن العراق ستكتب له النجاة في حال إعادة العمل بالتجنيد، خاصة أن الكثير من شباب البلاد لم يعيشوا الانضباط لا في المدارس ولا في الجامعات.

ويضيف عباس أن ظواهر المخدرات والسكر والقمار والتسكع والانحلال باتت طاغية في المجتمع في ظل ضعف دور الأسرة ومشاغل الحياة، في الوقت الذي سيشكل فيه التجنيد الإلزامي فرصة للشباب لإعادة رسم مسار حياتهم من جديد ومعرفة الانضباط وهو ما سينعكس إيجابا على حياتهم بعد العسكرية.

على الجانب الآخر، يخشى بعض الشباب من أن يؤدي التجنيد إلى حرمانهم من حياتهم الحرة، وهو ما يشير إليه “مصطفى عمران” في حديثه لوكالة “يقين” بالقول: “الشباب يخشون العودة للتجنيد الإلزامي، فحروب العراق لا تنتهي، وبالتالي نخشى أن تؤدي أي حرب إلى البقاء في الجيش لسنوات طويلة وضياع فرصنا في الحياة”.

 

تأييد برلماني ورفض وتشكيك

على الرغم من مرور عامين على طرح وزارة الدفاع مسودة مشروع قانون خدمة العلم ونشرها في الموقع الرسمي للوزارة، إلا أن الحكومات المتعاقبة لم تفعّل هذه المسودة ولم تقدمها للبرلمان لأجل مناقشتها والتصويت عليها لاحقا.

إذ تؤيد كتل سياسية عدة مشروع القانون وتعده خلاصا للعراق مما هو فيه في حين ترفض كتلا أخرى إعادة العمل بالتجنيد الإلزامي، يقول النائب عن اتحاد القوى العراقية، إن اتحاد القوى مؤيد لإعادة العمل بالتجنيد الإلزامي في البلاد، غير أن الكتل السياسية لم تتفق على تمرير هذا القانون ولم تناقشه أساسا، حيث أن مسودة المشروع لم تصل البرلمان، وبالتالي لا يمكن للبرلمان مناقشة مشروع قانون لم يقدم له رسميا.

ويضيف الجبوري في حديثه لوكالة “يقين” أن حيثيات تأسيس المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية في البلاد بعد الغزو الأمريكي عام 2003 كان استثنائيا ولم يعمل فيه بمعايير وطنية، بل كان التأسيس والانتساب للمؤسسات الأمنية ومنها الجيش مبني على توجهات طائفية ومقيدا بفئات معينة فقط.

وتذهب الكتلة الكردية كذلك في تأييد إعادة العمل بالتجنيد الإلزامي، إذ يؤكد النائب عن الكتلة الكردية “شيروان الدوبرداني” في حديثه لوكالة “يقين” على أن من مصلحة العراق إعادة العمل بالتجنيد الإلزامي، حيث أنه سيؤدي إلى أن تشارك جميع مكونات الشعب العراقي وأقلياته في الجيش الرسمي، مشيرا إلى أن القانون وفي حال تشريعه سيعمل على إنهاء استحواذ المكون الشيعي على غالبية المؤسسات الأمنية في البلاد، وأن العرب السنة والشيعة والأكراد والتركمان وبقية الأقليات ستحظى بفرص متساوية وعادلة في خدمة البلاد والعمل ضمن مؤسسته العسكرية.

كتلة سائرون من جانبها، والتي يتزعمها “مقتدى الصدر” تؤيد التجنيد الإلزامي أيضا،  وظهر هذا التأييد واضحا في حديث النائب عن الكتلة “صادق السليطي” لوسائل إعلام محلية بما مفاده أنهم سيدرسون مسودة قانون الخدمة الإلزامية من جميع النواحي، مؤكدا على أن التجنيد الإلزامي سيفضي إلى حل العديد من المشكلات في البلاد ومنها البطالة، حيث سيوفر القانون فرص عمل لعشرات آلاف الشباب.

ويضيف السليطي أن التجنيد الإلزامي سيقضي على التخندقات الطائفية ضمن المؤسسة العسكرية وسيؤدي إلى مشاركة جميع العراقيين في المؤسسة العسكرية للعراق وهي الجيش.

وعلى الرغم من تأييد العديد من الكتل السياسية لإعادة العمل بالتجنيد الإلزامي، غير أن كتلة الفتح لديها رأي آخر، إذ يرى النائب عن لجنة الأمن والدفاع البرلمانية “مهدي تقي اسماعيل” أن الوقت غير مناسب عراقيا لإعادة العمل بالتجنيد الإلزامي وأن مسودة مشروع القانون بحاجة إلى دراسة كبيرة من جميع النواحي الفنية والاقتصادية، خاصة أن التجنيد الإلزامي يحتاج إلى توفير مئات ملايين الدولارات لتمويل الجنود وتهيئة المعسكرات وغيرها.

 

في ظل معطيات الوضع السياسي الحالي وتفشي السلاح والميليشيات، فإنها لن تستطع سوق المكلفين للتجنيد، فضلا عن أنها لا تملك القوة لفرض القانون في ظل إخفاقها بفرضه في مساءل أقل شأنا

 

صعوبات بالغة

يتحدث مجموعة من النواب والخبراء عن صعوبات بالغة في إعادة العمل بالتجنيد الإلزامي، إذ وبالعودة إلى النائب عن محافظة نينوى “أحمد الجبوري” فإنه يرى أن أولى الصعوبات تتمثل بتوفير الأموال اللازمة للتجنيد الإلزامي، فضلا عن صعوبات لوجستية تتمثل في أن العراق وبعد الغزو خسر جميع مراكز التدريب التي يمكن لها أن تستوعب المكلفين.

ويعتقد الجبوري أن الحكومة وفي ظل معطيات الوضع السياسي الحالي وتفشي السلاح والميليشيات، فإنها لن تستطع سوق المكلفين للتجنيد، فضلا عن أنها لا تملك القوة لفرض القانون في ظل إخفاقها بفرضه في مساءل أقل شأنا، مختتما حديثه لوكالتنا باعتقاده أن الدورة البرلمانية الحالية لن تشهد تمرير قانون خدمة العلم.

معضلات كبيرة يسلط الضوء عليها الخبير الأمني “رياض الزبيدي”، إذ يشير إلى أن أكبر المعضلات لا تتعلق بتوفر التمويل اللازم لإعادة العمل بالتجنيد الإلزامي قدر تعلقها بالإرادة السياسية التي لا تزال غائبة، خاصة مع سيطرة الدولة العميقة والميليشيات الولائية على مختلف مفاصل الدولة الأمنية.

وعلى الرغم من أن التجنيد الإلزامي سيؤدي إلى القضاء على السلاح المنفلت والسائب بحسب الزبيدي، غير أنه يشير إلى حيثية وصفها بـ (المهمة) وهي أنه لا يمكن يأي حال من الأحوال أن تسمح إيران ومؤيدوها في العراق بتمرير مثل هكذا قانون سيفضي في حال إقراره إلى انقلاب موازين القوى في غير صالحها وسيقضي على الفرضية التي تعاملت بها في العراق بأن المكون الشيعي يشكل غالبية كبيرة في عدد سكان البلاد.

ويستبعد الزبيدي تمرير القانون أو حتى تقديم مسودة مشروعه للبرلمان على أقل تقدير، في ظل الحكومة الحالية التي يبدو أنها استمرار للوضع السياسي الذي تعيشه البلاد منذ عام 2003، بحسبه.

تأييد واعتراض وصعوبات وإيجابيات تكتنف إعادة العمل بالتجنيد الإلزامي في البلاد، في ظل تأكيد العديد من الخبراء والمسؤولين على أن إيجابياته تفوق سلبياته.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق