الفقر في العراقتقاريرسرقة العراق

أكثر من ٨٢ مليار دولار.. الحصة التموينية شبهات فساد ومفردات رديئة

أُعتمد نظام البطاقة التموينية في العراق بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم ٦٦١ الصادر بتاريخ ٦ أغسطس/ آب ١٩٩٠. وتعتمد ٩٠٪ من العائلات العراقية على مفردات هذه البطاقة بشكل تام، وتعتمد عليها نسبة الـ10% الباقية (وهم أصحاب الأجور المرتفعة) بشكل جزئي، ويوجد في العراق أكثر من ٤٥ ألف وكيل يقومون بتوزيع مواد، من أبرزها الرز والشاي والسكر ، يضاف إليها الطحين الذي له شبكة توزيعية مستقلة، وكانت تغطي هذه المواد أكثر من ٧٥٪ من المواد الغذائية التي تستهلكها الأسرة العراقية، وكانت تعتمد غالبية العائلات العراقية في تدبير أمورها المعيشية على ما يصلها من مفردات الحصة التموينية من أجل تدبير حياتها الاقتصادية إبّان فترة الحصار الاقتصادي الذي كان مفروضاً على العراق في تسعينيات القرن الماضي، ولا تزال الكثير من هذه العائلات حتى يومنا هذا تعتمد على ما يصلها من مساعدات ومعونات غذائية من منظمات او جمعيات خيرية، لأسباب كثيرة تتعلق بغلاء أسعار المواد الغذائية في الأسواق المحلية وتفشي ظاهرة البطالة بشكل ملفت للنظر والتي لا تؤمّن مصدرا ثابتا للدخل، خاصة بعد ارتفاع نسبة الفقر في العراق عن ٤٠٪ من مجموع السكان، بالإضافة إلى عدم تسليم الدولة مفردات البطاقة التموينية لها لفترة طويلة، وإن تم تسليمهم إياها فلا يتعدى الأمر مادة أو مادتين فقط.

السيدة “أم علاء” ٥٩ عاماً من بغداد أكدت عدم استلامها مادة الطحين والرز منذ شهر نيسان – أبريل الماضي، وإن آخر حصة تم استلامها من مادتي السكر والزيت تعود الى شهر آذار الماضي وكانت رديئة جداً ولا يمكن استهلاكها. وتابعت في حديثها لوكالة “يقين”: “ما زاد من الاعباء المالية لدينا هو إرتفاع الأسعار وعدم توفر مصادر الدخل، في الوقت الذي تأثرت أغلب الأعمال بسبب إجراءات حظر التجوال للوقاية من وباء كورونا”.
وأضافت: “الحكومة تتحمل مسؤولية معانتنا، وأثبتت الحكومات المتعاقبة عجزها عن الايفاء بالتزاماتها في توفير مفردات البطاقة التموينية البائسة، حيث لم نعد نستلم سوى مادتين او ثلاثة في حين كانت تصل في السابق إلى أكثر من ١٠ مواد، واليوم أغلب المواد التي تجهز للمواطنين من قبل وكلاء الحصة التموينية أما تكون تالفة أو غير صالحة للاستهلاك البشري ويتم أخذ مبالغ مالية مضاعفة تتجاوز ١٠٠٠ دينار عراقي عن كل حصة، والوكلاء يرمون السبب على وزارة التجارة في تجهيز المواد التالفة وتحديد نسبة المبالغ”.

الأموال المخصصة للبطاقة التموينية في موازنة العام الماضي ٢٠١٩ تقدر بترليون و٧٠٠ مليون دينار عراقي، وهذا الرقم باستطاعته تأمين مفردات البطاقة التموينية بصورة جيدة ومنتظمة للمواطنين، في حال التعامل معه بصورة شفافة ونزيهة”

مفردات رديئة

الحاج “سالم” ٦٦ عاماً وهو أحد وكلاء الغذائية في منطقة الشعب ببغداد، برر أخذ المبالغ من المواطنين قائلاً: “نحن نأخذ من كل مواطن مبلغ ١٠٠٠ دينار عراقي فقط، وقيمة المبلغ المخصص للتموين هو ٥٠٠ دينار عراقي، وما يتم اخذه هو ٥٠٠ دينار اخرى وهذا المبلغ هو مانصرفه على ايجار مخزن الوكالة ومكان التوزيع، بالإضافة إلى أجور العامل الذي يتولى وزن الحصة الغذائية”. وعن ردائة المواد الغذائية أكد الحاج سالم لوكالة “يقين” انهم يوزعون على المواطنين ما يتم استلامه من وزارة التجارة، وهذا الأمر متعلق بالوزارة والتجار المتعهدين بالإستيراد، فالمواطن بدأ لا يستلم حصته بسبب ردائتها فيقوم ببيعها إليها بمبلغ رمزي، ونحن بدورنا نقوم ببيعها لتجار في السوق ولا نعلم هل يتم تدويرها من عدمه، لكن لا نستغرب ذلك لأن كميات كبيرة من المواد تاتي بذات الردائة والمنشأ وهذا ما يؤكد وجود عمليات تدوير لتلك المواد”.

أما السيد “حبيب البياتي” ٦٣ عاماً تساءل مستغربا: “عن أي حصة تموينية أتحدث؟ فمادتي الرز والطحين اللتان توزعان علينا، لا تصلحان للاستهلاك البشري نظرا لرداءة نوعيتيهما، وغالبا ما يتم توزيع مادة أو مادتين للمواطنين، وبالمقابل يستوفى منهم مبلغ الحصة كاملة، بواقع 1500 دينار عن الفرد الواحد، وهذا تتحمله وزارة التجارة من جهة وجشع وكلاء الغذائية من جهة أخرى”.

الباحث في الأمن الغذائي “على عودة” من جهته اتهم وزارة التجارة بالفشل في تأمين مفردات البطاقة التموينية وسوء الإدارة وتفشي الفساد. قائِلاً: “إن الأموال المخصصة للبطاقة التموينية في موازنة العام الماضي ٢٠١٩ تقدر بترليون و٧٠٠ مليون دينار عراقي، وهذا الرقم باستطاعته تأمين مفردات البطاقة التموينية بصورة جيدة ومنتظمة للمواطنين، في حال التعامل معه بصورة شفافة ونزيهة”، لافتا إلى إن “عدم انتظام توزيع مفردات البطاقة التموينية ليس بالجديد، وهو نتيجة طبيعية لتحكم الفاسدين والمتنفذين في هذا الملف منذ سنوات، وسط تجاهل الجهات الرقابية لمحاسبة هؤلاء، بسبب اشتراكها معهم في هذه الجريمة التي ترتكب بحق المواطنين”.
وشدد الباحث على “ضرورة مراجعة هذا الملف ووضع حد للفساد وسوء الادارة في وزارة التجارة، ومعاقبة الفاسدين ورفع يد المتنفذين عن قوت الشعب والمتلاعبين بمصيرهم وأمنهم الغذائي”، داعيا إلى “تشديد الرقابة على وكلاء الحصة التموينية الذين يقومون باستبدال بعض المواد الجيدة بأخرى تالفة أو رديئة نتيجة لتواطؤ بعض موظفي الوزارة وماركز ومخازن التموين من ضعاف النفوس”.

مراحل فساد خطيرة

وصلت عمليات الفساد في ملف الحصة التموينية إلى مستويات عالية، ساهمت فيها الكثير من اوجه الفساد إبتداءً من الوزير مروراً بكبار الموظفين والوكلاء والمدراء العامين وصولاً لوكلاء الغذائية، هكذا تحدث عضو لجنة الاستثمار والاقتصاد النيابية “حامد الموسوي”، الذي حذر من وصول عمليات الفساد في وزارة التجارة الى مراحل خطيرة وحرمان المواطنين من مفردات البطاقة التموينية، متهما الوزارة بانها “باب لتمويل الأحزاب” بحسبه.
وقال الموسوي  في تصريح لوكالة “يقين”: “من خلال مخاطبتنا إلى رئيس الوزراء لاحظنا وجود تسويف ليس فقط فيما يتعلق بالبطاقة التموينية فحسب، وإنما كل اعمال وزارة التجارة تشوبها عمليات التسويف والفساد والتهرب من المسؤولية، والإدارة السيئة والفساد المستشري في الوزارة منع وصول مفردات البطاقة التموينية الى المواطنين الذين هم بأمس الحاجة إلى تلك المفردات”. مضيفاً: “وزارة التجارة ليس من أولوياتها تقديم ما يخدم المواطن بل هي باب تمويل جهات حزبية تقف خلفها جهة سياسية معروفة”، داعيا الى “وقفة حقيقية من الجهات الرقابية والبرلمانية لمساءلة الجهات المعنية داخل وزارة التجارة حول عمليات الفساد“.
ولفت الى أنه “على الرغم من وجود مخالفة قانونية على الرز الفيتنامي الا اننا في لجنة استثمار واقتصاد نيابية وافقنا على توزيع الرز في الحصة التموينية حتى لا يسمح لوزارة التجارة بتعطيل المفردات”.

أما عضو لجنة النزاهة النيابية “طه هاتف” أوضح أن للحصة التموينية تم تقليصها بشكل كبير وعلى مدار السنوات الماضية وكان هذا الملف تشوبه الكثير من ملفات الفساد وفتحت الكثير من القضايا خلال الحكومات السابقة و تقلصت الحصة الى مستويات دنيا حيث لم يبقى بها سوى السكر وزيت وايضا هناك تأخير تزويد المواطنين بهذه المادتين
اما بالنسبة للطحين فقد تم الاعتماد على محصول الحنطة العراقي الذي استطاع ان يسد حاجة العراق من هذا المحصول وبالتالي تحويله للمطاحن وتزويد المواطنين بالحصة التموينية من الطحين لكن هناك شبهات فساد كبيرة في هذا الملف على السنوات الماضية اما في هذه الاشهر او السنة الاخيرة لا توجد اموال وتقلص هذا الفساد بشكل كبير في السنوات الاخيرة ليس لسبب معين ولكن السبب أنه الحصة تقلصت وبسبب عدم وجود أموال لدى وزارة التجارة.

غياب الرقابة

عضو لجنة النزاهة النيابية “عالية نصيف” أكدت أن وزارة التجارة متخمة بالفساد منذ ٢٠٠٣، خاصة بعدما اخفقت في تأمين مفردات البطاقة التموينية منذ العام ٢٠٠٣ ، حيث حصلت الكثير من الاستجوابات والتحقيقات إلا أن هنالك ما يمنع من محاسبة الفاسدين الذين سمح لهم بالهرب خارج البلاد بعد تأكد فسادهم ومشاركتهم في هدر المال العام، مؤكداً لـ “يقين” أن الفاسدين لم يخضعوا للملاحقة القانونية والقضائية.

وأضافت: “أن هدر المال العام موجود في ملف مفردات البطاقة التموينية، وتعد مسألة الحصة التموينية باباً من أبواب الفساد والهدر ويجب حل هذه القضية سريعاً كونها تحمّل ميزانية الدولة اموالاً طائلة، حيث تبلغ موازنة الحصة التموينية لمادتي الزيت والسكر ٤٣٥ مليار دينار عراقي لمادتين فقط، وتوزيع باقي المفردات تشوبه الكثير من علامات الاستفهام كونها أصبحت منفذاً وباباً للفساد دون وجود رادع قانوني من قبل الدولة.

وعن الحلول اللازمة لمعالجة ملف الفساد في البطاقة التموينية قالت نصيف: “اقترحنا حلولاً المقترحة و تم تجاهلها من قبل الحكومة واللجان المعنية في مجلس النواب، ومن هذه الحلول أن يتم توزيع مفردات البطاقة على العائلات المتعففة والمستحقة من ذوي الدخل المتوسط والضعيف وحجبها عن موظفي الدولة الذين يتقاضون رواتب عالية، وهذا يقع على عاتق وزارتي التخطيط والتجارة في حصر الإحصائية المؤكدة، خاصة وان التوقعات تشير إلى وجود ما يقارب ١٠ مليون عائلة مستحقة لمفردات البطاقة التموينية في العراق”.
أما مقرر اللجنة المالية في مجلس النواب النائب “أحمد الصفار” فنّد من جانبه مسألة الأموال المخصصة للبطاقة التموينية ضمن الموازنات السابقة، وان الموازنة المقبلة لم توضح لغاية الآن حجم المبالغ المرصودة للبطاقة التموينية ولم يتطرق إليها بشكل تشريعي إلى الآن، وقال الصفار في تصريح خاص لوكالة “يقين” إن إعداد قانون الموازنة الاتحادي لم يتم إلى الآن، ولم تحدد موازنة جديدة لمفردات البطاقة التموينية إلا أنها قد تزيد عن ٨ مليار دولار، وبحسب الأرقام فإن هذا المبلغ لا يسد الفترة السنوية الكاملة لأن المبلغ الذي يتم التعامل معه لا يسد سوى ٨ أشهر من السنة، مما يعني أن هنالك سوء تخطيط وإدارة ملف البطاقة التموينية وتوفير مفرداتها، خاصة مع وجود شبهات فساد كبيرة ترافق عمليات شراء مفردات البطاقة التموينية.

احصائيات بحثية رسمية أكدت أن العراق صرف أكثر من ٨٢ مليار دولار على ملف البطاقة التموينية منذ ٢٠٠٣، ولا أعلم اين صرفت هذه الاموال

اكتفاء ذاتي

طالبَ رئيس اتحاد الغرف التجارية العراقية “عبد الرزاق الزهيري” في حديثه لوكالة “يقين” ان يكون هنالك ضغطاً شعبياً من أجل تنظيم ملف مفردات البطاقة التموينية، لان الإعتماد على المسؤول اليوم يعد أمراً لا جدوى منه، كما يجب أن يكون هنالك دور للمحافظين في جميع المحافظات العراقية من خلال الضغط على ان تكون كل محافظة مسؤولة ومشرفة على ملف توزيع الحصة التموينية، وأضاف الزهيري: ” يجب أن يقتصر توزيع الحصة على العائلات المحتاجة فقط وأن يتم تقليصها من ٣٧ مليون حصة وعدم شمول العلات المتيسرة والتي تمتلك دخل شهري عالي، فهنالك الكثير من العلات لا تحتاج لمفردات البطاقة التموينية، اما بقائها بهذه العشوائية التي تشهدها اليوم فجعلها باباً مفتوحاً من أبواب الفساد والهدر”، معتبراً أن تسليم ملف البطاقة التموينية للمحافظات يرفع عن الوزارة عبئاً كبيرة ويجعلها مستقلة بعملها وأخذ دورها الحقيقي من خلال تنظيم التعاملات التجارية الوطنية وتنظيم الاستيراد والتصدير، وتفرغ الوزير لإدارة الوزارة وتعاملاتها التجارية والعمل على إدخال العراق ضمن منظومة التجارة العالمية الحرة.

اما الخبير الاقتصادي “صلاح الزيدي” فكان له رأيٌ آخر، قائلا: “بحسب احصائيات بحثية رسمية فإن العراق صرف أكثر من ٨٢ مليار دولار على ملف البطاقة التموينية منذ ٢٠٠٣، ولا أعلم اين صرفت هذه الاموال، لأن المواطن لا يشعر بوجودها اصلا، بل بالعكس الحكومات المتعاقبة دائما ما عملت على تقليصها بدلا من زيادتها”.

اما عن الحلول الواجب العمل عليها إقترح الزيدي من خلال وكالة “يقين”: “تحويل هذه المفردات إلى أموال توزع على العائلات المحتاجة التي لا تمتلك مصدراً للدخل او تلك التي دخلها الشهري لا يسد نفقاتها الشهرية، وتعتبر خطوة تبعد الحكومة عن شبهات الفساد التي تطال هذا الملف، أما عن مفردات البطاقة التموينية قال الزيدي: “إن فالعراق يمكنه تجهيز نفسه من دون الاستيراد من الدول الخارجية، فنحن لدينا جميع الأدوات التي من شأنها دعم البطاقة التموينية وخصوصا القمح والزيت والسكر والرز ومساحيق التنظيف، بل وحتى يمكن للحكومة دعم المنتجات الزراعية ورفد السوق لها ودعم أسعارها لتكون مناسبة لجميع المواطنين بأسعار رمزية، لكن كما تعلمون طيلة الحكومات المتعاقبة منذ عام ٢٠٠٣ شهد هذا الملف الكثير من شبهات الفساد” بحسبه.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق