ازمة الكهرباء في العراقتقارير

أزمة الكهرباء.. 17 عاما من حكايات الفشل والفساد

يستمر العراقيون في معاناتهم مع الكهرباء الذي بات أحد أبرز محركات الغضب الشعبي في العراق، إذ وبعد 17 عاما على الغزو الأمريكي وإنفاق عشرات مليارات الدولارت، لا يزال قصور الكهرباء في العراق حديث الشارع.

تحقيق استقصائي لوكالة “يقين” يكشف عن خفايا الكهرباء في العراق والأسباب الحقيقية لعدم توفره، فضلا عن سوء التخطيط وارتهان العراق للكهرباء والغاز الإيرانيين.

 

معاناة وأسباب متعددة

“ساعات طويلة من انقطاع الكهرباء الوطنية وعشرات الآلاف أدفعها شهريا من أجل عدد محدد من الأمبيرات” بهذه الكلمات يصف المواطن البغدادي “سعيد الحاج” وضع الكهرباء في العاصمة العراقية بغداد، بعد أن باتت ساعات الانقطاع طويلة للغاية في ظل صيف لاهب تصل درجات الحرارة فيه إلى الـ 50 درجة مئوية.

الحاج الذي تحدث لوكالة “يقين” أكد على أن هذا الصيف كان الأشد في عدم توفر الكهرباء، إذ أن جائحة كورونا وما سببته من إغلاق شامل أدت إلى بقاء الكثير من البغداديين في منازلهم تجنبا للعدوى، وبالتالي المعاناة كبيرة، مع أن العراقيين يدفعون أجور الكهرباء للدولة ولأصحاب المولدات الأهلية.

يعزو مهندس الكهرباء “رعد سالم” في حديثه لوكالة “يقين” أسباب تردي الكهرباء في العراق إلى 3 عوامل رئيسة، أولها الفساد ومن ثم سوء التخطيط وأخيرا ارتهان العراق بإيران.

ويكشف سالم عن أن محطات توليد الكهرباء في العراق تنقسم إلى 4 أنواع هي المحطات البخارية والغازية والكهرومائية (السدود) والديزل، فيما الوقت الذي تسيطر فيه 4 شركات عامة حكومية على ملف الكهرباء في البلاد وهي الشركة العامة لإنتاج الطاقة الكهربائية، (الوسطى والفرات الأوسط والشمالية والجنوبية).

سالم وفي معرض حديثه لوكالتنا أشار إلى أن ما أنفق على وزارة الكهرباء والذي يقدر بنحو 65 مليار دولار، كان يمكن له أن يبني شبكات كهرباء ومحطات كاملة من الصفر وحتى وصول الكهرباء الى منازل العراقيين، ومن خلال شركات عالمية رصينة لها باع في هذا المجال، غير أن السنوات السابقة كشفت عن أن جل هذه الأموال ذهبت لجيوب الفاسدين ولمحطات توليد لا طائل منها وفق الواقع العراقي.

أن الفساد في العراق وبوزارة الكهرباء على وجه التحديد ينقسم إلى فساد مالي وفساد فني

 

كم ينتج العراق من الكهرباء؟

يكشف المتحدث باسم وزارة الكهرباء “أحمد موسى العبادي” في حديثه لوكالة “يقين” عن أن انتاج العراق من الكهرباء وصل بداية العام الحالي إلى 19.2 ألف ميكا واط، غير أنه ومع مجيء فصل الصيف والأحمال الكبيرة وارتفاع درجات الحرارة، فإن بعض المحطات توقفت لأجل الصيانة، وبالتالي انخفض معدل الإنتاج إلى ما يقرب من 14.5 ألف ميكا واط.

العبادي وفي حديثه لوكالتنا أكد على أن وزاراته تعمل حاليا على إيصال حجم الإنتاج الكهربائي إلى 23 ألف ميكا واط عام 2021، من خلال إدخال العديد من محطات التوليد إلى الخدمة في الناصرية والدبس وكركوك ومحطات ديزل الجادرية وغيرها، مشيرًا إلى أن حاجة البلاد الفعلية من الكهرباء لا تقل عن 29 ألف ميكا واط.

يشهد العراق في كل صيف وخلال الـ 17 عاما الماضية تدهورا كبيرا في تجهيز الكهرباء الوطنية، غير أن العام الحالي كان الأشد، وهو ما يعزوه المتحدث باسم وزارة الكهرباء إلى أن صيف هذا العام كان استثنائيا بكل المقاييس، بحسبه.

موضحا بالقول: “عوامل عدة أدت إلى انهيار بعض محطات توليد الكهرباء أو إخراجها من الخدمة مؤقتا، فكما هو معلوم للجميع فإن العراق لم يقر هذا العام ميزانية مالية، وبالتالي عانت الوزارة من عدم توفر التخصيص المالي الكافي لعمليات الصيانة لمختلف المحطات، فضلا عن أن زيادة الأحمال الكهربائية هذا العام كانت قياسية في فصل الصيف بسبب جائحة كورونا وتسببها بإبقاء العراقيين داخل بيوتهم، ما زاد من كمية الاستهلاك المنزلي”.

 

كم يستورد العراق كهرباء من إيران؟

وعن كمية ما يستورده العراق من كهرباء من إيران سواء كان ذلك كهرباء أو غازا إيرانيا للتوليد، كشف العبادي عن أن مجموع الكهرباء المستورد من إيران يصل إلى 7 آلاف ميكا واط، وبواقع 4 آلاف ميكا واط منتجة من خلال الغاز الإيراني و3 آلاف ميكا أخرى كهرباء مباشرا ينقل للعراق عن طريق خطوط النقل الكهربائي بين البلدين.

لا تزال الفجوة في الكهرباء كبيرة بين ما ينتجه العراق ويستورده والحاجة الفعلية للبلاد، غير أن العبادي يرى أن العامين القادمين سيشهدا تحسنا ملحوظا في الكهرباء بعد أن وصل تنفيذ اتفاقيات ربط العراق مع منظومات الكهرباء في الخليج والأردن إلى مراحل متقدمة.

وعن حيثيات الربط الشبكي مع منظومة الخليج الكهربائية والربط مع الأردن، يوضح العبادي أن العراق ومن خلال وزارة الكهرباء يعمل على استكمال خطوط النقل مع الخليج التي ستكون عبر السعودية والكويت، وأن الخط الكويتي للكهرباء الخليجية سيضيف 500 ميكا واط للمنظومة العام القادم كمرحلة أولى، فيما بيّن أن الربط مع الأردن سيكتمل بعد إكمال الربط الشبكي البالغ طوله 300 كيلومترا، وبطاقة استيرادية تبدأ من 150 ميكا واط وتنتهي عند 960 ميكا واط عند اكتمال المشروع الذي ستنضم إليه مصر لاحقا.

 

حلول ترقيعية

مع كل أزمة صيف في قطاع الكهرباء، تنهال الوعود الحكومية وتتعهد بتحسن الأوضاع في الصيف اللاحق غير أن ما يحدث فعليا هو إضافة بعض الحلول الترقيعية التي لا يرى العراقيون أثرا لها، وهذا ما يؤكده الأكاديمي وأستاذ الاقتصاد “قاسم محسن” إذ يقول إن ما يعانيه العراق فعليا ليس نقصا في مجال توليد الطاقة الكهربائية بل فسادا ماليا وإداريا وفنيا.

قاسم وفي حديثه لوكالة “يقين” يكشف عن أن الفساد في العراق وبوزارة الكهرباء على وجه التحديد ينقسم إلى فساد مالي وفساد فني، إذ يوضح أن الفساد المالي مرتبط في عقود بالأموال التي أنفقت على قطاع الكهرباء والكوميشنات وغيرها، فضلا عن فساد إداري كبير يتمثل في أبسط صوره، حيث أن أحد المدراء العامين في الوزارة (لم يسمه) لا يزال بمنصبه منذ أكثر من 10 سنوات وشهد 4 حكومات متتالية من دون أن يخرجه أحد من منصبه، مشيرا إلى أن المبالغ المالية التي صرفت على قطاع الكهرباء (تشمل الصيانة ونصب المحطات) تقدر بـ 35 مليار دولار، إضافة إلى 30 مليار دولار أخرى كنفقات تشغيلية تعادل موازنات بلدان مجاورة لعامين كالأردن ولبنان.

 

هنالك شخصيات كبيرة ومعروفة متورطة بعقود وزارة الكھرباء، وغالبية الفاسدين في وزارة الكهرباء ھم المدراء العامون الذين مضى على بعضهم أكثر من عقد من الزمان وهم في مناصبهم محصنين من كتل وأحزاب سياسية معروفة.

 

صفقات متعمدة لصالح إيران

وعن الفساد الفني، يؤكد محسن على أن الجميع يعلم أن العراق بلد نفطي وغازي، غير أن النفط وحده الذي يستثمر من دون الغاز الذي أشارت تقارير دولية عنه إلى أن العراق يعد ثاني أكبر بلد في العالم في إحراق غازه الطبيعي المصاحب لعمليات الاستخراج النفطي، وبالتالي كان الفساد واضحا في استيراد محطات توليد كهرباء غازية وتجهيز، مع علم الوزارة والحكومة والجميع أن هذه المحطات لا يمكن تشغيلها من دون الغاز، ونتيجة لكل ذلك لجأ العراق إلى استيراد الغاز الإيراني.

ويضيف: “يبدو أن الأمر كان مبينا، إذ كيف لهم أن يستوردا محطات توليد كهرباء غازية من دون توفر الغاز، وهذا ما يؤكد على أن العملية لم تكن عن قلة خبرة وإنما بتدبير مسبق لأجل المصالح الإيرانية”.

من جانبه يؤكد النائب في لجنة النفط والطاقة النيابية “محمود الزجراوي” لوكالة “يقين” على وجود فساد في وزارة الكهرباء يفوق ما قد يتخيله البعض، مشيرا إلى وجود شخصيات كبيرة ومعروفة متورطة بعقود وزارة الكھرباء، منوها على أن غالبية الفاسدين في وزارة الكهرباء ھم المدراء العامون الذين مضى على بعضهم أكثر من عقد من الزمان وهم في مناصبهم محصنين من كتل وأحزاب سياسية معروفة.

وأضاف الزجراوي أن الفساد في وزارة الكهرباء بدد عشرات مليارات الدولارات، وأول باب لهذا الفساد يتمثل بمحطات توليد الكهرباء التي استوردتها الوزارة والتي تعمل بالنفط الأسود والغاز، وكلا هذين النوعين غير صالحين للعمل في العراق، إذ أنه ومن الناحية الفعلية فإن محطات التوليد بالنفط الأسود لا تناسب أجواء العراق الحارة، وهذه دائما ما تتوقف عن العمل في فصل الصيف بسبب حاجتها لمنظومات تبريد منفصلة غير متوفرة في العراق، أما محطات توليد الكهرباء الغازية، فالعراق لا يستثمر غازه الطبيعي، وبالتالي فاستيراد الوزارة لهذا النوع من المحطات يضع عشرات علامات الاستفهام على من استوردها ولصالح من وكيف وافقت الفرق الفنية على استلامها من دون وجود غاز مستثمر ومتوفر في البلاد.

 

فساد في التوزيع الكهربائي

لا يقف الأمر عند ذلك، إذ يؤكد الخبير في مجال الطاقة الكهربائية “حسن توفيق” في حديثه لوكالة “يقين” على أن الجميع يتحدث عن مشكلة توليد الكهرباء في البلاد، غير أن المشكلة تنقسم إلى 3 أبواب هي التوليد والنقل والتوزيع، ولكل باب مشكلاته الكبيرة.

يكشف توفيق لوكالتنا عن مشكلة نقل الطاقة الكهربائية في البلاد بقوله: “كان العراق أول دولة في الشرق الأوسط بإنشاء خط النقل الكهربائي 400 كيلو واط، غير أن الحرب الأخيرة ضد تنظيم الدولة “داعش” أدت إلى تدمير هذا الخط الذي كان يمر ببيجي وكركوك والموصل، والحكومة لا تزال ترفض إعمار هذا الخط بحجج واهية ويبدو أنها طائفية”.

ويضيف توفيق عن أن ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى انهيار واقع الكهرباء في البلاد هو الاستهدافات المتكررة لأبراج الضغط العالي الناقلة للكهرباء، وهذه العمليات التي تستهدف قطاع الكهرباء في البلاد سببها مافيات تعمل داخل الوزارة وشركاتها العامة وتستهدف التعاقد معها في تجهيز الوزارة بالقابلوات (الكيبلات) وقطع الغيار التي تتلف عند عمليات تفجير أبراج الضغط العالي.

ليس هذا فحسب، إذ أن باب توزيع الطاقة الكهربائية فيه مشكلات جمة، بحسب توفيق الذي يؤكد على أن محولات الكهرباء في المناطق السكنية المستوردة رديئة النوع ولا تستطيع تحمل ضغوط كبيرة وجهد عال، وأن الحكومة لم توسع مصنع صناعة المحولات الكهربائية في ديالى الذي كان يرفد العراق بما يحتاجه من محولات حتى عام 2003.

 

غضب شعبي بسبب الكهرباء

هي أزمة مستمرة منذ أعوام، لكن وخلال الأعوام الثلاثة الماضية اتخذت أزمة الكهرباء منحى آخر، بحسب الخبير الأمني “خليل إبراهيم” الذي أوضح في حديثه لوكالة “يقين” عن أنه ومنذ صيف عام 2016 شهدت المحافظات العراقية الجنوبية وخاصة في البصرة وذي قار تظاهرات حاشدة ذهب ضحيتها العشرات بين قتيل وجريح وكان سبب هذه التظاهرات تراجع تجهيز الكهرباء صيفا.

ويعتقد إبراهيم أن جميع التظاهرات التي خرجت في العراق قبل انتفاضة تشرين الأول/ اكتوبر الماضي كانت تطالب بتوفير الخدمات، غير أن الانتفاضة التشرينية الأخيرة كانت شاملة ضد كل أبواب الفساد والأحزاب السياسية والوضع العام في البلاد.

ونتيجة لذلك، يؤكد إبراهيم على أن الحكومة الحالية باتت مجبرة على تحسين ملف الكهرباء بعد أن باتت الأوضاع الشعبية في البلاد خارجة عن السيطرة في ظل ارتفاع درجات الحرارة التي يمر بها العراق بما لا يقل عن 4 أشهر سنويا، وكذلك بسبب تداعيات التظاهرات التشرينية التي بينت للأحزاب والكتل السياسية أن الجيل الناشئ لم يعد مهتما بالشعارات والوعود، وأن همه الوحيد النهوض ببلاده التي لم يرى فيها شيئا حسنا، بحسب تعبيره.

تستمر أزمة الكهرباء في العراق بين تظاهرات حاشدة تخرج كل صيف وبين وعود حكومية سنوية تعد بتحسين واقعه قريبا، ليبقى حال البلاد على ما هو عليه حتى حين.

 

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق