تقارير

الربط السككي وتأثيره على التجارة البحرية العراقية

تعتبر التجارة البحرية إحدى أهم وسائل التجارة التي يعتمد عليها السوق العراقي، إلا أن هنالك عدة متغيرات قللت منحجم وتأثير الموانئ العراقية في مقدمتها قضية الربط السككي الذي يربط الكويت مع العراق مروراً بالأراضي التركية وصولاًإلى أوروبا لنقل البضائع القادمة من الصين الى ميناء مبارك الكويتي، حيث أثيرت مؤخراً وفقاً لتصريحات برلمانية عن رغبة أطراف سياسية السعي للتصويت على قرار الربط السككي في وقتٍ يراه مختصون خنقاً للاقتصاد العراقي وقتلاً لميناء الفاو الكبير، بينما يرى فيه آخرون انتعاشا للاقتصاد الوطني العراقي كونه يفتح الباب أمام التجارة الدولية وإنعاش طرق المواصلات البرية بين العراق وبلدان الخليج العربي.

 

قتل الموانئ

تسعى الكويت لتنفيذ مشروع الربط السككي لنقل البضائع عبر الأراضي العراقية باتجاه أوربا، ليكون ذلك أحد مشاريع رؤيتها الاقتصادية والاستراتيجية لعام ٢٠٣٥، ويرجح مختصون أن هذا المشروع من شأنه أن يتسبب بخسائر اقتصاديةكبيرة على العراق، لاسيما وأن الربط السككي مع اي دولة مطلة على الخليج من شأنه إقصاء الموانئ العراقية، وبالتاليتحقيقها الاستفادة الأكبر من إنجاز هذا المشروع على حساب العراق، حيث يرى الخبير في شؤون النقل البحري الدكتور”أحمد عبد الصاحب” أن الربط السككي سيتسبب بخسائر اقتصادية فادحة بالنسبة للعراق، وتتمثل بخسارة فرص استثمارية مستقبلية للاقتصاد العراقي، وتحديداً في محافظة البصرة، داعياً الحكومة إلى عدم اتخاذ مثل هكذا خطوة، إذمن الممكن الاستفادة منها من قبل الدول التي لا تمتلك سواحل بحرية، وبالتالي من شأنها القيام بإجراء ربط سككي عبرالحدود البرية والاستفادة من عمولات الترانزيت، إلا أن الحدود العراقية والموقع الجغرافي الاستراتيجي تختلف تماماً.

وأضاف عبدالصاحب: “العراق يمتلك سواحل بحرية تزيد عن ٥٠ كم وتضم هذه السواحل مشروعا عملاقاً ومورداً اقتصادياً مهماً وهو ميناء الفاو، بالتالي فإن الربط يشكل إعاقة لحركة الموانئ العراقية، كما يتسبب بهدر اقتصادي يتمثل بالموتالسريري لمشروع ميناء الفاو الكبير، الذي سيدعم إقامة مناطق صناعية حرة توفر فرصاً للعمل تقليلاً لتكلفة النشاطاتالتجارية.

أستاذ الاقتصاد الدولي “علي الدليمي” من جهته أوضح أن الربط السككي بين العراق والكويت يُعد “تحجيما وقتلا” للموانئ العراقية ومنها ميناء الفاو الذي يعد من أكبر المشاريع الاقتصادية الوطنية، لتحقيقه نتائج جيدة، كونه المنفذ الواسع للملاحة التجارية، أما فيما يتعلق بالربط السككي فهو من مصلحة دول الجوار، لأن ارتباطها بالعراق سككياً يعمل على تنشيط موانئها ويجعل من العراق ممرا برياً ناقلاً لتجارتها فقط، وبالتالي فلا توجد فائدة اقتصادية للجانب العراقي من هذا الربط.

وأضاف الدليمي في حديثه لوكالة “يقين”: “أرى أن الربط السككي سيجهض الأهداف المرسومة من انشاء ميناء الفاو والذي ستتعاظم أهميته حال تأسيس القناة الجافة للنقل البري للبضائع بواسطة الشاحنات وسكك الحديد من الموانئ العراقية الى تركيا واوروبا”.

طلبت الكويت تأجيل انشاء ميناء الفاو فكان لها ذلك من قبل الحكومات السابقة، وقابله العمل على إنشاء ميناء مبارك الذي كان يعد خطةً كويتية للتفاوض من أجل الربط السككي البري عبر موانئ الكويت باتجاه العراق، مما يبين وجود سياسة اقتصادية إقصائية تحاول الكويت اللعب بها على حساب الاقتصادالعراقي

 

ميناء الفاو الكبير

أعلن المتحدث باسم رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، الثلاثاء ١٥ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٠ أن الأخير تعهد البدء فعلياً بتنفيذميناء الفاو الكبير، إلا ان مختصين يرون أن الوعود الحكومية تكررت منذ العام ٢٠٠٨ حول آلية وطبيعة إنشاء هذا الميناءوالذي تأخر إنشاءه كثيراً نتيجة للمراهنات السياسية ومحاولات تعطيل إنشائه من قبل جهات متعددة في مقدمتها الجانب الكويتي، وعن تفاصيل إنشاء هذا الميناء قال وزير النقل العراقي السابق “عامر عبدالجبار” أن الحكومة الكويتية قدمت طلباً بتاريخ ٢٢ تموز/ يولو ٢٠٠٨ عن طريق وفد تقني أمريكي لإعادة إعمار ميناء ام قصر على نفقتها الخاصة شرط تأجيل إنشاء ميناء الفاو لمدة ١٥ سنة، وهذا يشير إلى وجود معادلة اقتصادية تهدف إلى تعطيل الموانئ العراقية أطول فترة ممكنةلتكون الموانئ الكويتية هي البديل البحري أمام حركة التجارة البحرية عبر الخليج العربي. موضحاً: “تمت اجابة الجانب الكويتي بالتحفظ على مقترح الربط السككي، بعد أن أثبتت اللجنة الفنية المشكلة في وزارة النقل الضرر الاقتصادي الكبير الذي ينتج عن أي ربط سككي سواء كان مع ايران او الكويت”.

وعن دور الكويت في عدم إنجاز ميناء الفاو أكد عبدالجبار في حديثه لوكالة “يقين”: أن العمل في المشروع اقتصر على إنشاء كاسر الأمواج منذ وضع حجر الأساس له في العام ٢٠١٠، وتوقف العمل فيه على الرغم من اكمال كافة التصاميم”. مضيفا: “تمت إجابة الكويت برفض الربط السككي في العام ٢٠١٠، وفي ٢ نيسان/أبريل ٢٠١١ ، وبدأت الكويت بالعمل على إنشاء ميناء مبارك، مما شكل صدمةً كبيرة لدى الجهات المعنية العراقية، بسبب الموقع الذي اختارته الكويت لإنشاء ميناء مبارك ضمن أضيّق نقطة ملاحية في خور عبدالله. مبيناً “ان الكويت طلبت تأجيل انشاء ميناء الفاو فكان لها ذلك من قبل الحكومات السابقة، وقابله العمل على إنشاء ميناء مبارك الذي كان يعد خطةً كويتية للتفاوض من أجل الربط السككي البري عبر موانئ الكويت باتجاه العراق، مما يبين وجود سياسة اقتصادية إقصائية تحاول الكويت اللعب بها على حساب الاقتصاد العراقي” بحسبه.

أن البوابة البحرية العراقية أمام حركة الملاحة العالمية هي الموانئ العراقية المطلة على الخليج، ويجب أن يكون الربط السككي للعراق فقط ممتداً من ميناء الفاو مروراً بالأراضي العراقية دون الحاجة للكويت أوإيران

 

النائب “حسن الجنابي” كان له رأي آخر، إذا أعتبر الربط السككي مع الكويت من المشاريع المهمة التي يمكن أن تكون فاعلة في الاقتصاد العراقي، مشترطاً عدم تأثر ميناء الفاو من هذا الربط، ويقول الجنابي في تصريحٍ لوكالة “يقين”: “إنمد السكك الحديدية عبر البلاد إلى الكويت جزء من مشروع يمر بأكثر من دولة، ولأن موقع العراق يعد مهما جدا ويرتبطبالعديد من الدول فالمشروع ليس فيه ضرر، وهو مهم بالنسبة للبلد”، مشدداً على ضرورة أن يستفيد العراق من مشروع الربط السككي من الجانب الاقتصادي والنقل المواصلات، لكن على أن لا يتسبب ذلك في ضرر  مشاريع أخرى، ولم يستبعد النائب أن يكون الجدل الذي حدث حول الربط السككي مؤخرا تقف وراءه جهات سياسية بهدف تعطيل الربط السككي مع الكويت وإحالته لدول أخرى، مشيرا إلى أن مشروع الفاو لم يكتمل حتى الآن.

وعن المعوقات التي تقف امام إنجاز مشروع ميناء الفاو الكبير أوضح الجنابي أن هناك جهات سياسية متواطئة في العراق،ولها أجنداتها، ساهمت بشكلٍ كبير في منع إتمام مشروع ميناء الفاو الكبير، الذي كان من المفترض أن يكتمل في العام٢٠١٧، والشركة اليابانية المنفذة للمشروع كانت تتوقع انتهاء المشروع بحلول ٢٠١٧، كما كان متوقعاً أن يتم استقبال الحاويات والسفن خلال العام ٢٠١٨، لكن الوقائع جاءت عكس هذه التوقعات، بسبب سوء الإدارة والفساد والتجاذبات السياسية.

 

 

مقارنة اقتصادية

يعتمد العراق على الاقتصاد الريعي من موارد النفط بنسبة ٩٥٪، مما أجبر العراق على الاقتراض الخارجي والاعتماد علىسندات الديون الداخلية، مما يعني عدم انتعاش الموارد البديلة كالنقل والتجارة والسياحة، وتجدر الإشارة إلى ضرورة العمل على تحقيق أكبر قدر من الإيرادات البديلة للنفط بالاعتماد على الموارد الوطنية وفي مقدمتها الحدود والموانئ، ويقول النائب عن محافظة البصرة “عبد عون العبادي” إن وجود مشاريع اقتصادية مهمة ومنها مشروع الفاو الكبير يعد مكسباً كبيراً لزيادة إيرادات الدولة بدلاً من الاعتماد على النفط، وعلى الحكومة الإسراع بتنفيذ مشروع الفاو لأنه لا يحتاج الى اموال طائلة بعد أن اكتملت قواعد كاسر الأمواج الشمالي والجنوبي، إلا أنه يحتاج الى ارادة حقيقة من قبل الحكومة المركزية، وعن طبيعة الربط السككي أوضح أن البوابة البحرية العراقية أمام حركة الملاحة العالمية هي الموانئ العراقية المطلة على الخليج، ويجب أن يكون الربط السككي للعراق فقط ممتداً من ميناء الفاو مروراً بالأراضي العراقية دون الحاجة للكويت أو إيران، فضلا عن الاستفادة من رسوم البضائع المارة عبر الاراضي العراقية”.

أما مدير مشروع ميناء الفاو “أحمد الراشد”  فأعتبر أن الربط السككي ان له فوائد اقتصادية للعراق، لكن مقارنته بمشروعميناء الفاو الكبير لا تعني شيئا أمام ما سيوفره الميناء من جدوى ومردود اقتصادي كبير، والحديث عن الربط السككي يعني إنهاء العمل بميناء الفاو الذي يعتبر أكبر ميناء في حوض الخليج العربي، وسيكون في قلب قارة آسيا ودول جنوبشرق آسيا منها الصين واليابان، حيث لا تحتاج المرور بقناة السويس إنما ستتمكن من تفريغ حمولتها في ميناء الفاو الكبير لتنطلق عبر اوربا، مشدداً أن الميناء سيكون قادرا على استقبال أكبر السفن و يحوي مئة رصيف بطاقة استيعابية تصل الى99 مليون طن سنويا، مشدداً على ضرورة أن يكون العراق محطة للتجارة الدولية لا أن يعتمد على موانئ الكويت فيكون ممر ترانزيت فقط.

 

 

 

 

 

 

 

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق