تقارير

بغداد على وقع الكاتيوشا .. صمت رسمي وغليان شعبي

 

لا يكاد يمر يوم على بغداد وبقية المحافظات إلا وتصحو على انفجارات الصواريخ وعويل المنكوبين . فمن صواريخ الكاتيوشا التي حصدت الإسبوع الماضي أرواح سبعة أشخاص من عائلة واحدة بينهم أطفال في الرضوانية إلى الجادرية فالسيدية قضى البغداديون إسبوعاً دموياً لا يختلف كثيراً عما سبقه ولا يتوقع أن تختلف الأسابيع القادمة عنه في ظل شيوع فوضى السلاح بمختلف أنواعه وانتشار ميليشيات تباين توصيف المسؤولين لها بين “وقحة” و”غير منضبطة” و”منفلتة” وكأن العلة في توصيفها لا في وجودها أصلاً.

وبحسب مراقبين فإن الصواريخ التي سقطت على الرضوانية كانت غداة قول رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني لوزير الخارجية فؤاد حسين إن طرد القوات الأميركية من العراق «أقل عقاب» لمقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني بغارة قرب مطار بغداد مطلع العام، مما يثبت تورط الميليشيات التابعة لفيلقه بإطلاق صواريخ سقط الكثير منها على مدنيين أبرياء لكن ورغم ذلك ورغم مرور سنوات على انقضاء ما سمي بالحرب على الإرهاب ما زالت المصادر الرسمية تنسب التفجيرات وسقوط صواريخ الكاتيوشا على منازل المواطنين الآمنين إلى “مجاميع إرهابية” في إشارة إلى تنظيم “الدولة الإسلامية”. ففي بيانها حول الصاروخ الذي سقط فجر الإثنين على منطقة سكنية داخل الجادرية قالت خلية الإعلام الأمني إن “المجاميع الإجرامية الإرهابية عاودت مرة أخرى استهداف المواطنين الآمنين في مناطق سكناهم، وبعد استهداف عائلة آمنة قرب مطار بغداد الدولي يوم الثامن والعشرين من أيلول ذهب ضحيتها ستة من النساء والاطفال الابرياء(ارتفعت الحصيلة لاحقاً إلى سبعة)، أقدمت هذه المجاميع الإرهابية في ساعة مبكرة من فجر الاثنين على إطلاق صاروخين من نوع كاتيوشا باتجاه منطقة الجادرية”

وراء كل تفجير ميليشيا “منفلتة”

في أعقاب تفجير بيروت قبل شهرين طالب رئيس ​الحكومة​ الأسبق ​سعد الحريري ورئيس ​الحزب التقدمي الإشتراكي​ النائب السابق ​وليد جنبلاط​ بتحقيق دولي رفضه زعيم ميليشيا حزب الله حسن نصر الله رغم ادعائه عدم وجود أسلحة أو ذخيرة لحزبه في مرفأ بيروت، في العراق ليست هناك حاجة لزعيم ميليشيا أن ينفي امتلاكه ذخيرة وأسلحة وليس مطالباً بتقديم تفسير ولن يمثل أمام قضاء، وإذا ما سقط صاروخ على مدنيين أو حدث انفجار فالجهات المسؤولة عن تكديس الذخيرة بكل الأحوال ليست الميليشيات بل “التنظيمات الإرهابية” حتى لو حدث التفجير في قلب معقل هذه الميليشيا أو تلك كالإنفجار الذي حدث في مخزن للأعتدة والأسلحة داخل حسينية في مدينة الصدر في حزيران 2018 وتسبب بمصرع 18 شخصاً وإصابة عشرات آخرين وتهديم مدرسة ابتدائية إضافة إلى المنازل المحيطة بالحسينية وكالعادة نجت الميليشيات وزعماؤها من المساءلة.

​​​

إن الميليشيات العاملة في العراق وفي سوريا ولبنان تتنافى جذرياً مع مقومات الدولة عموماً والدولة الحديثة خصوصاً، إذ تنطلق هذه الميليشيات في مشروعها من دافع الانتقام المُغَذَى بحقد طائفي لا يجلب إلا الدمار

 

الميليشيات .. لماذا؟

هل هناك ضرورة لوجود ميليشيا أو أكثر في أي بلد في العالم؟ يصف موقع ويكيبيديا الميليشيا بأنها “تنظيم مسلح أو جماعة مسلحة، جيش تشكله عادة قوات غير نظامية من مواطنين، يعملون عادة بإسلوب حرب العصابات، بعكس مقاتلي الجيوش النظامية الجنود المحترفين. أو قد يكونون من ناحية تاريخية مقاتلين ينتمون لطبقات نبيلة مثل الساموراي”

وفي كثير من تجارب العالم عبر التاريخ خاضت الميليشيات معارك وطنية لدحر محتل أو تحرير بلد لكنها تحل نفسها بعد النصر لتتسلم القيادات السياسية مقالد الأمور فتعيد الحياة المدنية إلى طبيعتها فهل حدث ذلك في العراق بالفعل؟

بحسب تحليل أورده أحد المواقع المتخصصة فإن الميليشيات العاملة في العراق وفي سوريا ولبنان تتنافى جذرياً مع مقومات الدولة عموماً والدولة الحديثة خصوصاً، إذ تنطلق هذه الميليشيات في مشروعها من دافع الانتقام المُغَذَى بحقد طائفي لا يجلب إلا الدمار، وعليه يستحيل أن تنشأ دولة حقيقية تطمح لتأدية دور إيجابي في ركب الحياة الإنسانيّة.” ويضيف إن”مما يزيد من خطر الميلشيات الطائفية أنها تُمَوّل من الجهات الرسمية دون أن يكون لهذه الجهات سلطة عليها، بل لرجال هذه الميليشيا السلطة على الجهات الرسمية، والقدرة على تصفية أي صوت معارض دون أن يجرؤ أحد مجرد سؤالها، فما بالك بحسابها؟ إن الميليشيات الطائفية في لبنان أو اليمن أو العراق أو سوريا تسعى لبناء دولة داخل الدولة لتعطيل الدولة أو السيطرة عليها، ومهمتها خلق الفتن وابتكار الصراعات على أساس مذهبي طائفي عفن، وتدمير منظومة التعايش السلمي بين أبناء المجتمع الواحد،”

 

 

مسؤولية إيران

يؤكد هذه الحقيقة “مايكل نايتس” و”الكسندر ميلو” وهما باحثان متخصصان في الشؤون العسكرية والأمنية للعراق وإيران ودول الخليج ففي تقرير أعداه خلصا إلى القول إن الميليشيات المدعومة من إيران تقوم “بتنفيذ سياسة خارجية مستقلة في العراق، فتسخر من حكومة البلاد ودستورها. “ويضيف التقرير إن العراقيين “يخشون بصورة أكثر من انفجار مستودع للذخيرة تابع لإحدى الميليشيات في جوارهم.” وإن هذه الميليشيات تعرض “كافة المواطنين المحليين للخطر عندما تخبئ صواريخ إيرانية كبيرة في بلداتٍ صغيرة ”

وانتهى التقرير إلى دعوة الجهات الدولية الفاعلة ” أن تسترعي انتباه بغداد إلى الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان التي ترتكبها الميليشيات وفي كثير من الحالات، الجهات الفاعلة التي تدعمها إيران مثل «كتائب حزب الله» و«عصائب أهل الحق» ووحدات أقل شهرة. ويعتبر مركز«كتائب حزب الله» للاعتقال الجماعي الموثق جيداً خارج بغداد مجرد مركز زائف، ينبغي لمراقبي حقوق الإنسان الاستمرار في التركيزعليه” بحسب التقرير

 

سخط شعبي

الإنطباع الذي يخرج به المراقب وهو يشارك في تشييع شهداء الرضوانية أو يتابع مراسيمه على شاشة التلفزيون هو علامات الغضب على وجوه الناس قبل علامات الحزن، لم يكن إلا بيتاً طينياً في قرية نائية قضت به امرأتان وخمسة أطفال ورغم الإجراءات الاحترازية لاحتواء فيروس كورونا احتشد المئات لتشييع الضحايا معبرين عن غضبهم من الاعتداء. وقال مواطن شارك في التشييع لوكالة الصحافة الفرنسية “إن قرية البوشعبان الواقعة في قضاء الرضوانية على بعد بضعة كيلومترات من المطار مثل عراق صغير… إذا لم تكن الحكومة قادرة على حمايتها فكيف يمكن أن تضمن أمن العراق كله”؟.

 

 

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق