القمع الحكوميتقارير

الإحتجاجات السلمية.. في العراق هل تفضي إلى شيء؟

الإحتجاج حق من حقوق الإنسان تقره المواثيق الدولية وتعترف به أغلب دساتير العالم المتحضر وهو أحد مظاهر الحرية في المجتمعات الحديثة. وتنص مواد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي اعتمد عام 1966 بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة على «الحق في حرية التفكير والشعور والاعتقاد» و «الحق في حرية التعبير» و«الحق في حرية تشكيل الجمعيات مع الآخرين، بما في ذلك الحق في تشكيل النقابات والانضمام إليها من أجل حماية مصالح الأشخاص» لكن العهد الدولي يتيح للحكومات تقييد هذا الحق في بعض الحالات حيث ينص على أن «يتم تقييد حرية التجمع في مجتمع ديمقراطي بما يتناسب مع مصلحة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق وحريات الآخرين». فهل تجاوز المتظاهرون المحتجون في العراق على السلامة العامة ليتم تقييد احتجاجاتهم بل وقمعهم بهذه الطريقة الوحشية، وقبل ذلك هل تنطبق صفة (مجتمع ديمقراطي) على الوضع بالعراق ليطلق نظامه يد ميليشياته وأجهزته القمعية ضد المحتجين؟  


صفحات الإحتجاج
لا يخرج الناس للإحتجاج عبثاً فهم يتركون أعمالهم ويضحون بأوقاتهم وارتباطاتهم، في التجربة العراقية وتجارب مشابهة يضحون بحياتهم أيضاً، وللإحتجاج صفحات منها التظاهر والإضراب والعصيان المدني وقد يتحول الإحتجاج إلى ثورة، المحتجون لديهم مطالب يريدون تحقيقها، وهي في أبسط صورها مطالب جزئية تتعلق بفئة محددة من الناس كالمطالبة بإنصاف المتقاعدين أو بتحسين أوضاع الطلبة وغالباً ما تتضامن فئات أخرى من الشعب مع الشريحة المتضررة لتتمكن من لفت نظر السلطات، لكن عندما تكون كل الشرائح متضررة نتيجة خلل في البنية العامة للنظام تنتج فساداً مستشرياً حينها يتجاوز سقف المطالب الإحتجاج على جزئية معينة إلى الإحتجاج على السلطة ذاتها ويكون الحل في المطالبة بتغيير شامل فهل تنجح الإحتجاجات السلمية بإحداث مثل هذا التغيير حتى عندما يصل قمع السلطات وأدواتها لمستوى التصويب المباشر بقنابل الغاز على رؤوس المتظاهرين ؟ 
 

عندما لا يثمر التظاهر عن نهاية سعيدة تبرز الحاجة للإنتقال إلى صفحة أخرى للإحتجاج غير التظاهر كالعصيان المدني وهو أيضاً نوع من الإحتجاج السلمي


تجارب الشعوب

في تجارب الشعوب أمثلة كثيرة تستحق أن تكون دروساً للمحتجين والثوار، مع الأخذ بعين الإعتبار خصوصية كل تجربة وأسبابها وأهدافها، الفلبينيون أسقطوا حكم ماركوس عام 1986 بأربعة أيام من الإحتجاج السلمي والجورجيون أجبروا شيفاردنادزة على الإستقالة عندما دخلوا البرلمان الجورجي بباقات الزهور لا بالسكاكين.

في محيطنا العربي أيضاً شواهد على ذلك لكن عندما لا يثمر التظاهر عن نهاية سعيدة تبرز الحاجة للإنتقال إلى صفحة أخرى للإحتجاج غير التظاهر كالعصيان المدني وهو أيضاً نوع من الإحتجاج السلمي. في التاريخ تبرز التجربة الهندية في مقدمة تجارب الشعوب السلمية حيث اعتمدت فلسفة الزعيم غاندي على مبدأ أن الغايات السامية لا يمكن بلوغها بأساليب شريرة فدعا شعبه للعصيان من خلال عدم إطاعة القوانين والتوقف عن العمل في دوائر السلطة بما فيها الدوام في المدارس والمؤسسات الرسمية للوصول في النهاية إلى حرمان السلطة من كل الأدوات التي تساعدها على الإستمرار وقد أثمرت هذه الفلسفة في نهاية الأمر وتكللت ثورته السلمية بالنصر على المحتل البريطاني، لكن هل تفلح هذه الفلسفة في كل زمان ومكان وهل هناك شروط لنجاحها؟

إن العصيان المدني بإمكانه رفع نسبة النجاح في إحداث تغيير جذري بمقدار الضعف بالمقارنة مع الإحتجاج غير السلمي بشرط مشاركة ما لا يقل عن 3.5% من الشعب بشكل فعال

شرط النجاح
تمكنت الباحثة في العلوم السياسية في جامعة هارفارد الأمريكية إيريكا شينوويث من خلال دراستها وتحليلها لعدد كبير من تجارب الشعوب خلال القرن الماضي من التوصل إلى أن العصيان المدني بإمكانه رفع نسبة النجاح في إحداث تغيير جذري بمقدار الضعف بالمقارنة مع الإحتجاج غير السلمي بشرط مشاركة ما لا يقل عن 3.5% من الشعب بشكل فعال بالعصيان المدني وأن هذه النسبة يمكنها أن تشل الحياة اليومية وتعطل المرافق العمومية وصولاً إلى إحداث التغيير بإنهيار النظام، في جنوب أفريقيا مثال يقترب من التجربة الهندية عندما امتنع المواطنون السود عن شراء منتجات مصانع ومزارع تمتلكها الأقلية البيضاء أدت إلى أزمة اقتصادية عانى منها البيض وانتهت بانهيار نظام التمييز العنصري.
الجواب إذن نعم يمكن أن ينجح العصيان المدني لو أمكن تحشيد نسبة ال 3.5% من السكان للمشاركة فيه، فمقاطعة النظام لا تحتاج للخروج إلى الشارع ولا تحتاج لرجال أشداء بعضلات مفتولة ولا إلى تدريبات معينة، بل على العكس تماماً فهو ملائم خاصة في الظروف البيئية التي نعيشها هذه الأيام المتمثلة بانتشار الفايروس القاتل، يكفي أن تعصي أوامر السلطة فإن لم يكن بإمكانك الخروج في تظاهرة إبق في بيتك والتزم بالحظر، لكن بالعصيان أيضاً!

إمكانية تحقيق هذا الشرط 
الإحتجاج في العراق لم يولد قبل عام ولا قبل عشرة أعوام بل منذ اليوم الأول لدخول المحتل الذي صنع نظاماً فاسداً، ربما كان الإحتجاج صامتاً في البداية فعدم رضاك عن احتلال بلدك هو نوع من الإحتجاج، ثم تحول إلى تظاهرة هنا أو هناك، بعضها لتحسين أوضاع الكهرباء وبعضها لإنشاء مدرسة أو لتعبيد شارع لكنها كانت تنتهي إلى لاشيء فالمطالبات الجزئية لا تثمر حلولاً شاملة حتى ارتفع وعي الجمهور في تشرين من العام الماضي عندما رفعوا شعار نريد وطنمدركين أن وطنتعني الكهرباء والمدرسة والشارع وكل الجزئيات الأخرى وهذا يستدعي مشاركة الجميع للمطالبة بوطن الجميع وقد ينجح ال 3.5% الذين تحدثت عنهم الباحثة الأمريكية بالتعبير عن رغبة الجميع لكن لتحقيق هذا الشرط يتعين على الجهة أو الجهات الراعية للإحتجاج أن تكون قادرة على الوصول إلى هذا الرقم، فهل تبلورت في التجربة العراقية جهة واحدة أو جهات متحدة راعية للإحتجاج قادرة على تنظيمه وتوجيهه وقادرة على حشد هذا العدد بعد أن تلفظ الطفيليين والمصلحيين الذين يحاولون ركوب المركب وحرف مساره باتجاه رياح النظام؟ 

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق