الجمعة 13 ديسمبر 2019 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » أطفال العراق »

في يومهم العالمي.. أطفال العراق محاصرون بين العنف والفقر

في يومهم العالمي.. أطفال العراق محاصرون بين العنف والفقر

قسم التقارير – العراق

يجمع معظم المختصين المحليين بحقوق الإنسان أن العام الحالي يشكل الذروة في معاناة شريحة الأطفال في العراق، وخصوصًا فئة النازحين منهم، والذين قدرت منظمة اليونيسيف نسبتهم بـــ10% من مجموع أطفال العراق ممن يعيشون أوضاعًا مأساوية داخل المخيمات، في وقت اضطر آلاف الأطفال إلى ترك المدارس والانخراط  في سوق العمل الرخيص من أجل تأمين أبسط مفردات الحياة لعوائلهم .

وفي منزل مؤلف من غرفة واحدة ومطبخ وملحقات صحية بمنطقة بنصلاوة “شرق أربيل” يعيش (أحمد جدعان الجنابي) مع عائلته المؤلفة من 5 أطفال وأمهم بعد نزوحهم من منطقة جرف الصخر “جنوب بغداد”، في صيف عام 2014، ومنذ ذلك الوقت لم يتلقَ أيّ من هؤلاء الأطفال أي نوع من التعليم، ولم يلتحقوا بالمدرسة التي يعجز الجنابي عن توفير مصاريفها.

الأمية بسبب النزوح

“الدراسة ومصاريفها تبدو نوعًا من الترف بالنسبة لعائلة تعجز في أغلب الأحيان عن توفير مبلغ الإيجار الشهري للمنزل”

وقال الجنابي لــ”وكالة يقين”: إن ثلاثة من أولاده كانوا ملتحقين بالمدرسة في منطقة سكنهم القديمة، ولكنهم تركوها بعد النزوح والتنقل بين مناطق أربيل؛ بسبب عدم قدرته المالية على شراء الملابس والمستلزمات الدراسية لهم، و تأمين أجرة المواصلات، مضيفًا أن أولادة الثلاثة الذين درسوا لبعض الوقت في مدينتهم السابقة يستطيعون القراءة بصعوبة، ولكن المشكلة في الباقين الذين تخلفوا عن المدرسة ولم يذهبوا إليها حتى الآن.

ولا يقوى الجنابي على تحمل مصاريف أي نوع من المدارس، سواء كانت الأهلية -وهي الأغلى-، أو المخصصة للنازحين على قلتها في منطقتهم ، معتبرًا أن الدراسة ومصاريفها تبدو نوعًا من الترف بالنسبة لعائلة تعجز في أغلب الأحيان عن توفير مبلغ الإيجار الشهري للمنزل، ويعيشون في معظم الأوقات على وجبتين من الطعام في اليوم، بحسب قوله.

وتضم مدينة أربيل في كردستان العراق أكبر تجمع للنازحين من مناطق غرب وشمال العراق وبعض المناطق في الوسط والجنوب، ويعيش أغلب هؤلاء النازحين داخل 5 مخيمات كبيرة، بينما يتوزع عدد آخر من العوائل النازحة ضمن الأحياء السكنية الفقيرة، وخصوصًا في مناطق شرق المدينة مثل بنصلاوة وكسنزان وأحياء أخرى.

أطفال في سوق العمل المهين

وفي سوق “شيخ الله” وسط أربيل يعمل (بكر) -وهو الابن الأكبر للجنابي- في مهنة بيع الأكياس البلاستيكية على مرتادي السوق، بينما يستعمل أخوه (علي) عربة يدوية لمساعدتهم في نقل مشترياتهم إلى أماكن سياراتهم، أو إلى كراج النقل الجماعي المجاور، ويخططون لضم أخيهم الثالث إليهم قريبًا، بعد الاتفاق مع أحد باعة الخضار؛ من أجل قبوله مساعدًا له.

ويبين بكر أن مجموع الذي يحصلون عليه يوميًا من بيع الأكياس ونقل الخضار لا يتجاوز مبلغ العشرة آلاف دينار وأحيانًا أقل ، موضحًا أن تواجد عدد كبير جدًا من الأطفال العاملين في السوق هو السبب في قلة المبلغ الذي يحصلون عليه من عملهم لتسع ساعات في السوق.

ويرفض بكر فكرة أن يكون عملهم هذا تسولًا أو شكلًا قريبًا منه؛ لأنهم لا يجبرون أحدًا على الشراء، ويرفضون أخذ مبالغ من الناس على شكل مساعدات أو صدقات ، مشيرًا إلى أنهم يساعدون أباهم في دفع إيجار البيت، ويجلبون معهم بعض الخضار و المواد الغذائية، و أحيانًا حلوى لأخيهم الصغير.

ناشط : المنظمات عاجزة

إلى ذلك يوضح الناشط الحقوقي والإغاثي (أرسلان إسماعيل البرزنجي) أن هناك أكثر من 100 ألف طفل في مدينة أربيل وحدها يعملون في مهن مشابهة للتي يقوم بها أبناء الجنابي، وأخرى تشكل وجهًا آخر للتسول، مثل بيع المناديل الورقية في الإشارات المرورية، أو الأشياء البسيطة، مثل: العلكة والحلويات على زبائن المقاهي والمطاعم.

“أقرت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، أن العام الحالي 2017، كان الأقسى والأعنف ضد الأطفال”

البرزنجي أوضح لــ”وكالة يقين”، أن معظم هؤلاء الأطفال هم من النازحين، وتحديدًا من محافظتي الأنبار ونينوى، ومناطق جنوب بغداد، وبعضهم يسكن المخيمات ويحصلون على تسهيلات للخروج منها صباحًا، والعودة إليها قبل الغروب، لافتًا إلى أن جميع هؤلاء تركوا المدرسة، أو لم يلتحقوا بها أصلا، وتعتمد عليهم عوائلهم في تدبير بعض المال من أجل شراء ضرورات الحياة.

ولا ينفي البرزنجي وجود مثل هذه الحالات في المدينة قبل أحداث الموصل عام 2014، ولكنه يصر على أنها كانت محدودة، وليست بالحجم الهائل الموجود حاليًا والذي شهد دروته في العام الحالي ، لافتًا إلى عجز منظمات المجتمع المدني والدولي عن معالجتها؛ لأن الأساس فيها هو العوز والفقر المستمر الذي تعاني منه العوائل النازحة، وعدم وجود تحرك حقيقي من الجهات الرسمية لمعالجة اصل المشكلة.

تقرير أممي: 50 طفلًا يتم اختطافهم شهريًا

“10 % من أطفال العراق قد أُجبِروا على الفرار من مساكنهم؛ نتيجة العنف منذ بداية عام 2014”

من جهتها أقرت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، أن العام الحالي 2017، كان الأقسى والأعنف ضد الأطفال بعد تعرضهم إلى صدمات نفسية قاسية، بسبب أشكال العنف الممنهج ضدهم، في وقت بقيت معدلات عمالة الأطفال وتسربهم من المدارس وجنوحهم في العديد من الجرائم بسبب الأوضاع الأمنية والاقتصادية، وعدم إقرار التشريعات التي تساهم بحماية الأطفال في العراق.

ويأتي التقرير العراقي بعد آخر مماثل صدر منظمة الطفولة التابعة للأمم المتحدة (اليونيسيف) جاء فيه أن أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون طفل عراقي معرضون لمخاطر الموت والإصابة والعنف الجنسي والاختطاف والتجنيد القسري في صفوف المجموعات المسلحة، بينما يلفت إلى أن ثلث أطفال العراق أصبحوا بحاجة إلى معونات إنسانية.

ويصف التقرير الذي حمل عنوان “ثمن باهظ للأطفال”، وحصلت “وكالة يقين” على نسخة منه، أن الأوضاع المأساوية للطفولة في العراق، مؤكدًا ان  إن 1496 طفلا اختطفوا في العراق خلال السنوات الثلاثة الماضية وبمعدل 50 طفلا في الشهر الواحد، متابعًا إن اختطاف الأطفال من بيوتهم ومدارسهم ومن الشوارع أصبح ظاهرة مخيفة، وان هؤلاء الأطفال يجري انتزاعهم من أسرهم، ويتعرضون لأبشع أشكال الاعتداء والاستغلال.

ويكشف أن 10 % من أطفال العراق قد أُجبِروا على الفرار من مساكنهم؛ نتيجة العنف منذ بداية عام 2014، ولمرات متكررة في بعض الأحيان. وتسببت الحروب في تحطيم واحدة من كل 5 مدارس، مما أدى إلى فقدان 3,5 ملايين طفل تقريبًا لفرص التعليم.

فتش عن الفساد

“الموضوع لا يشكل أولوية للحكومة بأحزابها وعناصرها لأن هؤلاء جميعًا لا يمتلكون عوائل تعيش داخل العراق”

من جانبه يؤكد المتحدث باسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين الدكتور (أيمن العاني): إنه يتفهم أن العمليات العسكرية هي السبب في تردي ملف الطفل في المحافظات التي شهدت هذه العمليات؛ ولكنه لا يستطيع أن يستوعب الوضع المتردي لأحوال الأطفال في المحافظات التي تشهد استقرارًا أمنيًا في الوسط و الجنوب ، مشددًا على أن مجمل هذا الأمر مرتبط بحالة الفساد المستشري في عموم مفاصل الدولة العراقية، ومنها الخاصة بالتعامل مع ملف الطفل .

ويوضح الدكتور العاني لــ”وكالة يقين” أن الارتفاع المخيف لنسبة الأمية بين الأطفال قابلتها في ذات الوقت زيادة في أعداد الأطفال المنخرطين في سوق العمل -وبسن مبكرة- مما ينذر بمخاطر نشوء جيل لا يأبه بالدراسة والتحصيل العلمي، ويكون جل اهتمامه هو الحصول على المال والمنافع مما يجعله هدفًا سهلًا ومتاحًا للمنظمات الإرهابية وعصابات الجريمة، والاتجار بالأعضاء البشرية وغيرها من المخاطر المتنامية في ظل الفشل الحكومي .

وبخصوص غياب المعالجة الحكومية لأوضاع الطفل؛ يرى العاني أن هذا الموضوع لا يشكل أولوية للحكومة بأحزابها وعناصرها لأن هؤلاء جميعًا لا يمتلكون عوائل تعيش داخل العراق، ولا أطفال يرتادون المدارس الحكومية؛ لكونهم يعلمون جيدًا أن أوضاع هذه المدارس لا تصلح أبدًا للتدريس ، وبالتالي فإن المعاناة لا تنالهم، وتبقى من حصة المواطن المسكين الذي يقف بلا حول ولا قوة في مواجهة هذه الأوضاع المزرية .

“الطفل العراقي بات الضحية الأولى لمنظومة مؤلفة من الإرهاب والسياسات الحكومية الخاطئة”

ويشدد العاني على أن الخطوة الأولى للنهوض بالواقع الحالي، ومن ضمنه ملف الطفل يحتاج بالدرجة الأساس إلى ترك الحلول الترقيعية والجزئية والمؤقتة، وانتهاج إرادة حقيقية للإصلاح، يتم تطبيقها وينجم عنها ملاحقة فعلية للمفسدين، وسراق المال العام ومحاسبتهم ومعاقبتهم ، مستدركًا بأن الذي يحصل في الواقع هو على العكس تمامًا، حيث يوضع قانون للعفو عن هؤلاء الذين يسرقون وينهبون، ثم يتهمون ويعفى عنهم ليعودوا ثانية إلى ممارسة سرقاتهم.

ويخلص العاني إلى القول بأن الطفل العراقي بات الضحية الأولى لمنظومة مؤلفة من الإرهاب والسياسات الحكومية الخاطئة، والفساد المستشري في جميع المفاصل ، مبينًا أن هذه المنظومة صادرت حقوق الطفل الأساسية في التعلم، والعيش الكريم، وحرمته منها وهو أمر غير مستغرب في ظل حكومات الاحتلال المتعاقبة في العراق التي لا تنتمي للوطن ولا تجعل من خدمة المواطن أولوية لها.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات