الخميس 13 ديسمبر 2018 |
بغداد booked.net
+28°C
الرئيسية » اخفاقات حكومة العبادي »

الدماء تلوّن احتجاجات كردستان.. وبغداد تلوّح بالتدخل العسكري

الدماء تلوّن احتجاجات كردستان.. وبغداد تلوّح بالتدخل العسكري

قسم التقارير – كردستان

أخذت الاحتجاجات الشعبية الغاضبة في إقليم كردستان منحًى خطِرًا يُؤزم الموقف ويزيده تعقيدًا، وذلك بوقوع قتلى وجرحى في تصاعد حدة الاحتجاجات أمس الثلاثاء، حيث قُتل ثلاثة متظاهرين وأصيب 80 آخرون جراء المواجهات بين محتجين غاضبين على تردي الخدمات وضعف واقعهم الاقتصادي وتأخر صرف رواتب موظفي كردستان، وذلك خلال التظاهرات التي شهدها قضاء “رانية” التابع لمحافظة السليمانية حسبما أعلنت دائرة صحة القضاء، فيما قتل أربعة من حراس مقر حزبي للاتحاد الوطني الكردستاني إثر اضرام النار فيه من قبل محتجين غاضبين في قضاء “كويسنجق” التابع لمحافظة أربيل بحسب مصادر محلية، كما أقدم متظاهرون غاضبون، أمس الثلاثاء، على قطع الطريق الرئيس الرابط بين السليمانية ودربندخان، وأضرم بعضهم النار في عدد من دوائر الدولة في ناحية “طقطق” بأربيل، في حين استقبلت مستشفى “كوية” 19 مصابا جراء المواجهات بين القوات الكردية والمحتجين، فضلاً عن عشرات الإصابات والاعتقالات بصفوف المحتجين في مدن ومناطق عدة بالإقليم، فيما فُرض حظر تجوال ليلة أمس وتعطيل الدوام الرسمي اليوم الأربعاء عدا موظفي قوى الأمن في جمجمال وتكية وكفري بمحافظة السليمانية.

وتوزعت الاحتجاجات حتى الآن بين (أربيل، السليمانية، جمجمال، راوندوز، كويه، كفري، رانية، كلار، حلبجة) ولم يفرّق المحتجون بين مقرّ وآخر أو حزب عن غيره، فأحرقوا حتى مقارّ تابعة لحركة التغيير والاتحاد الإسلامي المؤيدين للتظاهرات.

“الوضع الشعبي في السليمانية بأنه في غليان متصاعد، والناس العاديون وغير المشاركين بالاحتجاجات في قلقٍ وحذرٍ شديدين”

دعوات لثورة وليس احتجاجًا فقط

النائب عن الجماعة الإسلامية الكردستانية (زانه سعيد)، وفي تصريح صحفي له أمس الثلاثاء، قال “إن السلطة في إقليم كردستان تستحق ثورة ضدها وليس تظاهرات فقط، لأنها لا تستجيب لمطالب الجماهير والمناشدات الدولية والمحلية، واستبدّت بالأمر واصبحت مشغولة بمصالحها وشركاتها الحزبية، وهي فاشلة على جميع الأصعدة، وأن المواطنين بالإقليم بدأوا يشعرون باليأس من الإصلاحات ما دفعهم للتظاهرات وثورة الغضب، لافتا إلى أن “الحزب الديمقراطي الكردستاني يضع دائما اعذارا واتهامات جاهزة للنيل من حقوق الشعب الكردستاني ومنها أن التظاهرات مسيّسة، وأكد أن “التظاهرات ستستمر وستصل إلى أماكن أخرى”، مُبديًا خوفه من “التظاهرات العامة للشعب وليست المخصصة كتظاهرات المعلمين أو رجال الدين أو المهندسين أو الطلاب وغيرها؛ لأن التظاهرات العامة قد يتخللها أعمال عنف وقد يكون هناك بعض المندسين من أطراف تريد إضاعة حقوق الجماهير، خاصة وأنها تظاهرات عفوية وبلا قيادة”.

أجواء حرب في السليمانية

وصف المواطن من مدينة السليمانية (عمر مصطفى) لــ”وكالة يقين” الوضع الشعبي في السليمانية بأنه في غليان متصاعد، والناس العاديون وغير المشاركين بالاحتجاجات في قلقٍ وحذرٍ شديدين، والأسواق اليوم بدت خالية من المتبضعين، والمحالّ التجارية مغلقة، وكأنها أجواء حرب، فيما يواصل المتظاهرون احتجاجاتهم في قلب المدينة، ومعظمهم من الموظفين الحكوميين والكوادر التدريسية احتجاجاً على تأخر رواتبهم وعدم دفعها لهم، وأضاف، أن قوات الأسايش والبيشمركة تجمّعت بشكل غير مسبوق، فضلاً عن قوات جهاز مكافحة الإرهاب التي يرأسها “لاهور شيخ جنكي طالباني”، والتي عادة لا تنزل إلى الشارع إلاّ بوجود أمر جلل وخطير يحتاج لمعالجة أمنية سريعة بحسب المواطن السليماني، والذي أكد أن المناوشات بين المحتجين والقوات لا تزال مستمرة، واستخدمت القوات الكردية الغازات المسيلة للدموع أسفرت عن إصابات في صفوف المحتجين.

وتابع “مصطفى” أن التظاهرات أخذت طابعاً جديداً، ليست احتجاجا على حكومة أربيل فحسب، وإنما ندّدت بحكومة السليمانية نفسها وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني وعائلة طالباني بشكل خاص من خلال الشعارات التي ردّدها المتظاهرون واللافتات التي رفعوها، كما اتهم المتظاهرون بشكل علني حزب الاتحاد الوطني وعائلة طالباني بالخيانة والتواطؤ مع الحكومة المركزية في إدخالها إلى كركوك قبل أكثر من شهرين.

بغداد تلوّح بالتدخل العسكري

وإزاء تلك التطورات في الإقليم تبرز مخاوف لدى الأوساط الشعبية والسياسية في إقليم كردستان من تدخُّل مباشر للقوات المشتركة بحجة بسط الأمن في مدن الإقليم على غرار ما حدث في مدينة كركوك، حيث دعا رئيس الوزراء حيدر العبادي خلال مؤتمره الأسبوعي، أمس الثلاثاء، سلطات إقليم كردستان إلى احترام التظاهرات السلمية، وقال “لن نقف مكتوفي الأيدي في حال تم الاعتداء على أي مواطن في إقليم كردستان”، مؤكداً في الوقت ذاته بأنه “لا يمكن صرف جميع رواتب الموظفين في إقليم كردستان بسبب وجود فساد”.

وقبل تصريحات العبادي أعلن (يحيى رسول) الناطق باسم قيادة العمليات المشتركة، عن استعداد القوات الاتحادية للتدخل “لحماية شعب الإقليم ودمائه”، على حد تعبيره، كما طالبت لجنة الأمن والدفاع النيابية وبرلمانيون آخرون بإرسال قوات عسكرية اتحادية إلى محافظة السليمانية لبسط الأمن تزامناً مع التظاهرات والاحتجاجات التي تشهدها المحافظة.

ويرى مراقبون أن تصريح العبادي خلال مؤتمره الأسبوعي أمس هو تلويح صريح بالتدخل العسكري في أربيل والسليمانية بحجة بسط الأمن والدفاع عن المواطنين الكُرد. وبشأن تصريحه بعدم دفع رواتب موظفي الإقليم، فهو نيّة واضحة على أن بغداد لا تريد المشاركة في حل أزمة الإقليم، وأنها تريد للتظاهرات أن تزداد وللوضع أن ينفجر، حتى تكون الأرضية مهيأة لتدخل عسكري لن يلومه عليه أحد، وهو ما تريده الحكومة المركزية عموماً، والعبادي بصفة شخصية لاستثماره في نقاطه الانتخابية التي تؤهله لولاية ثانية يرنو إليها.

 البارزاني يحذّر من تدخّل عسكري لبغداد

في المقابل حذّر رئيس حكومة الإقليم (نيجرفان البارزاني) -الذي يزور ألمانيا حاليا- من تدخل عسكري مباشر للقوات الحكومية على خلفية الاحتجاجات، وفي رسالة وجهها لشعب كردستان وحصلت “وكالة يقين” على نسخة منها، أوضح البارزاني أنه يجب أن لا ننسى بأننا نعيش في منطقة يسودها العنف وعدم الاستقرار، كما أن قوات البيشمركة تصدوا يوم أمس لهجوم عنيف من قبل تنظيم الدولة، لافتا الى أن “تحركات القوات المشتركة في منطقة مخمور أيضا مبعث قلق بالنسبة لنا”.

“مخاوف البارزاني من تدخل بغداد عسكريا حقيقية ولَم تأتِ من فراغ، ولها شواهد تؤيدها على أرض الواقع”

وخاطب البارزاني المتظاهرين بقوله “إن أقليمنا يمر بمرحلة حساسة وأنا أتفهم مطالبكم ومتعاطف معكم وأن التعبير السلمي للرأي حق شرعي وديمقراطي، وأن اتحادنا هو قوتنا في هذا الظرف الصعب”.

وبحسب مراقبين فإن مخاوف البارزاني من تدخل بغداد عسكريا حقيقية ولَم تأتِ من فراغ، ولها شواهد تؤيدها على أرض الواقع، فتحركات القوات المشتركة المريبة في مخمور جنوب غربي أربيل جاءت متزامنة مع احتجاجات الإقليم، إضافة إلى تصريحات العبادي الملوّحة بعصا قواته الحكومية بالتدخل عسكريا لحماية المتظاهرين، ثم جاءت تصريحات البارزاني لتؤكد هذا الاحتمال.

و صرّح مصدر أمني في الإقليم لـ”وكالة يقين” وفضّل عدم ذكر اسمه؛ بأن التدخل العسكري لبغداد هو أمر ترفضه كردستان حكومة وشعباً، ومهما يحدث من تظاهرات وحتى اشتباكات هو شأن داخلي بين حكومة الإقليم وشعب كردستان، مضيفاً، “لن نسمح للقوات المشتركة أن تقتحم قلب كردستان، وستكون حرباً طاحنة يلتحم فيها الإقليم حكومة وشعبا لمواجهة تلك القوات المهاجمة”، على حدّ قوله.

“لقمة الشبعان على الجوعان بُطيّة”

وبشأن البيان الذي أصدرته حكومة إقليم كردستان أول أمس الإثنين أكدت فيه على حق التظاهر لكن مع الابتعاد عن مظاهر العنف، علّق الناشط الكردي (آزاد صدّيق) في حديثه لــ”وكالة يقين” بأن البيان ينطبق عليه المثل العراقي الشهير “لقمة الشبعان على الجوعان بُطيّة”، وبيّن أن رؤوس الحكومة وساستها متخمون وعوائلهم بالأموال، ولا يعيرون اهتماماً للموظفين الكادحين فضلاً عن المواطن البسيط، واستغرب “صدّيق” من مغالطات البيان الحكومي بقوله “بدل أن يُقدّم حلاً أو يَعد بانفراج للأزمة الاقتصادية والمالية التي تجتاح الإقليم؛ يطالبنا البيان بالابتعاد عن العنف وحُسن التظاهر، وكيف يريدنا أن نتظاهر بأسلوب حضاري، ولم تتعامل معنا الحكومة على أساس حضاري وتحترم مشاعر الجياع من الناس”.

ومما جاء في بيان حكومة الإقليم أول أمس الإثنين “تعتبر حكومة إقليم كردستان التظاهر حقا شرعيا للمواطنين ودافعت عنه دائما وسوف تستمر في ذلك، بيد أننا ننظر بقلق إلى هذه الممارسات البعيدة عن المدنية، وإلى العنف الذي استخدم في عدد من مدن وبلدات كردستان وبالأخص التي حدثت ضمن حدود محافظة السليمانية والتي استهدفت عددا من الدوائر الحكومية والمقارّ الحزبية وأدت إلى إصابة عدد من الأشخاص وإلحاق الأضرار بأملاك وأموال المواطنين”.

“المظاهرات العفوية لم تعفِ أياً من مقارّ الأحزاب الرئيسة من الحرق والتدمير بما فيها الأحزاب المحتجّة أو المؤيدة للمظاهرات”

الشعب الكردي عازم على التغيير

وفي حديثه لـ”وكالة يقين” ذكر الباحث والمحلل السياسي (د. الناصر دريد) أن هذه التظاهرات والاحتجاجات تعتبر خطوة حقيقية وإرادة شعبية عازمة على تغيير الوضع في الإقليم، وخرجت بشكل عفوي ضد إدارة الإقليم وأحزابه وقواه السياسية، ورغم أن حركة كوران (التغيير) كانت هي من دعا إلى قيام هذه التظاهرات بسبب تأزم الموقف السياسي بينها وبين الحزب الحاكم (الديمقراطي الكردستاني أو ما يعرف بالبارتي) إثر رفض الأخير مطلبهم بحل حكومة نيجرفان بارزاني الحالية وإعلان حكومة وحدة وطنية تقود الإقليم في هذا الظرف الخانق اقتصادياً وسياسياً حتى موعد الانتخابات القادمة، إلاّ أن المظاهرات العفوية لم تعفِ أياً من مقارّ الأحزاب الرئيسة من الحرق والتدمير بما فيها الأحزاب المحتجّة أو المؤيدة للمظاهرات، في بادرة تدل على جزع وسأم شعب كردستان واحتجاجه على ما وصل إليه الحال بسبب هذه القوى من دون تمييز.

وأضاف دريد، أن إقليم كردستان قد دخل أزمة مالية خانقة منذ ثلاث سنوات إبّان المعارك المحتدمة مع تنظيم الدولة، وتزامن معها الانخفاض الحاد في أسعار النفط، الأمر الذي كشف عن مدى هشاشة اقتصاد الإقليم الريعي، وتغلغل الفساد بنسب كبيرة في مؤسساته، ناهيك عن الأزمة السياسية المزمنة والمتمثلة برفض تسليم السلطة من قبل الحزب الحاكم وفشل كل محاولات التوصل إلى نتيجة مُرضية لهذه الأزمة، الأمر الذي تُوّج بقيام حكومة الإقليم بغلق برلمان كردستان وطرد جميع أعضائه من جماعة كوران (التغيير) ومنعهم حتى من دخول أربيل، ثم جاءت قضية الاستفتاء التي أدت إلى هزيمة سياسية وعسكرية غير مسبوقة للإقليم منذ نشأته مطلع تسعينات القرن الماضي تمثلت بفقدانه جميع المناطق المتنازع عليها والتي كانت تحت سيطرته وأهمها كركوك منذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، فضلاً عن تنحّي مسعود البارزاني من رئاسة الإقليم وبقاء المنصب شاغراً، وتراجُع الإقليم عن استفتائه عبر إعلانه احترام قرار المحكمة الاتحادية ببطلان الاستفتاء، والموافقة على كل شروط بغداد حول المعابر الحدودية والمطارات وتدقيق أسماء موظفي الإقليم، كل ذلك طمعاً بإعادة بغداد دفع رواتب موظفي الإقليم وإنقاذه من حالة الإفلاس التي يعانيها في ظل أزمته الاقتصادية الخانقة.

وتابع الباحث السياسي، أن بغداد ورغم كل محاولات رئيس حكومة الإقليم “نيجرفان بارزاني” في توسيط أطراف دولية كالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وداخلية كمرجعية النجف؛ ما زالت ممتنعة عن بدء حوار مع الإقليم من دون تقديم سبب مقنع، فيما تضمّنت ميزانية الدولة المقررة لعام 2018 خفضاً حاداً في حصة الإقليم من 17% إلى 12% فقط من دون التشاور معه.

وفي ظل تلك التطورات والصراعات المتداخلة في ملف إقليم كردستان، ربما ستتطور الأحداث إلى عامل جديد غير محسوب في حسابات العراق خصوصاً والمنطقة بشكل عام، إذا ما فشلت جهود التهدئة في السيطرة على غضب شعب كردستان وحل الأزمة الاقتصادية التي يعانيها الإقليم.

المصدر:وكالة يقين

تعليقات